خطبة جمعة بعنوان:【أزمة الأمة الآن في عدم مراقبة الله عز وجل】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,089 مشاهدة
442 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة يضع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري يده على موضع الداء في واقع الأمة. فهو يرى أن أزمة المسلمين اليوم ليست في قلة العدد، ولا في نقص الأموال، ولا في ضعف الإمكانات. إنما الأزمة الحقيقية في غياب مراقبة الله عز وجل عن القلوب. فإذا غاب عن العبد استحضار اطلاع ربه عليه في سره وعلنه، تجرأ على المعاصي، وفرّط في الأمانات، وظلم نفسه وغيره.

ينطلق الشيخ من حديث جبريل عليه السلام الذي بيّن مراتب الدين: الإسلام والإيمان والإحسان. ويجعل مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه، أساسًا لصلاح الفرد والمجتمع. ثم يسوق نماذج نبوية حية لأناس انتفعوا بمراقبة الله في الخلوات، وآخرين خسروا حين غفلوا عنها.

ومن أهداف هذه الخطبة أن يعرف المسلم معنى المراقبة وأثرها في حياته، وأن يدرك أن الله مطّلع على كل خفي وظاهر. كما تهدف إلى أن يعتبر المسلم بقصص السابقين، وأن يستعد ليوم الحساب الذي يُسأل فيه عن عمره وماله وعلمه وجسده.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإحسان أعلى مراتب الدين وحقيقة المراقبة

يبدأ الشيخ بحديث جبريل عليه السلام حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. سأل النبي ﷺ عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان. فكان جواب النبي ﷺ عن الإحسان جامعًا لمعنى المراقبة كله، وهو أن يعيش العبد مستحضرًا نظر الله إليه في كل لحظة.

ويبيّن الشيخ أن المراقبة هي علم العبد ويقينه الدائم باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه. فمن استقر هذا العلم في قلبه استحيا أن يراه ربه حيث نهاه، أو أن يفقده حيث أمره.

وتتنوع الأدلة على اطلاع الله على عباده. فهو يرى العبد حين يقوم، ويرى تقلبه في الساجدين. ويعلم ما يخفيه وما يعلنه، ولا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.

قال النبي ﷺ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم].

قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218-219].

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 38].

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

المحور الثاني: أهوال يوم القيامة وأهل الظل في ذلك اليوم

يصوّر الشيخ مشهد يوم القيامة حين تدنو الشمس من رؤوس الخلائق. ففي ذلك اليوم يغرق الناس في عرقهم كلٌّ على قدر عمله. منهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.

وفي هذا اليوم العصيب ينجّي الله صنفًا من عباده، فيظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ويقف الشيخ عند أصناف منهم تجمعها مراقبة الله في الخلوة:

  • رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، ولا رقيب عليه إلا الله، فقال: إني أخاف الله.
  • رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
  • رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2].

قال النبي ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ... وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [متفق عليه].

المحور الثالث: قصة أصحاب الغار وثمرة العمل الخالص في الخلوة

يروي الشيخ قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة فسدّت عليهم بابه. لم يكن لهم منجى إلا الله، فتوسّل كل واحد منهم بعمل صالح عمله خالصًا لوجهه في موضع لا يراه فيه أحد إلا الله:

  • الأول: كان بارًّا بوالديه الشيخين الكبيرين. لم يكن يقدّم عليهما أهلًا ولا مالًا، وظل قائمًا بالإناء ينتظر استيقاظهما حتى برق الفجر.
  • الثاني: قدر على ابنة عمه بعد أن ألجأتها الحاجة إليه. فلما ذكّرته بالله قالت: اتقِ الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه، وترك لها المال الذي أعطاها.
  • الثالث: استأجر أُجراء فأعطاهم أجورهم إلا رجلًا ترك أجره. فنمّاه له حتى صار إبلًا وبقرًا وغنمًا ورقيقًا، ثم جاء صاحبه بعد حين فدفعه إليه كاملًا.

وكان كل واحد منهم يقول في دعائه:

«اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» [متفق عليه].

فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. ويستخلص الشيخ من القصة أن الأعمال الخفية التي لا يطّلع عليها إلا الله هي رصيد العبد عند الشدائد. ويبيّن أن صلاح الظاهر تابع لصلاح القلب.

قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [متفق عليه].

المحور الرابع: قصة الأبرص والأقرع والأعمى وابتلاء النعم

يسوق الشيخ قصة ثلاثة من بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم: أبرص وأقرع وأعمى. أرسل الله إليهم ملكًا، فسأل كل واحد منهم عما يحب. فشفى الله الأبرص من برصه وأعطاه إبلًا، وشفى الأقرع من قرعه وأعطاه بقرًا، وردّ إلى الأعمى بصره وأعطاه غنمًا. ثم بارك الله لهم حتى صار لكل واحد منهم وادٍ من ماله.

ثم جاءهم الملك في صورة رجل مسكين قد انقطعت به الحبال في سفره، وسألهم بالذي أعطاهم ما أعطاهم:

  • الأبرص والأقرع: جحدا النعمة، وقالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر. فعادا إلى ما كانا عليه.
  • الأعمى: ذكر نعمة الله عليه، فقال للسائل: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت.

فقال له الملك:

«أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» [متفق عليه].

وينبّه الشيخ إلى أن من راقب الله في نعمه شكرها وأدّى حقها. أما من غفل عن المراقبة فإنه ينسب الفضل إلى نفسه، فيُسلب النعمة. ويربط ذلك بواقع كثير من الناس الذين يضيّعون الأمانات في أعمالهم وأموالهم وتجاراتهم حين يغيب عنهم الرقيب من البشر.

المحور الخامس: السؤال يوم القيامة ومحاسبة النفس

يختم الشيخ بالتذكير بالوقوف بين يدي الله يوم القيامة. فكل عبد مسؤول عن عمره وعلمه وماله وجسده، ولن يجد العبد يومئذ إلا ما قدّم.

ولذلك يدعو الشيخ كل مسلم إلى أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، وأن يفتّش في قلبه: هل هو قلب حيٌّ يستحضر نظر الله إليه، أم قلب غافل؟

كما يذكّر بأن الملك بيد الله وحده، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. فلا عزة للأمة إلا بالرجوع إلى الله ومراقبته.

قال النبي ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه].

قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].

النقاط الرئيسية

  • أزمة الأمة الحقيقية ليست في قلة العدد ولا المال، وإنما في غياب مراقبة الله عز وجل عن القلوب.
  • الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، هو أعلى مراتب الدين، وهو جوهر المراقبة.
  • الله مطّلع على السر والعلن، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا يخفى عليه شيء.
  • أعمال الخلوة الخالصة لله هي سبب النجاة يوم القيامة، وهي التي تُفرَّج بها الكربات في الدنيا، كما في قصة أصحاب الغار.
  • النعم ابتلاء واختبار، فمن شكرها وراقب الله فيها بورك له فيها، ومن جحدها سُلبها.
  • صلاح القلب أصل صلاح الجوارح كلها، والمراقبة عمل قلبي في المقام الأول.
  • كل عبد سيُسأل يوم القيامة عن عمره وعلمه وماله وجسده، فليُعِدّ للسؤال جوابًا.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم لنفسه أعمالًا صالحة خفية لا يطّلع عليها إلا الله، كصدقة السر وذكر الله في الخلوة وقيام الليل، لتكون ذخرًا له عند الشدائد.
  • أن يستحضر العبد نظر الله إليه عند كل خلوة يُعرض له فيها الحرام، فيقول كما قال الصالحون: إني أخاف الله.
  • أن يؤدي المسلم الأمانة في عمله وتجارته ووظيفته كاملة، سواء رآه الناس أم لم يروه، لأن الرقيب الأعظم هو الله.
  • أن يشكر المسلم نعم الله بلسانه وعمله، فلا ينسبها إلى نفسه وجهده، وأن ينفق منها في سبيل الله ويعين المحتاجين.
  • أن يحاسب العبد نفسه كل يوم قبل أن يُحاسَب، ويتفقد قلبه ويداوي غفلته بالذكر والتفكر في أهوال يوم القيامة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات