شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (21) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,219 مشاهدة
338 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والعشرون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ المجلس بالوجه الثالث من أوجه تحريم الاحتفال بأعياد الكفار ومشاركتهم فيها، وهو وجه سدّ الذرائع. ومعناه أن التساهل في القليل من هذه المشاركة يجرّ إلى الكثير منها، حتى يصير ذلك عادةً عند الناس وعيدًا يضاهي أعياد المسلمين التي شرعها الله.

ثم ينقل شيخ الإسلام ما رآه بعينه في دمشق وما حولها من أرض الشام من مظاهر أعياد النصارى في آخر صومهم، وكيف تسرّبت هذه المظاهر إلى عوامّ المسلمين حتى جهل كثير منهم أصلها. ويبيّن الشيخ أصل انحراف القوم في تشريع عباداتهم وأعيادهم، وأنهم جعلوا لأحبارهم ورهبانهم حق التشريع والنسخ.

والمقصود من هذا المجلس أن يعرف المسلم هذه المنكرات معرفةً تميّزها عن المباح والمستحب والواجب، فيجتنبها ويحذّر منها. ويخرج المشاهد كذلك بقاعدة نافعة في الفرق بين ما يكفي فيه العلم الإجمالي وما يلزم فيه العلم التفصيلي، ويربط الشيخ ذلك بما يقع اليوم من مخالفات في بلاد المسلمين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الوجه الثالث من أوجه التحريم: سدّ الذريعة

يقرّر شيخ الإسلام أن الترخيص في فعل القليل من مشابهة الكفار في أعيادهم يؤدي إلى فعل الكثير. فإذا اشتهر الشيء دخل فيه عوامّ الناس ونسوا أصله، حتى يصير عادةً بل عيدًا يضاهي عيد الله، وربما زادوا عليه. ولو لم يكن في المسألة إلا هذا الوجه لكان كافيًا في المنع، لأن الشريعة جاءت بسدّ الأبواب المفضية إلى الفساد.

ويضرب الشارح مثالًا بما يقع في يوم «شم النسيم»، حيث تُغلق المحلات وتمتلئ المتنزهات والطرقات. وهذا اليوم ليس من أعياد المسلمين، ومع ذلك صار المنكر عند كثير من الناس معروفًا والمعروف منكرًا، فإذا قيل لهم إنه محرّم تعجّبوا. وبهذا تصير السنة بدعةً والبدعة سنةً، ويعود الإسلام غريبًا. وفي مطلع المجلس ذكّر الشيخ بخطبة الحاجة التي تقرّر هذا الأصل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أعياد النصارى في آخر صومهم كما شاهدها شيخ الإسلام

يصف شيخ الإسلام ما رآه في الشام من أيام يعظّمها النصارى في آخر صومهم، وهي:

  • الخميس الذي يسمّونه «الخميس الكبير».
  • الجمعة التي يسمّونها «جمعة الصلبوت»، على زعمهم أن المسيح صُلب فيها.
  • السبت الذي يسمّونه «سبت النور»، ويروّجون فيه خرافة نزول النور من السماء في كنيستهم ببيت المقدس.
  • الأحد الذي يسمّونه «عيد القيامة».
  • الأحد الذي يليه ويسمّونه «الأحد الحديث»، ويلبسون فيه الجديد من ثيابهم.

وينبّه شيخ الإسلام إلى أنهم وقّتوا صومهم بحساب يجمع بين التوقيت الشمسي والهلالي، فهو يتقدّم ويتأخّر ولا يثبت على حدّ واحد. وهذا كله بدعة أحدثوها باتفاق منهم، وخالفوا بها شريعة الأنبياء، لأن الأنبياء إنما وقّتوا العبادات بالأهلّة.

ويردّ الشارح زعمهم في صلب المسيح عليه السلام بقول الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]. ويبيّن أن من يهنّئ بهذه الأعياد إنما يهنّئ بأمر باطل يخالف عقيدة المسلم، وأن هذا الحال يصدق عليه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].

المحور الثالث: أصل الانحراف: جعلُ التشريع للأحبار والرهبان

يذكر شيخ الإسلام أن نقل العلماء لمقالات النصارى وشرائعهم يختلف. وسبب ذلك أن القوم يزعمون أن ما يضعه رؤساء دينهم من أحبار ورهبان هو من الدين. فهم في كل مدة يحدثون أشياء ويلغون أشياء من الإيجابات والتحريمات والاعتقادات، ولذلك لا تنضبط لهم شريعة مستمرة على مرّ الأزمان. ويستشهد الشارح بأمثلة على تبديلهم تعاليم المسيح عليه السلام.

وهذا هو ما ذمّهم الله به في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. أما العلماء في شريعة الإسلام فهم مبلّغون عن الله ورسوله، وليسوا مشرّعين.

ويقابل ذلك طرفُ اليهود النقيض، فقد منعوا أن ينسخ الله الشرائع أو يبعث رسولًا بشريعة تخالف ما قبلها، وأخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]. ويشير الشارح إلى أن شيخ الإسلام بسط الردّ عليهم في كتابه الكبير «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح»، ويذكر معه كتاب ابن القيم «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى».

المحور الرابع: قاعدة في معرفة المحرّمات والواجبات

يبيّن شيخ الإسلام أن الغرض ليس تتبّع تفاصيل باطل القوم، بل أن يُعرف المنكر معرفةً تميّزه عن المباح والمعروف والمستحب والواجب، حتى يتمكّن المسلم من اتقائه واجتنابه كما يعرف سائر المحرّمات. ومن لم يعرف المنكر لا جملةً ولا تفصيلًا لم يتمكّن من قصد اجتنابه.

وفي المحرّمات تكفي المعرفة الإجمالية، كأن يعلم المسلم أن أعياد الكفار محرّمة لا تجوز مشاركتهم فيها. أما الواجبات فالمقصود فعلها، والفعل لا يتأتّى إلا مفصّلًا، فوجبت معرفتها على سبيل التفصيل ليؤدّيها العبد على الوجه المشروع. ويصف الشارح هذه القاعدة بأنها عظيمة النفع جدًا.

المحور الخامس: مظاهر التشبّه التي سرت إلى المسلمين

يعدّد شيخ الإسلام منكرات رأى كثيرًا من المسلمين يفعلونها في تلك الأيام وأصلها مأخوذ من النصارى، ومنها:

  • تبخير القبور، واعتقاد البركة في البخور المرقيّ ودفعه للعين والسحر.
  • صبغ البيض وتلوينه.
  • تصوير الحيّات والعقارب في أوراق تُلصق في البيوت على أنها تطرد الهوام، وهي من الطلاسم.
  • رسم الصليب على أبواب البيوت.
  • وضع الثياب تحت السماء رجاء البركة.
  • تلطيخ الأبواب والدواب بالخلوق والمَغْرة.
  • فرض وظائف من الغنم والدجاج واللبن والبيض على الفلاحين، وفيه تحريمان: أكل مال المسلم أو المعاهَد بغير حق، وإقامة شعار النصارى.

ويقرّر شيخ الإسلام أن كل ما عُظّم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بناء يجب قصد إهانته كما تُهان الأوثان المعبودة. وفي تعليق الصور في البيوت جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».

ويختم المجلس بالحديث عن «عيد الشعانين»، وهو مما اشتُرط في الشروط العمرية ألّا يُظهره أهل الذمة في دار الإسلام. ويبيّن الشيخ المنهج في ما ينقلونه عن المسيح عليه السلام من المعجزات: فما كان منه في حيّز الإمكان لا يُكذَّبون فيه لاحتماله، ولا يُصدَّقون فيه لجهلهم وفسقهم.

النقاط الرئيسية

  • التساهل في القليل من مشابهة الكفار في أعيادهم ذريعة إلى الكثير، حتى يصير عيدًا يضاهي أعياد المسلمين.
  • إذا اشتهر المنكر بين العامة صار معروفًا، وصار إنكاره مستغربًا، فيعود الإسلام غريبًا.
  • عبادات الأنبياء موقّتة بالأهلّة، والنصارى أحدثوا توقيتًا مخالفًا لشريعتهم.
  • أصل تبدّل دين النصارى أنهم جعلوا لأحبارهم ورهبانهم حق التشريع والنسخ، واليهود على الطرف المقابل في إنكار النسخ.
  • يكفي في المحرّمات العلم الإجمالي لاجتنابها، أما الواجبات فلا بد من معرفتها تفصيلًا لأدائها.
  • كثير من العادات المنتشرة في مواسم الكفار، كالبخور وتلوين البيض والطلاسم، أصلها من شعائرهم.
  • ما عُظّم بالباطل من زمان أو مكان أو غيرهما يُقصد إهانته لا تعظيمه.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على تمييز أعياده الشرعية، وهي الفطر والأضحى، وأن يعتزّ بها ولا يشارك في أعياد غير المسلمين ولا في مظاهرها كشمّ النسيم ونحوه.
  • أن يفتّش المسلم عن أصول العادات المنتشرة في المجتمع قبل أن يفعلها، فكم من عادة ظنّها الناس مباحة وأصلها شعيرة لدين باطل.
  • أن يحذر من التمائم والطلاسم والبخور الذي يُعتقد فيه دفع العين والسحر، وأن يكتفي بالرقية الشرعية والأذكار المأثورة.
  • أن يجتهد في تعلّم الواجبات تفصيلًا ليؤدّيها على وجهها، وأن يكتفي في المحرّمات بمعرفة تكفي لاجتنابها.
  • أن يتمسّك المسلم بالوحي مصدرًا وحيدًا للتشريع، وأن يعلم أن العلماء مبلّغون عن الله ورسوله لا مشرّعون، حتى لا يقع فيما وقع فيه أهل الكتاب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات