خطبة جمعة بعنوان --- :【عليكم بالإستقامة】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة المباركة من سلسلة خطب الجمعة، يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري موضوع الاستقامة على أمر الله تعالى. يصفها الشيخ بأنها قمة التقوى وأعلى درجات الكرامة. ينطلق الشيخ من قول النبي ﷺ حين سُئل: من أكرم الناس؟ فقال: «أَتْقَاهُمْ». ثم يبيّن أن أعظم التقوى وأرفع الكرامة لزوم الاستقامة، كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة».
وتأتي أهمية هذا الموضوع في زمن وصفه النبي ﷺ بالسنوات الخدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، وتُضيَّع فيها الأمانة، ويُوسَّد الأمر إلى غير أهله. ويستشهد الشيخ بكلمة العلامة ابن القيم رحمه الله: كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ، وكل شر وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو سببه مخالفة رسول الله ﷺ.
ويهدف المشاهد من خلال هذه الخطبة إلى أن:
- يفهم حقيقة الاستقامة ومعناها الشامل.
- يعرف ركنيها العظيمين: الصدق مع الله، والوفاء بالعهد وحفظ أمانة الدين.
- يدرك أن الاستقامة أمر إلهي للنبي ﷺ ولأمته، وأنها مقيدة بقوله تعالى: «كما أُمرت» لا بالأهواء والتجارب.
- يتعرّف على ثمراتها العظيمة في الدنيا والآخرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ميزان الكرامة عند الله وسبب الصلاح والفساد في الأرض
افتتح الشيخ خطبته بحديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، حين سُئل النبي ﷺ عن أكرم الناس فقال: «أَتْقَاهُمْ». ثم ذكر يوسف عليه السلام، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، صاحب النسب الشريف الذي اجتمع فيه أربعة أنبياء. ثم قال ﷺ: «النَّاسُ مَعَادِنُ». فالميزان الحقيقي للكرامة هو التقوى والفقه في الدين، لا الأنساب ولا الأموال.
ثم حذّر الشيخ من فتن آخر الزمان التي أخبر بها النبي ﷺ، ومنها السنوات الخدّاعات، وتضييع الأمانة بإسناد الأمور إلى غير أهلها. وقرر بكلام ابن القيم أن كل خير في العالم مردّه إلى التوحيد والطاعة، وكل بلاء مردّه إلى المخالفة. ولذلك عدّ من الحمق أن يُزعم أن مخالفة حديث رسول الله ﷺ لا تضر.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
قال ﷺ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» [متفق عليه]
قال ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ». قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» [أحمد وابن ماجه]
قال ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [البخاري]
المحور الثاني: الوصية الجامعة وحقيقة الاستقامة
أورد الشيخ حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه في صحيح مسلم. فقد طلب سفيان من النبي ﷺ قولًا جامعًا في الإسلام يغنيه عن سؤال أحد بعده، فأوصاه النبي ﷺ بكلمتين جمعتا الدين كله: الإيمان بالله ثم الاستقامة.
ونقل الشيخ تعريف ابن القيم رحمه الله للاستقامة بأنها: «كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد». وهي تشمل الأقوال والأفعال والأحوال والنيات. ثم ذكّر بأنه لا مفرّ من الله إلا إليه، فهو ملك الملوك الحي الذي لا يموت، والأرض والسماوات ملكه سبحانه.
قال ﷺ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» [مسلم]
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
المحور الثالث: الصدق مع الله والوفاء بأمانة الدين
بيّن الشيخ أن أعظم الصدق أن نصدق مع الله، وأن نراقبه في السر والعلن، وأن يكون الظاهر كالباطن، لأن مخالفة الظاهر للباطن من النفاق. وأن العبد إذا أرضى ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. واستشهد بقول الشاعر:
فليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبين العالمين خرابُ
ثم ضرب مثلًا بأبي بكر رضي الله عنه. فكثير من المسلمين لا يعرف اسمه «عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة»، لكن القلوب تنشرح عند ذكر لقبه «الصدّيق». وفي المقابل كُتب مسيلمة عند الله كذابًا، فصار لقب «الكذاب» يلازمه حتى يحفظه الأطفال. فليختر المرء لنفسه من أي الطائفتين يكون.
أما الوفاء بالعهد فهو حفظ أمانة الدين التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان. والدين ملك لله وحده، ليس لأحد أن يتصرف فيه أو يتنازل عن شيء منه. وحفظه مقدَّم على حفظ الأرواح والأموال والأبناء، لأن به عزّنا ورفعتنا في الدنيا والآخرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]
قال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [متفق عليه]
قال ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه]
قال ﷺ: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» [ابن حبان]
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
المحور الرابع: الاستقامة أمر إلهي مقيّد بقوله تعالى «كما أُمرت»
أمر الله نبيه ﷺ وأمته بالاستقامة في آيات كثيرة. ونحن ندعو بها في كل يوم أكثر من عشرين مرة حين نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. لكن الدعاء وحده لا يكفي، فلا بد من الأخذ بالأسباب، كما قال الشاعر:
ترجو النجاةَ ولم تسلكْ مسالكَها ... إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
وأكد الشيخ أن النبي ﷺ وهو إمام المستقيمين أُمر بالاستقامة ليكون قدوتنا وأسوتنا. ومن أبى طاعته فقد أبى دخول الجنة. وقيد الأمر بقوله تعالى «كما أُمرت»، فالدين ليس شهوات ولا تجارب ولا خبرات ولا عقولًا ولا مصالح، وإنما هو اتباع مطلق وحب كامل لله وذل تام لأمره.
وحذّر الشيخ من ثلاثة أمور:
- الطغيان، وهو مجاوزة حدود الشريعة.
- الركون إلى الظالمين.
- اتباع أهواء المخالفين وسبيل الذين لا يعلمون، من اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين وأمثالهم، والتنازل عن أي شيء من دين الله.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 112-113]
﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: 15]
﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: 6]
قال ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [البخاري]
المحور الخامس: ثمرات الاستقامة وجزاء المستقيمين
خصص الشيخ الخطبة الثانية لبيان ثمرات الاستقامة، وأول ما ذكره أن الله لا يسوّي بين المستقيم وغيره. فمن قال «ربنا الله» ثم استقام، فلم يقدّم على أمر الله أمر أحد، ولا على محبوبه محبوبًا، كان جزاؤه أن تتنزل عليه الملائكة. فلا يخاف مما يستقبل، ولا يحزن على ما فات، ويُبشَّر بالجنة. وهذا يناله كل مسلم مستقيم، ولو كان من فقراء المسلمين.
وأعظم من ذلك ولاية الله للمستقيم في الدنيا والآخرة: يحبه وينصره ويؤيده ويرفع شأنه. فالمتقي المستقيم أكرم أهل الأرض وأعزهم، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. واستشهد الشيخ بقصة الغار، حين طمأن النبي ﷺ صاحبه أبا بكر بمعية الله ونصره.
ثم ختم بمحاسبة النفس: كلنا مقصر، فلماذا لا تتعلق قلوبنا بملك الملوك؟ ولماذا لا نعضّ على ديننا بالنواجذ؟ ومن فرّط في الاستقامة فقد باع أعظم شيء بثمن بخس دراهم معدودة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: 30-31]
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40]
قال ﷺ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [متفق عليه]
النقاط الرئيسية
- أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأعظم التقوى والكرامة لزوم الاستقامة.
- كل صلاح في الأرض سببه التوحيد وطاعة الرسول ﷺ، وكل شر وبلاء سببه مخالفته.
- الاستقامة كلمة جامعة لمجامع الدين، حقيقتها الصدق مع الله والوفاء بالعهد، وتشمل الأقوال والأفعال والأحوال والنيات.
- الصدق يهدي إلى البر والجنة حتى يُكتب صاحبه صدّيقًا، والكذب يهدي إلى الفجور والنار حتى يُكتب صاحبه كذابًا.
- الدين أمانة عظيمة وملك لله وحده، لا يجوز التنازل عن شيء منه، وحفظه مقدَّم على النفس والمال والولد.
- الاستقامة مقيّدة بقوله تعالى «كما أُمرت»، لا بالأهواء والتجارب والمصالح، مع الحذر من الطغيان والركون إلى الظالمين.
- ثمرة الاستقامة تنزّل الملائكة بالأمن والبشرى بالجنة، وولاية الله ونصره وتأييده في الدنيا والآخرة.
الفوائد والعبر
- أن يجعل المسلم رضا الله مقدَّمًا على رضا الناس، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق.
- أن يتحرّى الصدق في أقواله وأفعاله، ويجعل ظاهره موافقًا لباطنه، ويستحضر مراقبة الله في كل حال.
- أن يقرن دعاءه اليومي ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بالعمل والأخذ بالأسباب، فالنجاة لا تُنال دون سلوك طريقها.
- أن يزن كل أمر بميزان الكتاب والسنة لا بالهوى والتجربة، ويعتز بدينه فلا يتنازل عن شيء منه إرضاءً لأحد.
- أن يستشعر معية الله وولايته للمستقيمين، فيطمئن قلبه، ولا يخاف المستقبل ولا يحزن على الماضي.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات