خطبة جمعة بعنوان --- : " حقوق الراعي والرعية " لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,341 مشاهدة
405 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

تأتي هذه الخطبة ضمن «سلسلة خطب الجمعة 2» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، بعنوان «حقوق الراعي والرعية». وهو موضوع من أصول الشريعة التي يقوم عليها صلاح الدين والدنيا، فلا تستقيم أحوال الناس إلا بولاية راشدة تقيم العدل، ورعية مطيعة في المعروف ناصحة. وقد جعل الإسلام لكلٍّ من الطرفين حقوقًا وواجبات واضحة، تحفظ الأمن وتمنع الفتن وتصون الدماء والأموال والأعراض.

افتتح الشيخ خطبته بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها خطبه، ثم بيّن أن المسؤولية في الإسلام عامة شاملة، تبدأ من ولي الأمر الأعظم وتنتهي إلى كل فرد في بيته وعمله، وأن الجميع موقوفون بين يدي الله ومسؤولون عمّا استرعاهم.

أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد معنى الرعاية وعِظَم أمانتها، وأن يقف على حقوق الراعي على رعيته وحقوق الرعية على راعيها في ضوء الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وأن يدرك أثر الالتزام بهذه الحقوق في اجتماع الكلمة ودرء الفتن.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: المسؤولية العامة وعِظَم أمانة الرعاية

قرر الإسلام أن كل مسلم راعٍ في دائرته ومسؤول عنها، فالإمام راعٍ على الأمة، والرجل راعٍ في أهله، والمرأة راعية في بيت زوجها، والخادم راعٍ في مال سيده. وهذا يجعل المسؤولية شعورًا حاضرًا في حياة كل فرد، لا عبئًا يُلقى على غيره.

والولاية في الإسلام أمانة وتكليف قبل أن تكون تشريفًا، ومن ضيّعها أو خان فيها فقد عرّض نفسه لوعيد شديد.

قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).

وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].

المحور الثاني: حقوق الرعية على الراعي

أوجب الله على من ولي أمر المسلمين أن يقيم فيهم شرع الله، وأن يحكم بينهم بالعدل، وأن يؤدي الأمانات إلى أهلها، ويحفظ عليهم دينهم وأمنهم ومصالحهم، ويرفق بهم ولا يشق عليهم، ولا يغشهم.

وقد رتّب الشرع على العدل أعظم الجزاء، فالإمام العادل أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ورتّب على الغش والظلم أشد الوعيد.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

وقال ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (متفق عليه، واللفظ لمسلم).

وقال ﷺ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم).

المحور الثالث: حقوق الراعي على الرعية

من حقوق ولي الأمر على رعيته السمع والطاعة في المعروف، في المنشط والمكره، ما لم يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع بقاء أصل البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة.

ومن حقوقه كذلك النصح له بالطريقة الشرعية، والدعاء له بالصلاح والتوفيق، وتوقيره، وعدم الخروج عليه أو إثارة الناس ضده، لما في ذلك من تفريق الكلمة وسفك الدماء.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].

وقال ﷺ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (متفق عليه).

المحور الرابع: النصيحة ولزوم الجماعة طريق السلامة

النصيحة لأئمة المسلمين من صميم الدين، وهي تكون بالرفق والحكمة، وفي السر لا على رؤوس الأشهاد، بقصد الإصلاح لا التشهير والتهييج. وهذا منهج السلف الصالح الذي حفظ الله به الأمة من كثير من الشرور.

ولزوم الجماعة والصبر على ما يُكره من الولاة أصل عظيم من أصول أهل السنة، لأن مفاسد الفرقة والخروج أعظم بكثير من مفاسد الصبر، والتاريخ شاهد على ما جرّته الفتن على المسلمين من ويلات.

قال ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم).

وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (متفق عليه).

المحور الخامس: العدل وطاعة الله سبيل الفوز في الدارين

إذا قام كل طرف بما عليه من حقوق، صلحت الأحوال، واجتمعت القلوب، ونزلت البركات. والعادلون في ولاياتهم، كبيرةً كانت أو صغيرة، لهم عند الله منزلة رفيعة يوم القيامة.

قال ﷺ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (رواه مسلم).

وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71].

النقاط الرئيسية

  • كل مسلم راعٍ في دائرته ومسؤول عن رعيته أمام الله تعالى.
  • الولاية أمانة عظيمة، والعدل فيها سبب للنجاة، والغش فيها سبب للهلاك.
  • من حقوق الرعية على الراعي: إقامة الشرع، والعدل، والرفق، وحفظ المصالح، وعدم الغش.
  • من حقوق الراعي على الرعية: السمع والطاعة في المعروف، والنصح، والدعاء له، وعدم الخروج عليه.
  • لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والطاعة إنما تكون في المعروف.
  • النصيحة لولاة الأمر تكون بالحكمة والسر، لا بالتشهير والتهييج.
  • لزوم الجماعة والصبر على ما يُكره سبيل الأمن ودرء الفتن.

الفوائد والعبر

  • استشعار المسؤولية في البيت والعمل والمجتمع، فكلٌّ منا راعٍ ومسؤول.
  • تحرّي العدل والرفق مع من نلي أمرهم من الأهل والأولاد والعاملين.
  • الحرص على الدعاء لولاة الأمر بالصلاح والتوفيق بدل الطعن والسب.
  • الحذر من الشائعات ومن دعاة الفتنة والفرقة، والحرص على اجتماع الكلمة.
  • التمسك بمنهج الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في التعامل مع قضايا الولاية والطاعة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات