شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(6)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس السادس من شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُقيم المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة، التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للسابع من ديسمبر سنة 2018م. ويشرح فيه الشيخ بابًا عظيمًا هو: «باب ما يُكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع». وفي هذا الباب يحذّر الإمام البخاري الأمة من أسباب الانحراف عن المنهج النبوي.
وللموضوع أهمية كبيرة، لأن الغلو والتنطع والابتداع والتفرق في الدين من أخطر ما أصاب الأمة قديمًا وحديثًا. ويبيّن الشيخ أن التمسك بالوحيين، وهما القرآن الكريم والسنة المطهرة، هو طريق النجاة. ويذكر أن الدين قد كمل، فلا يحتاج إلى زيادة ولا تشديد لم يأذن به الله تعالى.
ويخرج المشاهد من هذا المجلس بعدة أمور: أن يفهم معنى «الكراهة» في كلام الأئمة المتقدمين، وأن يعرف حقيقة البدعة وحدّها الشرعي، وأن يميّز بين الغلو والتشدد من جهة والاعتدال المشروع من جهة أخرى. ويشرح الشيخ كذلك حديث النهي عن الوصال في الصيام، ثم يذكر قصة القاضي حفص بن غياث رحمه الله، وهي مثال مشرق على عزة القضاء الإسلامي إذا قام بالحق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى «الكراهة» عند السلف وخطأ حمل كلامهم على اصطلاحات المتأخرين
يبيّن الشيخ أن قول البخاري «باب ما يُكره» يراد به التحريم، لا الكراهة التنزيهية التي اصطلح عليها المتأخرون. ويقرر قاعدة مهمة: لا يجوز أن نحاكم كلام المتقدمين إلى اصطلاحات المتأخرين. فالواجب أن نفهم كلام الأئمة بحسب اصطلاحهم هم.
ويستدل الشيخ بأن الكراهة جاءت في الشرع بمعنى التحريم، كما في قوله تعالى بعد ذكر جملة من كبائر المحرمات: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]. ومن ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»، وإضاعة المال محرمة.
ويذكر الشيخ أن الأئمة كانوا يعدلون عن لفظ «حرام» إلى لفظ «أكره» تورعًا، خوفًا من الدخول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]. وقد نبّه الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه المسألة في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، وذكر لها أمثلة كثيرة.
ويطبّق الشيخ ذلك على التنازع في الدين. فتفرّق الناس إلى شيع وأحزاب وفرق ليس أمرًا مكروهًا كراهة تنزيه فقط، بل هو محرم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
المحور الثاني: التعمق والغلو والتنطع وصورهما
يشرح الشيخ أن الغلو والتنطع هو أن يشدد الإنسان على نفسه وعلى غيره ما لم يشدده الله عز وجل. ومن صوره أن يجعل المكروه محرمًا يلزم به الناس، أو أن يجعل المستحب فرضًا. ومثال ذلك ركعتا السنة بعد العشاء: هما نافلة وليستا فريضة. ومثله بعض الأدعية والأذكار والاستغفار، فهي من باب المستحبات، فلا يجوز إلزام الناس بها كأنها واجبة.
ويذكر الشيخ مثالًا واقعيًا هو تغطية الرأس في الصلاة. فقد بالغ فيها بعض الناس في زمن قريب حتى ظنوا أن صلاة مكشوف الرأس لا تجزئ. والصحيح أن الصلاة صحيحة مع تغطية الرأس وبدونها، لأن رأس الرجل ليس عورة، وإنما التغطية من باب الأكمل والأفضل.
ومن التعمق المذموم أن يترك الإنسان الكلام في التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يشغل نفسه بأسئلة لا فائدة منها. ومن أمثلتها السؤال عن نوع عصا موسى، أو اسم امرأة لوط، أو لون كلب أصحاب الكهف، أو شكل ناقة صالح. ومن التعمق المذموم كذلك الخوض فيما وراء العقل، كما يفعل الفلاسفة، وكما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من وسوسة الشيطان: «من خلق كذا؟ من خلق كذا؟».
وقد صدّر البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171]. ويبيّن الشيخ أن الواجب على كل مسلم، عالمًا كان أو داعية أو طالب علم أو واعظًا، ألا يقول على الله إلا الحق. والحق هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحيين: الوحي المتلو وهو القرآن، والوحي غير المتلو وهو السنة المطهرة.
المحور الثالث: حقيقة البدعة وخطر الابتداع في الدين
يبيّن الشيخ أن البدعة في اللغة هي ما أُحدث على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أما في الاصطلاح فيذكر تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله: «طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها التقرب إلى الله تعالى».
ويوضح الشيخ أن المخترعات الدنيوية، مثل الطائرات والسيارات والبواخر، ليست من البدعة المذمومة. فالبدعة الضلالة هي ما كان في الدين، لأن الدين قد كمل، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
ويضرب الشيخ مثلًا ببدعة الاحتفال بالمولد النبوي. ويبيّن أن الاحتفاء الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون في كل لحظة، باتباعه وإحياء سنته والدعوة إلى شريعته. أما تخصيص ليلة من السنة بمظاهر محدثة، وما يصاحبها أحيانًا من منكرات، ثم رمي من لم يشارك فيها بالتشدد والتطرف، فذلك قلب للحقائق.
المحور الرابع: حديث النهي عن الوصال في الصيام
يشرح الشيخ إسناد الحديث ويترجم لرجاله: عبد الله بن محمد المسندي الجعفي، وهشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء، ومعمر بن راشد، والإمام الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة رضي الله عنه حافظ الأمة. وفي أثناء ذلك يبيّن معنى «ولاء الإسلام» في نسبة البخاري إلى الجعفيين.
ونص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُوَاصِلُوا»، قالوا: إنك تواصل، قال: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ»، كالمنكِّل لهم.
ويبيّن الشيخ أن الوصال هو أن يصوم الإنسان يومين أو أكثر دون أن يطعم شيئًا، وأنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وأن معنى «يطعمني ربي ويسقين» طعام معنوي، يجده من أنسه بالله وقربه منه وحلاوة الإيمان. ولو كان أكلًا حقيقيًا لما كان وصالًا. ويضرب لذلك مثلًا: الإنسان ينسى الطعام والشراب في مجالسة حبيبه في الدنيا، فكيف بالأنس برب العالمين؟ ويذكر قصة فقيه فرح بحل مسألة علمية أكثر من فرحه بالرزق.
ويوضح الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم ظنوا أن النهي للإرشاد لا للتحريم، كما ظنوا في أمره لهم بالحلق والنحر يوم الحديبية. فلما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها أشارت عليه أن يخرج فيحلق وينحر دون أن يكلم أحدًا، ففعل، فتبعه الصحابة. ويستفاد من قصة الوصال أن التكلف في العبادة بما لم يشرعه الله نوع من الغلو.
المحور الخامس: قصة القاضي حفص بن غياث وعزة القضاء بالحق
ينتقل الشيخ إلى الحديث التالي وإسناده: عمر بن حفص بن غياث عن أبيه. ويترجم لحفص بن غياث الكوفي القاضي رحمه الله، ويذكر قوله: «ما وليت القضاء حتى حلّت لي الميتة». والمعنى أنه لم يقبل القضاء إلا مضطرًا، بخلاف من يتهافتون اليوم على المناصب.
ويروي الشيخ قصة رجل من خراسان باع جمالًا بثلاثين ألف درهم للمرزبان المجوسي، وكيل أم جعفر زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد. فماطله الوكيل في الثمن حتى رفع أمره إلى حفص بن غياث. فأقرّ المجوسي بالدين، ثم زعم أن المال على السيدة، فحبسه القاضي. فغضبت أم جعفر وأرسلت السندي فأخرجه من الحبس. فقال حفص: «أُحبس أنا ويخرج السندي؟ لا جلست مجلسي هذا أو يُردّ مرزبان إلى الحبس». فرُدّ إلى الحبس. ولما بلغه أن أمر القضية سيُنقل إلى القاضي أبي يوسف، عجّل الحكم وأسجل للرجل على المجوسي بماله قبل وصول الكتاب.
ويربط الشيخ القصة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». فالقصة شاهد على عزة المسلم إذا حكم بالحق لا بالهوى، ولم يبالِ برضا المتنفذين.
النقاط الرئيسية
- لفظ «الكراهة» في كلام الشرع والأئمة المتقدمين يراد به غالبًا التحريم، ولا يُحمل كلامهم على اصطلاحات المتأخرين.
- التنازع والتفرق في الدين إلى أحزاب وشيع محرّم، لأنه سبب للفشل وذهاب قوة الأمة.
- الغلو هو التشديد بما لم يشدده الله، كإلزام الناس بالمستحبات كأنها فرائض، أو تحريم المكروهات عليهم.
- البدعة المذمومة هي ما أُحدث في الدين على وجه التعبد، أما المخترعات الدنيوية فليست منها.
- التعمق في الأسئلة التي لا فائدة منها، والخوض فيما وراء العقل، من التكلف المنهي عنه.
- الوصال في الصيام من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بإطعام ربه له الغذاء المعنوي بالأنس بالله.
- القاضي العادل يحكم بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم، كما فعل حفص بن غياث رحمه الله.
الفوائد والعبر
- التثبت في فهم كلام العلماء وفق اصطلاحاتهم، قبل نسبة قول إليهم أو الاعتراض عليهم.
- الاعتدال في التدين، فلا نلزم أنفسنا ولا غيرنا بما لم يوجبه الله، ونعطي كل حكم شرعي منزلته.
- الاشتغال بالعلم النافع، كالتوحيد وأحكام العبادات، والإعراض عن الأسئلة التي لا ينبني عليها عمل.
- محبة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية تكون باتباع سنته في كل حين، لا بإحداث ما لم يشرعه.
- التلذذ بالطاعة والأنس بالله غذاء للروح يغني عن كثير من متاع الدنيا، وثبات أهل الحق يورث العزة ويُحق الحق ولو كره المتنفذون.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات