شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (25) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,007 مشاهدة
183 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والعشرون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس مسألة فقهية دقيقة كثيرة الوقوع، وهي حكم إجارة المسلم نفسه على عمل محرّم، كحمل الخمر والخنزير والميتة، للنصراني أو للمسلم. ويتفرع عنها حكم الأجرة المأخوذة على ذلك: هل يستحقها العامل؟ وهل تطيب له؟ وماذا يصنع بها؟

يعرض الشيخ نص الإمام أحمد في هذه المسألة، وطرق أصحابه الحنابلة الثلاث في فهمه، ثم ترجيح شيخ الإسلام. ويربط ذلك بواقع الناس المعاصر، كفوائد البنوك الربوية وأجرة العمل في مصانع الدخان، وأجور المغنين ومن تاب من الكسب الحرام.

ويهدف المجلس إلى أن يتعلم المشاهد ما يلي:

  • التمييز بين العمل المحرّم لذاته والعمل المحرّم لقصد المستأجر.
  • فهم قاعدة أن العقد قد يكون صحيحًا في حق طرف وفاسدًا في حق الآخر.
  • معرفة كيفية التخلص من المال الحرام على وفق مقاصد الشريعة.
  • إدراك وجه دخول هذه المسألة في الكتاب، وهو تحريم الإعانة على أعياد الكفار وشعائرهم من باب أولى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نص الإمام أحمد في إجارة النفس لحمل المحرمات

نقل شيخ الإسلام قول الإمام أحمد فيمن حمل خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة لنصراني: «أكره أكل كرائه، ولكن يُقضى للحمّال بالكراء، وإذا كان لمسلم فهو أشد». وزاد بعضهم في الرواية: «ويكره أن يحمل الميتة بكرائه أو يخرج دابة ميتة». فالأصل عند أحمد أن المسلم لا يُقدِم على هذا العمل ابتداءً، فإن فعل قُضي له بالأجرة.

وبيّن الشيخ أن الكراهة هنا كراهة تحريم لا كراهة تنزيه، كما صرّح بذلك أبو الحسن الآمدي. ودليل التحريم أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حامل الخمر. ولا يمتنع مع التحريم أن يُقضى له بالأجرة، ونظيره أجرة الحجّام، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام بأنه خبيث، ومع ذلك احتجم وأعطى الحجام أجره.

والجمع بين الأمرين أن الحجّام إذا اشترط الأجرة فهي خبيثة، وإن استحقها قضاءً. وأما إذا لم يشترط وأُعطي من طيب نفس مقابل وقته وجهده، فلا حرج في ذلك، وعلى هذا يُحمل حديث أبي طيبة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» (رواه أبو داود).

وقال صلى الله عليه وسلم: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: طرق الحنابلة الثلاث في فهم نص الإمام

اختلف أصحاب أحمد في تفسير نصه على ثلاث طرق:

  • الطريقة الأولى: إجراء النص على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. وهي طريقة ابن أبي موسى: يُكره له العمل كراهة تحريم، فإن فعل قُضي له بالكراء. وفي طيب الأجرة له وجهان، أوجههما أنها لا تطيب له ويتصدق بها.
  • الطريقة الثانية: تأويل النص بما يخالف ظاهره، وأن الإجارة لا تصح أصلًا ولا يستحق أجرة. وهي طريقة القاضي أبي يعلى في كتابه «المجرد»، وهي طريقة ضعيفة رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة، لأنه صنّف المجرد قديمًا.
  • الطريقة الثالثة: تخريج المسألة على روايتين. إحداهما: الإجارة صحيحة ويستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثانية: لا تصح ولا يستحق أجرة. وهذه طريقة القاضي في «التعليق»، وعليها أكثر الأصحاب كأبي الخطاب الكلوذاني صاحب «التمهيد»، والمنصور عندهم الرواية المخرّجة الموافقة لمذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن.

واستدل أصحاب الطريقة الثالثة بنص أحمد في رواية أبي طالب فيمن أسلم وله خمر أو خنزير: «تُصبّ الخمر ويُسرّح الخنزير، وقد حرم عليه، وإن قتله فلا بأس». فنصّ على أنه لا يجوز إمساك الخمر، والإتلاف أولى حتى لا ينتفع بها أحد. ونصّ أيضًا على كراهة أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يُباع لغير الخمر.

ثم رجّح شيخ الإسلام طريقة ابن أبي موسى، لأنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب إلى القياس.

المحور الثالث: اعتبار القصد في حكم الحمل، وقاعدة العقد الصحيح من جهة والفاسد من أخرى

فرّق الأصحاب بحسب الغرض من الحمل:

  • إن استؤجر على حمل الخمر إلى بيت أو حانوت ليُشرب، فهو محرّم.
  • إن حملها ليريقها، أو حمل الميتة إلى الصحراء دفعًا لأذى رائحتها عن المسلمين، فالإجارة صحيحة لأنه عمل مباح.
  • إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، لأنه لا قيمة له ولا يُنتفع به، فيرده على صاحبه إن كان قد سلخه.

وبيّن شيخ الإسلام أن الحمل والعصر منفعة تستحق العوض، وليست محرّمة في نفسها، وإنما حُرّمت لقصد المستأجر. فهي كمن باع عنبًا أو عصيرًا لمن يتخذه خمرًا: لا يذهب ماله مجانًا، بل يُقضى له بالعوض. أما الإجارة على الزنا أو السرقة أو القتل أو الغصب فالعمل نفسه محرّم من أصله، فلا يُقضى له بشيء، كمن باع ميتة أو خمرًا.

وقرّر قاعدة مهمة: هذه الإجارة لا توصف بالصحة مطلقًا ولا بالفساد مطلقًا. فهي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه دفع الأجرة. وهي فاسدة بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بها، وللشريعة في ذلك نظائر. والحكمة أننا لو لم نقضِ له بالأجرة لاستعان أهل الفسق بالناس في معاصيهم ثم لم يعطوهم شيئًا، وفي ذلك مفسدة عظيمة.

المحور الرابع: كيفية التخلص من المال الحرام وتطبيقاته المعاصرة

ضرب الشيخ مثالًا بمن وضع ماله في البنك ثم علم أن عائده ربوي محرّم، وذكر أن أمامه ثلاث حالات:

  • أن يأخذه وينفقه على نفسه أو أهله، وهذا أكل للربا وعين التحريم.
  • أن يتركه للبنك فينتفع به، وهذا من التعاون على الإثم والعدوان.
  • أن يأخذه ويتصدق به على فقراء المسلمين أو في مصالحهم. وهذا هو الموافق لمقاصد الشريعة، مع بقاء المال خبيثًا لا يحل له الانتفاع به، ودون أن يعني ذلك جواز المعاملة ابتداءً.

ومن تطبيقاتها عند الشيخ: أجرة من عمل في مصنع الدخان، أو في مزرعة عنب يُعلم أنها تُستخدم في صناعة الخمر. فالواجب ترك العمل، فإن عمل وقبض الأجرة تخلّص منها بالصدقة. أما إذا تأكد أن العنب لا يُباع لصناعة الخمر فلا حرج.

ومن ذلك أيضًا البغي والمغني والنائحة إذا تابوا بعد قبض الأجرة. أصح القولين أنهم لا يردّونها على الفساق الذين بذلوها، ولا تُباح لهم، بل يتصدقون بها وتُصرف في مصالح المسلمين، كما نصّ أحمد في أجرة حمّال الخمر. وعلّة ذلك أن الباذل قد استوفى المنفعة المحرّمة عن طيب نفس، ولا يمكن ردّ هذه المنفعة إليه، فلا يُجمع له بين العوض والمعوَّض. وفرّق الشيخ بين المسلم والكافر: المسلم كان معتقدًا للتحريم فيحرم عليه الانتفاع، والكافر الإسلامُ يجبّ ما قبله.

المحور الخامس: العقوبات المالية وصلة المسألة بأعياد الكفار

قرّر شيخ الإسلام أن العقوبات المالية باقية غير منسوخة، وأنه يُعاقَب الخمّار بإحراق الحانوت الذي تُباع فيه الخمر، كما نصّ عليه أحمد وغيره من العلماء. وقد حرّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حانوتًا يُباع فيه الخمر، كما في مصنف عبد الرزاق. وحرّق علي بن أبي طالب رضي الله عنه قرية تُباع فيها الخمر. ومن هنا كان الواجب على ولاة الأمر إغلاق المحلات التي تُباع فيها الخمور.

ثم بيّن الشيخ وجه إيراد هذه المسائل في الكتاب. فإذا كان يحرم على المسلم أن يؤجر نفسه لحمل الخمر أو للإعانة على الزنا أو الربا، فمن باب أولى أن يحرم عليه أن يؤجر نفسه لبناء كنيسة يُكفر فيها بالله، أو لخدمة شعائرهم الدينية. وكذلك يحرم بيعهم ما يقيمون به أعيادهم، وإجارتهم العقار لذلك، وهذا أشد.

وأحال الشيخ للاستزادة في المسألة إلى كلام ابن القيم في «زاد المعاد» (المجلد الخامس)، وفي «مدارج السالكين» (المجلد الأول).

قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

النقاط الرئيسية

  • يحرم على المسلم أن يؤجر نفسه لحمل الخمر أو الخنزير أو الميتة لمن ينتفع بها، والكراهة في كلام أحمد هنا كراهة تحريم.
  • رجّح شيخ الإسلام طريقة ابن أبي موسى: يُقضى للأجير بالأجرة، لكنها لا تطيب له ويتصدق بها.
  • الحكم يدور مع القصد: حمل الخمر لإراقتها، أو الميتة لإبعاد أذاها، عمل مباح والإجارة عليه صحيحة.
  • ما كان محرّمًا لذاته كالزنا والسرقة لا يُقضى فيه بأجرة، وما حُرّم لقصد المستأجر يُقضى فيه بالعوض.
  • قد يكون العقد صحيحًا في حق طرف وفاسدًا في حق الآخر، وللشريعة في ذلك نظائر.
  • من تاب من كسب محرّم لا يردّه على الفاسق الباذل ولا ينتفع به، بل يصرفه في مصالح المسلمين.
  • العقوبات المالية باقية غير منسوخة، كإحراق حوانيت الخمر كما فعل عمر وعلي رضي الله عنهما.

الفوائد والعبر

  • تحرَّ مصدر كسبك قبل قبول أي عمل، فإن العبد يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
  • إن كان لك عائد ربوي في البنك فلا تأكله ولا تتركه للبنك، بل تخلّص منه بإعطائه لفقراء المسلمين، وتُب إلى الله بسحب مالك من المعاملة المحرّمة.
  • احذر أن تكون عونًا على المعصية ولو بعمل يبدو مباحًا في ظاهره، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن حامل الخمر كما لعن شاربها.
  • لا تشارك في شيء من شعائر الكفار وأعيادهم ببيع أو إجارة أو خدمة، فإنه أعظم تحريمًا من الإعانة على سائر المعاصي.
  • العزة والشرف في الكسب الحلال ولو كان يسيرًا كبيع الخضروات، فالسَّفَلة حقًّا هم الظالمون والمفسدون في الأرض، لا الفقير العفيف.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات