شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (19) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع عشر من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يكمل الشيخ في هذا المجلس الأدلة من السنة النبوية على تحريم الاحتفال بأعياد غير المسلمين وتحريم مشاركتهم فيها، فيشرح الوجه الثالث والوجه الرابع كما ذكرهما شيخ الإسلام.
والموضوع مهم لأنه يتصل بهوية المسلم العقدية، ويبيّن أن الأعياد من الشرائع التي تختص بها كل أمة. ولهذا كان التشبه بالكفار فيها بابًا من أبواب الذوبان في غير دين الله. ويبيّن المجلس أيضًا كيف محا النبي ﷺ أعياد الجاهلية كلها، فلم يبقَ للمسلمين إلا عيدا الفطر والأضحى.
وأهداف هذا المجلس أن يفهم المشاهد وجه الاستدلال في حديث النذر ببُوانة وحديث الجاريتين يوم بُعاث، وأن يعرف حكمة الشريعة في الأمر بمخالفة أصحاب الجحيم، وأن يحذر من الأعياد المحدثة التي انتشرت بين المسلمين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الوجه الثالث من السنة: محو أعياد الجاهلية
يبدأ الشيخ بحديث الرجل الذي نذر أن ينحر إبلًا ببُوانة، فسأله النبي ﷺ عن المكان هل كان فيه وثن يُعبد أو عيد من أعياد الجاهلية. ويستدل شيخ الإسلام بهذا الحديث وغيره على أن أهل الجاهلية كانت لهم أعياد يجتمعون فيها، وأن النبي ﷺ لما بُعث محا الله به ذلك كله، فلم يبقَ منها شيء.
ووجه الدلالة أن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا ليتركوا هذه الأعياد لولا نهي النبي ﷺ ومنعه. فالدافع إليها كان قائمًا من جهتين: من جهة الطبع الذي يحب ما يكون في الأعياد من لعب ولذة، ومن جهة العادة التي أَلِفَتها النفوس، والعادة طبيعة ثانية. فلما تركوها كلها في وقت يسير دلّ ذلك على أن عندهم علمًا يقينيًّا بأن الله ورسوله يبغضان هذه الأعياد.
ويقرر الشيخ أن الأصل في النفس البشرية أنها أمّارة بالسوء إلا من رحم الله. ولهذا تميل النفوس إلى الباطل واللهو وتستثقل بعض التكاليف، ويضرب لذلك مثلًا بصلاة الفجر في البرد وقصر النوم. ومع هذا كان الصحابة يمزحون ويفرحون، وكانت حياتهم بسيطة، وكان النبي ﷺ يمازح ويلاطف، وسابق عائشة رضي الله عنها. فتركُهم أعياد الجاهلية لم يكن نفورًا من الفرح، وإنما كان امتثالًا لأمر الله ورسوله.
ومن الآيات الواردة في هذا المحور:
- قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]
- قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]
- قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]
المحور الثاني: كثرة الأعياد المحدثة في واقع المسلمين
يقارن الشيخ بين حال الصحابة الذين تركوا أعياد الجاهلية امتثالًا، وبين حال كثير من المسلمين اليوم وقد كثرت عندهم الأعياد والاحتفالات. فمنها أعياد وطنية وسياسية، ومنها مناسبات تُنسب إلى الدين وليس لها أصل في السنة، كالاحتفال بليلة السابع والعشرين من رجب على أنها ليلة الإسراء والمعراج، وبليلة النصف من شعبان، وبالمولد النبوي، ومنها شم النسيم.
ويقرر بكلام شيخ الإسلام أن النبي ﷺ كان ينهى أمته نهيًا قويًّا عن أعياد الكفار، ويسعى في إزالتها بكل سبيل. ويبيّن أن إقرار أهل الكتاب على دينهم بشرط الجزية لا يعني إبقاء شيء من أعيادهم في حياة الأمة، كما لا يعني إقرار سائر كفرهم ومعاصيهم. ولهذا منع العلماء إظهار شعائرهم في بلاد المسلمين. ويذكر الشيخ في هذا الباب كتاب «إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة» لشيخ الأزهر أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري رحمه الله.
- قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]
- قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]
المحور الثالث: حكمة الأمر بمخالفة أصحاب الجحيم
ينقل الشيخ قول ابن تيمية رحمه الله إن النبي ﷺ أمر أمته بمخالفة الكفار في كثير من المباحات وصفات الطاعات. والحكمة في ذلك ألا تكون الموافقة في الأمور الصغيرة ذريعة إلى الموافقة في غيرها، وأن تكون المخالفة حاجزًا يمنع من سائر أمورهم. فكلما كثرت المخالفة بين المسلمين وأصحاب الجحيم كانوا أبعد عن أعمال أهل الجحيم.
ويؤكد الشيخ أن الحكم على الناس بالإسلام أو الكفر حكم شرعي يؤخذ من الكتاب والسنة، ولا تغيّره المصطلحات الحادثة كالمواطنة وغيرها. فقد نصّ القرآن على كفر من قال بالتثليث. والتشبه بأهل الجحيم طريق يُخشى أن يوصل إلى مصيرهم، فمن أراد أن يكون من أهل النعيم فعليه أن يجتنب التشبه بأهل الجحيم.
- قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73]
- قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]
المحور الرابع: الوجه الرابع من السنة: حديث الجاريتين يوم العيد
يشرح الشيخ حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: دخل أبو بكر رضي الله عنه وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث. ويرجّح أن المراد بالجاريتين بنتان صغيرتان، وقد يكون المراد أَمَتين. ويقف عند قولها: «وليستا بمغنيتين»، فيبيّن أن ما فعلتاه إنشاد بسيط من الصغار، وليس كالغناء الذي يُحترف اليوم بالمعازف والألحان والفتنة بالأصوات.
ويستدل الشيخ بأن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر تسميته ذلك «مزمور الشيطان»، وإنما بيّن أن اليوم يوم عيد يُرخَّص فيه للصغار بشيء من اللهو المباح. ويقرر أن قوله ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» يدل على أن كل قوم يختصون بعيدهم كما يختصون بقبلتهم وشريعتهم. فلا نشارك اليهود والنصارى في أعيادهم، ولا ندعهم يشاركوننا في أعيادنا.
- قول أبي بكر رضي الله عنه: «أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟» [متفق عليه]
- قوله ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» [متفق عليه]
- وفي رواية: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» [متفق عليه]
- قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148]
- قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
النقاط الرئيسية
- كانت لأهل الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، فمحاها الله ببعثة النبي ﷺ، ولم يبقَ للمسلمين إلا عيدا الفطر والأضحى.
- ترك الصحابة أعياد الجاهلية مع قوة الدافع إليها من جهة الطبع ومن جهة العادة، وهذا دليل على علمهم اليقيني بتحريمها.
- الأصل في النفس أنها أمّارة بالسوء، ولذلك تحتاج إلى مجاهدة حتى تلتزم بالشرع وتترك ما ألفته من الباطل.
- إقرار أهل الكتاب على دينهم بشرط الجزية لا يعني إقرار شعائرهم وأعيادهم في بلاد المسلمين.
- أمر الشرع بمخالفة الكفار في كثير من الأمور ليكون ذلك حاجزًا يمنع الانجرار إلى موافقتهم فيما هو أعظم.
- قوله ﷺ: «إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا» نصّ في أن الأعياد من خصائص الأمم كالقِبلة والشريعة.
- الرخصة في حديث الجاريتين خاصة بإنشاد الصغار في يوم العيد، ولا تدل على إباحة الغناء المحترف بالمعازف.
الفوائد والعبر
- أن يعتز المسلم بعيدَي الفطر والأضحى وبهويته الإسلامية، وأن يكتفي بما شرعه الله عن أعياد غير المسلمين ومناسباتهم.
- أن يقتدي بالصحابة رضي الله عنهم في سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله، ولو خالف ذلك ما اعتاده الناس.
- أن يجاهد نفسه ويحذر من ميلها إلى اللهو والباطل، وأن يستعين بالله على الطاعات التي تثقل عليها.
- أن يرجع في الأحكام الشرعية والعقدية إلى نصوص الكتاب والسنة وفهم السلف، لا إلى الأعراف والمصطلحات الحادثة.
- أن يفرّق بين الفرح المباح والترويح المشروع في الأعياد وبين المحرمات التي تُرتكب باسم الاحتفال.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات