خطبة جمعة بعنوان:【احذروا من الفتن】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة المباركة من «سلسلة خطب الجمعة»، يقف فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- مع موضوع عظيم الخطر، شديد الصلة بواقع المسلمين: التحذير من الفتن. فالفتن من أعظم ما يهدد دين العبد وقلبه، وقد حذّر منها النبي ﷺ أمته، وبيّن أنها تتوالى في آخر الزمان كقطع الليل المظلم.
افتتح الشيخ خطبته بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها خطبه، ثم بيّن أن النبي ﷺ أخبر أصحابه بما هو كائن من الفتن إلى قيام الساعة، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. والمقصود من ذلك أن يكون المسلم على بصيرة من أمره، فيحذر الفتن قبل وقوعها ويعرف سبيل النجاة منها.
أهداف الخطبة: بيان خطورة الفتن على القلوب والأديان، ومعرفة أسباب الوقوع فيها، وأهمها اتباع الهوى، والتعرف على المنهج الشرعي في التعامل معها: لزوم الكتاب والسنة، وجماعة المسلمين، والرجوع إلى أهل العلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: إخبار النبي ﷺ أمته بالفتن من دلائل نبوته
من كمال نصح النبي ﷺ لأمته أنه لم يترك خيرًا إلا دلّها عليه، ولا شرًّا إلا حذّرها منه. ومن ذلك إخباره بالفتن التي ستقع بعده، ليكون المسلم على حذر منها ومعرفة بطريق السلامة فيها.
وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه صاحبَ سرّ رسول الله ﷺ في هذا الباب، يسأل عن الشر مخافة أن يدركه. وفي ذلك درسٌ بليغ: معرفة الشر ليست لذاتها، وإنما للحذر منه واجتنابه.
عن حذيفة رضي الله عنه قال: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» (متفق عليه، واللفظ لمسلم).
وقال حذيفة رضي الله عنه: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» (متفق عليه).
المحور الثاني: خطر الفتن على القلوب
القلب ملك الأعضاء، وهو أول ما تستهدفه الفتن. فإذا تشرّبها القلب أظلم وانتكس حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وإذا ردّها وأنكرها ازداد صفاءً وثباتًا.
ولهذا وجب على المسلم أن يتعاهد قلبه ويحذر الذنوب التي تُضعفه أمام الفتن، فإن المعاصي بريد الفتنة، والقلب المريض أسرع شيء تأثرًا بها.
قال رسول الله ﷺ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ...» (رواه مسلم).
وقال ﷺ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (رواه مسلم).
المحور الثالث: اتباع الهوى من أعظم أبواب الفتنة
ترجع الفتن في جملتها إلى بابين: فتنة الشبهات التي تُفسد العلم والاعتقاد، وفتنة الشهوات التي تُفسد العمل والإرادة. ويجمعهما اتباع الهوى وتقديمه على الوحي.
فمن جعل هواه إمامه ضلّ عن الصراط، ومن جعل الكتاب والسنة حاكمَين على هواه نجا بإذن الله. والهوى يُعمي ويُصمّ، ويُزيّن لصاحبه الباطل حتى يراه حقًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
المحور الرابع: الفتن العامة وخطورة الخوض فيها
من الفتن ما يعمّ ولا يقتصر ضرره على من باشرها، كفتن الاضطراب والتفرق وسفك الدماء. والمسلم الموفّق يتجنب الخوض فيها بلسانه ويده، ولا يستعجل في إذاعة الأخبار وترويج الشائعات.
والمنهج الشرعي في النوازل العامة ردّ الأمر إلى أهله من العلماء الراسخين وولاة الأمر، فهم أقدر على النظر والاستنباط، أما الكلام بغير علم فيزيد الفتنة اشتعالًا.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
وقال ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» (متفق عليه).
المحور الخامس: سبل النجاة من الفتن
جعل الله لعباده مخرجًا من الفتن. وأول ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، كما أرشد النبي ﷺ حذيفة رضي الله عنه.
ومن أسباب النجاة أيضًا: طلب العلم الشرعي، والإكثار من العمل الصالح، وكثرة الدعاء والاستعاذة بالله من الفتن، والبعد عن مواطنها، والصبر عند الابتلاء.
قال رسول الله ﷺ لحذيفة لمّا سأله عمّا يفعل إن أدركته الفتن: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» (متفق عليه).
وقال ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (رواه أبو داود والترمذي).
وقال ﷺ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (رواه مسلم).
وقال ﷺ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
النقاط الرئيسية
- أخبر النبي ﷺ أمته بما هو كائن من الفتن إلى قيام الساعة، نصحًا لها وتحذيرًا.
- معرفة الشر وسبله مقصودها الحذر منه، كما كان حذيفة رضي الله عنه يسأل عن الشر مخافة أن يدركه.
- الفتن تُعرض على القلوب، فمن أُشربها أظلم قلبه، ومن أنكرها ازداد قلبه نورًا.
- اتباع الهوى والذنوب من أعظم أسباب الوقوع في الفتن والانحراف عن الصراط.
- من الفتن ما يعمّ، فالواجب اجتناب الخوض فيها وترك إذاعة الأخبار بلا تثبت.
- لزوم الكتاب والسنة وجماعة المسلمين وإمامهم أعظم عاصم من الفتن.
- المبادرة بالأعمال الصالحة والاستعاذة بالله من الفتن من أهم أسباب الثبات.
الفوائد والعبر
- تعاهد القلب: أن يراقب المسلم قلبه ويُكثر من التوبة والاستغفار، فإن الذنوب تُضعفه أمام الفتن.
- التثبت وحفظ اللسان: أن يمتنع المسلم عن نشر الأخبار والشائعات في أوقات الفتن، ويرد الأمور إلى أهل العلم.
- لزوم الجماعة: أن يحرص على وحدة الصف، ويحذر من دعوات الفرقة والخروج على جماعة المسلمين.
- العلم الشرعي: أن يجعل طلب العلم النافع حصنًا له من الشبهات، وأن يأخذه عن العلماء الراسخين.
- الدعاء والعمل: أن يُكثر من قول «أعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، ويبادر بالأعمال الصالحة قبل أن تحول الفتن بينه وبينها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات