خطبة جمعة بعنوان --- :【تلاوة القرآن وتدبره من أسباب السعادة】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- موضوع «تلاوة القرآن وتدبّره من أسباب السعادة». ويبيّن أن القرآن الكريم كلام ربّ العالمين، وأنه نور وهداية وشفاء ورحمة، وأن سعادة العبد في الدنيا والآخرة مرتبطة بقربه من كتاب الله تلاوةً وتدبّرًا وعملًا. وقد افتتح الشيخ خطبته بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه.
ويُبرز الشيخ عظمة القرآن وأثره في القلوب، حتى إن الجبال لو أُنزل عليها لخشعت وتصدّعت من خشية الله. ويسوق قصصًا من السيرة وأخبار السلف تُظهر كيف غيّر سماعُ القرآن قلوبَ المشركين، وكيف رفع الله به أقوامًا وأعزّ به أمة الإسلام حين تمسّكت به.
أهداف الخطبة: معرفة منزلة القرآن وفضله على سائر الكلام، وفهم معنى كونه هدى وشفاء ورحمة، وتعلّم أسباب الانتفاع به وحضور القلب عند تلاوته، والحثّ على تعلّمه وتعليمه وتخصيص ورد يومي منه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: عظمة القرآن ومنزلته
يبيّن الشيخ أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، وأن فضله على سائر الكلام عظيم. فهو الكتاب المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه الباطل بوجه من الوجوه، ولا يوجد فيه تناقض ولا اختلاف، وهذا من أعظم الأدلة على أنه من عند الله.
قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
ومن دلائل عظمته أن الجبال الراسيات لا تطيق حمله، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. وذكّر الشيخ بقصة موسى عليه السلام حين سأل ربه الرؤية: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143]. فإذا كانت الجبال تخشع فقلب المؤمن أولى بالخشوع والتأثر.
المحور الثاني: القرآن نور وهداية إلى الصراط المستقيم
يقرّر الشيخ أن القرآن هو النور والهداية. فمن اتّبعه أخرجه الله به من الظلمات إلى النور، وهداه سبل السلام والصراط المستقيم. فمن أراد الهداية والنور والسعادة فليطلبها في كتاب الله.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16].
وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. وقال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].
وبيّن الشيخ أن القرآن جمع خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا. وفيه بيان طريق الخير والشر، ومعرفة الرب سبحانه، وأسباب الهداية وثمراتها. فما من خير إلا دلّ عليه، وما من شر إلا حذّر منه.
المحور الثالث: القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. ويوضّح الشيخ أن شفاء القرآن عام يشمل أمورًا عدة:
- شفاء أمراض القلوب من الغلّ والحقد والحسد والضغينة.
- شفاء أمراض الشبهات في العقيدة والدين.
- شفاء الأبدان من الأسقام لمن رقى نفسه به بيقين وصدق.
وذكر الشيخ تجربة الإمام ابن القيم رحمه الله حين مرض بمكة وفقد الطبيب والدواء، فكان يعالج نفسه بالفاتحة فيرى لها أثرًا عجيبًا في الشفاء. ويؤكد الشيخ أن هذا الأثر مشروط بقوة اليقين بالله وحسن الظن به.
والقرآن كذلك رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة لمن آمن به وعمل بما فيه. أما الظالمون المعرضون فلا يزيدهم إلا خسارًا.
المحور الرابع: أثر سماع القرآن في القلوب وأسباب الانتفاع به
ساق الشيخ قصة جبير بن مطعم رضي الله عنه حين قدم المدينة في شأن أسرى بدر وهو مشرك. فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 35-37] قال: «كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ»، وقال: «وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي». (رواه البخاري)
واستدل الشيخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، على أن سماع كلام الله وحده سبب عظيم لهداية القلوب.
ثم بيّن طريق الانتفاع بالقرآن، ونقل معنى كلام ابن القيم رحمه الله: «إِذَا أَرَدْتَ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ وَسَمَاعِهِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ، وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ». واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
فشروط الانتفاع ثلاثة: قلب حيّ، وإصغاء بالسمع، وحضور القلب وعدم غفلته. ونبّه الشيخ إلى أن المؤمن إذا سمع ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فليُرعها سمعه، فإنها خير يُؤمر به أو شر يُنهى عنه.
المحور الخامس: فضل تعلّم القرآن وتعليمه، والعزّة بالتمسك به
حثّ الشيخ على تعلّم القرآن وتعليمه، فقال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري من حديث عثمان رضي الله عنه). وقال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (متفق عليه من حديث معاوية رضي الله عنه).
وبيّن فضل مجالس القرآن في بيوت الله، فقال ﷺ: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (رواه مسلم). وحذّر من الصدّ عن المساجد وتعطيلها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114].
وبشّر من يجد مشقة في التلاوة بقوله ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (متفق عليه). فلا ينبغي لأحد أن يترك القرآن لصعوبة أحكام التجويد عليه، بل يجاهد نفسه ويتعلّم وله أجران.
وتحدّث الشيخ عن عزّة الأمة حين كانت متمسكة بكتاب ربها. ومن ذلك أن أبناء الخلفاء كانوا يُربَّون على العلم الشرعي، وأن الخليفة هارون الرشيد رحمه الله بلغ من سعة الدولة أن قال للسحابة: «أمطري حيث شئتِ فإن خراجكِ سيأتيني». ثم ذكّر بأن العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]. وختم بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (رواه مسلم).
النقاط الرئيسية
- القرآن كلام الله المحفوظ، لا يأتيه الباطل ولا يوجد فيه اختلاف، وفضله على سائر الكلام عظيم.
- القرآن نور وهداية، يُخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهدي للتي هي أقوم.
- القرآن شفاء لأمراض القلوب والشبهات والأبدان، ورحمة في الدنيا والآخرة، والانتفاع به مشروط باليقين.
- سماع القرآن بقلب حاضر سبب لهداية القلوب، كما حصل لجبير بن مطعم رضي الله عنه.
- الانتفاع بالقرآن يحتاج إلى قلب حيّ، وإلقاء السمع، وحضور القلب.
- خير الناس من تعلّم القرآن وعلّمه، ومجالس القرآن في المساجد تتنزّل عليها السكينة والرحمة.
- عزّة الأمة ورفعتها في تمسكها بكتاب ربها، والله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين.
الفوائد والعبر
- تخصيص ورد يومي من القرآن: اجعل لنفسك وقتًا ثابتًا لتلاوة كتاب الله ولو كان يسيرًا، وداوم عليه، فالسعادة الحقيقية في صحبة القرآن.
- القراءة بتدبّر وحضور قلب: استحضر عند التلاوة أنك تقرأ كلام رب العالمين وأنه يخاطبك، وأصغِ إلى أوامره ونواهيه.
- الاستشفاء بالقرآن بيقين: اجعل القرآن، وخاصة الفاتحة، رقية لنفسك وأهلك من أمراض القلوب والأبدان، مع حسن الظن بالله.
- عدم اليأس من صعوبة التلاوة: من يتتعتع في القرآن ويشق عليه له أجران، فاجتهد في تعلّم التجويد ولا تترك القراءة.
- ملازمة مجالس القرآن في المساجد: احرص على حلقات التعلّم والتعليم في بيوت الله، فهي مواطن السكينة والرحمة وذكر الله لعباده في الملأ الأعلى.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات