خطبة جمعة بعنوان:【 كيف نستفيد شهر رمضان ؟】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة المباركة يجيب فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- عن سؤال يتكرر مع كل رمضان: كيف نستفيد من شهر رمضان؟ فرمضان شهر الصيام والقيام والقرآن والدعاء، وهو موسم عظيم لتحصيل التقوى. ومع ذلك يقضيه كثير من الناس في الغفلة واللهو، ولا يخرجون منه بشيء يذكر.
يذكّر الشيخ بأن الأجل يأتي فجأة، وأن من أدرك رمضان هذا العام قد لا يدرك غيره. ويحذّر من شياطين الإنس الذين يعدّون للأمة في هذا الشهر ما يصدّها عن سبيل الله من برامج ومسلسلات تنشر الفجور. ويدعو إلى الاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وإلى طلب العزة من الله وحده.
أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد الغاية من الصيام وهي التقوى، وأن يعرف كيف يغتنم أيام رمضان ولياليه، وأن يتنبّه لمداخل الفساد في هذا الشهر، وأن يربط بين المعاصي وما يصيب الأمة من ذل وضيق، وأن يختار لنفسه قدوة صالحة يُحشر معها يوم القيامة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: رمضان فرصة قد لا تتكرر
يبدأ الشيخ بالتذكير بأن الإنسان لا يدري متى يأتيه أجله. فكم ممن صام معنا العام الماضي هو اليوم تحت التراب. والموت يأتي بأسباب يسيرة لا يتوقعها أحد، كجلطة مفاجئة أو نزيف أو حادث، ولا يستأخر ساعة ولا يستقدم.
ولهذا يجب أن يستقبل المسلم رمضان استقبال من يعلم أنه قد يكون آخر رمضان له. فيتوب ويستعد ويعزم على الطاعة، فهو شهر تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار وتُصفّد مردة الشياطين.
قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)
وينبّه الشيخ إلى أن الشياطين التي تُصفَّد هي شياطين الجن. أما شياطين الإنس فطليقة، تعمل ليلًا ونهارًا على إفساد الناس في هذا الشهر.
ومن لطائف الخطبة أن الشيخ دعا إلى إحياء التأريخ الهجري واعتزاز المسلمين به. فرمضان شهر هجري، ومن الغفلة أن يُقال: "رمضان 2022"، والصواب أن يُنسب إلى السنة الهجرية كقولنا: "رمضان 1443 من هجرة رسول الله ﷺ".
المحور الثاني: الغاية من الصيام هي تحقيق التقوى
يبيّن الشيخ أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب. هو ترك لكل الشهوات المحرمة لأجل الله: شهوة النظر وشهوة السمع وشهوة الكلام. فلا يليق بالصائم أن يمسك عن الطعام ثم يطلق بصره وسمعه فيما حرّم الله.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
وفي الحديث القدسي: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (متفق عليه)
ويحثّ الشيخ على الإكثار من تلاوة القرآن في شهر القرآن. ويذكّر بعظم أجر التلاوة، فكل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها.
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» (رواه الترمذي)
ويوصي الشيخ بالتقوى زادًا للعبد في الدنيا والآخرة، فهي خير ما يتزود به المسلم في هذا الشهر وبعده.
المحور الثالث: التحذير مما يُعدّه أعداء الدين في رمضان
يحذّر الشيخ مما يُعدّ للناس في رمضان من مسلسلات وبرامج تُنفق عليها الأموال الطائلة. هذه البرامج تُشغل الناس عن الصيام والقيام والقرآن والدعاء، وتنشر الفاحشة في البيوت.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]
ويطرح الشيخ سؤالًا يحاسب به كل مسلم نفسه: لو أدرك النبي ﷺ هذا الزمان، هل كان سيقضي ليالي رمضان أمام هذه الشاشات؟ وكذلك أبو بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون كسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله والحسن البصري، والأئمة كمالك والثوري والشافعي وأحمد رحمهم الله. والجواب لا يخفى على أحد. فليختر كل مسلم لنفسه بمن يقتدي.
ويستشهد الشيخ بقصة إبراهيم عليه السلام وزوجه سارة مع جبّار مصر. فقد قالت سارة في دعائها: "اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي..."، فحفظها الله بعفّتها. وفي القصة بيان لمنزلة العفاف وخطر ما يُعرض اليوم مما يهدمه.
المحور الرابع: العزة لله ولرسوله وللمؤمنين
يبيّن الشيخ أن الأمة لن تنال العزة والكرامة في الدنيا والآخرة إلا بطاعة الله ورسوله ﷺ. ويذمّ من يطلب العزة عند الكافرين ويتخذهم أولياء من دون المؤمنين، فذلك من صفات المنافقين.
قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 138-139]
وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]
وطريق العزة هو اتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم القدوة الحقة.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]
المحور الخامس: أثر المعاصي في حياة الأمة وضرورة التوبة
يربط الشيخ بين ما تعيشه الأمة من ذل وهوان وضيق في المعيشة وبين إعراضها عن ذكر الله وكثرة معاصيها. ولا يرفع الله هذا البلاء إلا بالتوبة الصادقة والرجوع إليه سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]
ويستشهد الشيخ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما في خصال تجلب البلاء، وفيه: «...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (رواه ابن ماجه). ويحذّر من زمان أخبر عنه النبي ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» (رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)
ويذكّر بأن الأرض التي يعصي العبد ربه عليها ستشهد عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]. ثم يختم بالحث على الاقتداء بالنبي ﷺ:
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]
النقاط الرئيسية
- رمضان فرصة عظيمة قد لا تتكرر، والموت يأتي بغتة، فالواجب المبادرة إلى التوبة والطاعة.
- الغاية من الصيام هي التقوى، والصيام الحق يشمل الإمساك عن شهوات النظر والسمع واللسان.
- شياطين الجن تُصفَّد في رمضان، أما شياطين الإنس فيعملون على صد الناس عن سبيل الله بالمسلسلات والبرامج الفاسدة.
- المعيار في قضاء الأوقات هو سؤال المسلم نفسه: هل كان النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح سيفعلون هذا؟
- العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ومن طلبها عند الكافرين فقد سلك سبيل المنافقين.
- ما يصيب الأمة من ذل وضيق معيشة سببه المعاصي والإعراض عن ذكر الله، وعلاجه التوبة والرجوع إليه.
- المرء يُحشر مع من اقتدى به في الدنيا، فليختر كل مسلم لنفسه رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الفوائد والعبر
- ضع لنفسك برنامجًا رمضانيًا: حدّد وردًا يوميًا من القرآن، وحافظ على صلاة التراويح والدعاء. ولا تنسَ أن الحرف الواحد بعشر حسنات.
- احفظ صيامك من المفسدات المعنوية: غضّ بصرك واحفظ سمعك ولسانك. وأخرج من بيتك ما يعرض الفواحش من المسلسلات والبرامج، صيانةً لنفسك وأهلك.
- حاسب نفسك بميزان القدوة: قبل أن تقضي وقتك في أمر ما، اسأل نفسك: هل كان النبي ﷺ والصحابة سيرضونه؟ واجعل سيرتهم مرجعك.
- اجعل رمضان بداية توبة صادقة: بإصلاح نفسك وترك المعاصي تساهم في رفع البلاء عن الأمة، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة.
- اعتزّ بهويتك الإسلامية: اطلب العزة بطاعة الله ورسوله، واحرص على إحياء شعائر الأمة ومنها التأريخ الهجري.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات