شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (8) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثامن من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الدرس من حيث انتهى الدرس السابق، أي من كلام الإمام الترمذي رحمه الله في الرواة الذين اختلف فيهم أهل الحديث. فهؤلاء رواة من جِلّة أهل العلم، ضعّفهم بعض الأئمة بسبب حفظهم، ووثّقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم، مع أنهم وهموا في بعض ما رووا.
يحتاج طالب علم الحديث إلى هذا الموضوع كثيرًا، لأنه يبيّن منهج النقاد في الجرح والتعديل، ويوضّح الفرق بين المتشدد والمعتدل في الحكم على الرجال. ويوضّح كذلك أن ترك الإمام للرواية عن راوٍ لا يعني دائمًا أنه يتهمه بالكذب، فقد يكون سبب الترك ضعف الحفظ أو الاضطراب في الرواية.
وبنهاية الدرس ينبغي أن يعرف الطالب أقسام الرواة عند ابن رجب، ويفهم منهج يحيى بن سعيد القطان في التشدد، ومنهج الإمام مسلم في ترتيب طبقات الرواة كما شرحه في مقدمة صحيحه، ويدرك أهمية إنزال الرواة منازلهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: كلام الترمذي في الرواة المختلف فيهم ومثال محمد بن عمرو بن علقمة
قرّر الإمام الترمذي أن بعض أهل الحديث تكلموا في قوم من جلة أهل العلم وضعّفوهم من قِبَل حفظهم، ووثّقهم آخرون من الأئمة لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا. ومثّل لذلك بكلام يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو بن علقمة.
روى علي بن المديني أنه سأل يحيى القطان عن محمد بن عمرو، فقال له يحيى: «تريد العفو أو تشدد؟» قال: «بل أشدد». فقال يحيى: «ليس هو ممن تريد، كان يقول: أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب». وشرح الشيخ معنى هذه العبارة: كان محمد بن عمرو يجمع حديث شيوخه في سياق واحد، ولا يميّز لفظ كل شيخ عن لفظ غيره، والمتشددون يعدّون ذلك عيبًا في ضبط الراوي.
ونقل يحيى عن الإمام مالك قولًا قريبًا من قوله. ومع ذلك قال يحيى إن محمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبي صالح، وإنه عنده فوق عبد الرحمن بن حرملة. وهذا يدلّ على أن الكلام في الراوي يكون نسبيًّا، وأن تليين الراوي لا يعني إسقاطه بالكلية.
وتوقف الشيخ أيضًا عند قول يحيى في عبد الرحمن بن حرملة: «لو شئت أن ألقّنه لفعلت». والتلقين أن يُدخَل على الراوي حديث ليس من حديثه فيقبله ويحدّث به. وقبول التلقين علامة على ضعف الضبط، وليس طعنًا في الصدق والأمانة.
المحور الثاني: تشدد يحيى بن سعيد القطان وسبب تركه لبعض الرواة
ذكر علي بن المديني أن يحيى القطان لم يرو عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة. وبيّن الترمذي أن يحيى لم يترك هؤلاء لأنه يتهمهم بالكذب، وإنما تركهم لحال حفظهم.
ثم ذكر الترمذي القاعدة التي كان القطان يعمل بها: إذا رأى الرجل يحدّث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا، ولا يثبت على رواية واحدة، تركه. وشرح الشيخ صور هذا الاضطراب: فقد يروي الراوي الحديث مرة مرسلًا ومرة موصولًا، أو مرة موقوفًا ومرة مرفوعًا، أو يزيد في لفظه مرة وينقص منه مرة أخرى.
ومع ذلك فقد روى عن هؤلاء الذين تركهم القطان أئمةٌ كبار، منهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي. وهذا يبيّن أن مناهج النقاد تختلف بين التشدد والاعتدال. ونبّه الشيخ إلى أن ابن المديني كان تلميذ القطان، فتأثر بشيخه في التشدد. ونبّه كذلك إلى قاعدة عند الأئمة، وهي أن الراوي الذي اجتمع ابن مهدي والقطان على تركه لا يُحدَّث عنه.
المحور الثالث: أقسام الرواة عند الحافظ ابن رجب
قسّم ابن رجب الرواة أربعة أقسام:
- القسم الأول: المتهم بالكذب. هذا لا يُروى عنه ولا يُكتب حديثه.
- القسم الثاني: من غلبت المناكير على حديثه بسبب غفلته وسوء حفظه. وهذان القسمان تقدّم الكلام عليهما، وحديثهما مطّرح.
- القسم الثالث: الثقة الصدوق الحافظ الذي يندر الخطأ والوهم في حديثه. هذا هو المحتجّ به.
- القسم الرابع: أهل الصدق والأمانة الذين يكثر الوهم في حديثهم، ولكنه لا يغلب عليه. وهذا هو القسم الذي قصده الترمذي في كلامه.
وقرّر ابن رجب أنه «ليس من شرط الثقة ألا يغلط أبدًا». فالعبرة بغلبة الإتقان على الخطأ، والخطأ القليل بالنسبة إلى كثرة المرويات لا يُسقط الراوي. ومثّل الشيخ لذلك بأن من حدّث بآلاف الأحاديث وأخطأ في عدد قليل منها فخطؤه قليل بالنسبة إلى ما حفظه.
المحور الرابع: منهج الإمام مسلم في طبقات الرواة كما في مقدمة صحيحه
نقل الشيخ كلام الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه، وفيه أنه قسّم الأخبار وأهلها ثلاثة أقسام وثلاث طبقات. الطبقة الأولى أهل الاستقامة والإتقان الذين لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش. والطبقة الثانية من هم دونهم في الحفظ والإتقان، ويشملهم مع ذلك اسم الستر والصدق وتعاطي العلم، ومثّل لهم بعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم.
أما الطبقة الثالثة فهم المتهمون عند أهل الحديث أو عند أكثرهم، ومثّل لهم مسلم بعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي. وكذلك من غلب على حديثه المنكر والغلط، فهؤلاء أمسك مسلم عن حديثهم.
وبيّن الشيخ أن أهل العلم قالوا إن مسلمًا أخرج لأهل الطبقة الثانية في المتابعات والشواهد، لا في الأصول. وذكر أن أصحاب السنن، أبا داود والنسائي والترمذي، أخرجوا لمن هو دون ذلك، كما أخرج البخاري لبعضهم.
المحور الخامس: التفاضل بين الرواة وإنزال الناس منازلهم
وضّح الإمام مسلم أن الرواة يتقاربون ويتفاوتون. فإذا قارنت عطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم بأقرانهم من الحفاظ المتقنين، كمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، رأيت البون بينهم واسعًا. ومثّل كذلك بالموازنة بين ابن عون وأيوب السختياني من جهة، وعوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني من جهة أخرى، مع أنهم جميعًا أصحاب الحسن وابن سيرين.
والغرض من هذه الموازنات أن يعرف طالب العلم مراتب الرجال، فيعطي كل ذي حق حقه في باب الجرح والتعديل، ولا يسوّي بين المتقن ومن هو دونه. واستدل مسلم على ذلك بقول الله تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
واستدل كذلك بما ذُكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»
ونبّه الشيخ إلى أن مسلمًا ذكر هذا الأثر معلَّقًا في المقدمة، ولا تُشترط في المقدمة شروط الصحيح، فلا يُعدّ الأثر بذلك من أحاديث الصحيح المسندة.
النقاط الرئيسية
- من الرواة أئمة أجلّاء ضعّفهم بعض النقاد بسبب الحفظ، ووثّقهم آخرون لصدقهم وجلالتهم.
- كان يحيى بن سعيد القطان متشددًا في الرجال، وكان علي بن المديني تلميذه متأثرًا بمنهجه.
- ترك الإمام للرواية عن راوٍ لا يعني بالضرورة أنه يتهمه بالكذب، فقد يكون السبب سوء الحفظ.
- الاضطراب في الرواية، كالإرسال مرة والوصل مرة، والوقف مرة والرفع مرة، والزيادة والنقص في اللفظ، من أسباب ترك الراوي عند المتشددين.
- جمع ألفاظ الشيوخ في سياق واحد دون تمييز، وقبول التلقين، علامتان على ضعف الضبط.
- الرواة أربعة أقسام عند ابن رجب، وليس من شرط الثقة ألا يغلط أبدًا.
- قسّم الإمام مسلم الرواة ثلاث طبقات، وأخرج لأهل الطبقة الثانية في المتابعات والشواهد.
الفوائد والعبر
- يحتاج من يحكم على حديث أو راوٍ إلى معرفة مناهج النقاد في التشدد والاعتدال، حتى لا يعتمد على قول ناقد واحد دون أن يوازنه بأقوال غيره.
- ينبغي التفريق بين الطعن في العدالة والطعن في الضبط، فالخطأ اليسير لا يُسقط الثقة، والعبرة بما يغلب على حال الراوي.
- من الأدب العلمي إنزال الناس منازلهم، فلا يُسوّى بين الحافظ المتقن ومن هو دونه، ولا يُهدَر فضل أحد.
- من الأمانة العلمية تمييز الألفاظ عند النقل والثبات على رواية واحدة، فهذا من أعظم أسباب قبول قول الناقل.
- قوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يدعو طالب العلم إلى التواضع ومواصلة الطلب، فمهما بلغ علمه فهناك من هو أعلم منه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات