الشيخ أبو حفص بن العربي الاثري شرح الأدب المفرد 3

5,505 مشاهدة
592 مشاركة
منذ 14 سنة

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث من دروس شرح كتاب «الأدب المفرد» لإمام أهل الصنعة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، يلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول الدرس الباب الرابع من أبواب الكتاب، وهو «باب برّ الوالدين وإن ظلما». وفيه أثر عظيم عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في فضل البر بالوالدين، وفي خطر إغضابهما ولو وقع منهما ظلم.

ويغلب على هذا الدرس الجانب الإسنادي، إذ يقف الشيخ مع رجال الإسناد وقفات مطوّلة. فيترجم للحجاج بن منهال الأنماطي، ثم للإمام حماد بن سلمة، ثم لسليمان بن طرخان التيمي. ويعرض أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم، ويذكر من سيرهم ما يدل على ورعهم وصلابتهم في السنة. ويسوق كذلك دفاع الإمام ابن حبان عن حماد بن سلمة في مسألة عدم إخراج البخاري له في أصول صحيحه.

ومن أهداف هذا الدرس أن يتعرف طالب العلم على منزلة البر بالوالدين، وأن يقف على سير أئمة الحديث ليقتدي بهم في العلم والعمل. ويتعلم كذلك قواعد مهمة في نقد الرواة، كالموقف من الخطأ والمخالفة والتدليس والرواية بالمعنى، ومعنى الاعتبار والشاهد والمتابع عند المحدثين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خطبة الحاجة وباب برّ الوالدين وإن ظلما

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه، وتلا فيها الآيات الثلاث التي تأمر بتقوى الله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

ثم قال: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

ثم شرع في الباب الرابع، وهو «باب برّ الوالدين وإن ظلما». أخرج فيه البخاري من طريق الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن سعيد القيسي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ وَالِدَانِ مُسْلِمَانِ يُصْبِحُ إِلَيْهِمَا مُحْتَسِبًا، إِلَّا فَتَحَ لَهُ اللَّهُ بَابَيْنِ - يَعْنِي: مِنَ الْجَنَّةِ - وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدٌ، وَإِنْ أَغْضَبَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ. قِيلَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ».

وفي هذا الأثر بيان أن حق الوالدين لا يسقط إذا وقع منهما ظلم أو تقصير، وأن رضا الله تعالى معلّق برضاهما.

المحور الثاني: ترجمة الحجاج بن منهال الأنماطي وورعه في الكسب

الحجاج بن منهال هو الحافظ الإمام القدوة العابد أبو محمد البصري الأنماطي، أخو محمد بن منهال. ونسبته «الأنماطي» إلى بيع الأنماط، وهي الفُرُش التي تُبسط، فقد كان تاجرًا. وهو من شيوخ البخاري، روى عنه مباشرة، وروى عنه بقية أصحاب الكتب الستة بواسطة. وتوفي رحمه الله سنة سبع عشرة ومئتين.

وأثنى عليه الأئمة. قال الإمام أحمد: «ثقة، ما أرى به بأسًا». وقال أبو حاتم: «ثقة فاضل». وقال خلف بن محمد كردوس: «كان صاحب سنة يظهرها». وقال العجلي: «ثقة رجل صالح».

وذكر العجلي من ورعه قصة عجيبة. كان الحجاج سمسارًا يأخذ على كل دينار حبّة، وهو شيء يسير. فجاءه رجل خراساني موسر من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطًا، فأعطاه الخراساني ثلاثين دينارًا. فقال: ما هذه؟ قال: سمسرتك. فخشي الحجاج أن يكون هذا المال لأجل الحديث، ولأن السمسرة لا تبلغ هذا القدر، فقال: دنانيرك أهون عليّ من هذا التراب، هات من كل دينار حبة. فلم يأخذ إلا دينارًا وكسرًا، وردّ الباقي.

المحور الثالث: الإمام حماد بن سلمة، منزلته وصلابته في السنة

في قول البخاري «حدثنا حماد، هو ابن سلمة» نبّه الشيخ إلى أن عبارة «هو ابن سلمة» من كلام البخاري نفسه، وهي من الصنعة الحديثية. والبخاري أصل في هذه الصنعة، ومسلم فصّل فيها. أما حماد فهو الإمام القدوة شيخ الإسلام حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، النحوي البزاز، والبزاز نسبة إلى بيع البَزّ وهو القماش. وهو ابن أخت حميد الطويل تلميذ أنس بن مالك. وأكبر شيوخه ابن أبي مليكة، وقرأ القرآن على عاصم وعبد الله بن كثير المكي.

وأقوال الأئمة فيه كثيرة:

  • قال وهيب بن خالد: «حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا».
  • قال الإمام أحمد: «أعلم الناس بثابت البناني، وأثبتهم في حميد الطويل، وهو عندنا من الثقات، وما نزداد فيه كل يوم إلا بصيرة».
  • قال علي بن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين».
  • قال عبد الرحمن بن مهدي: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا».
  • قال ابن معين وأحمد ما معناه: إذا رأيت الرجل يقع في حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام، لأنه كان شديدًا على المبتدعة.

ونقل الشيخ قول الذهبي إنه كان بحرًا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق حجة. وليس في الإتقان كحماد بن زيد؛ فحماد بن سلمة أشد صلابة في السنة، وحماد بن زيد أعظم إتقانًا للحديث.

ومن أقوال حماد بن سلمة: «إذا دعاك الأمير لتقرأ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلا تأته». ونبّه الشيخ إلى أن السلف اختلفوا في الدخول على الأمراء:

  • منهم من منعه خشية أن يأخذوا من دين الداخل، أو أن يجاملهم على حساب الدين.
  • ومنهم من أجازه بشرط النصح والتذكير بالله والأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد.

أما من يزيّن لهم الباطل فهو شيطان من شياطين الإنس. وقد ختم الله لحماد بخاتمة حسنة، فتوفي سنة سبع وستين ومئة وهو يصلي في المسجد، وله سبعون سنة.

المحور الرابع: دفاع ابن حبان عن حماد بن سلمة وقواعد في نقد الرواة

أخرج البخاري لحماد بن سلمة في التعليقات وفي «الأدب المفرد»، ولم يحتج به في أصول صحيحه، بينما احتج به مسلم في روايته عن ثابت وحميد. وقد أثار ابن حبان هذه القضية في مقدمة صحيحه. وذكر أنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم يرو في كتابه إلا عن نحو مئة وخمسين، وأن مدار كتابه على نحو عشرين شيخًا. ثم بيّن أنه يحتج بمن صحّت عنده عدالته بالبراهين الواضحة وإن تكلم فيه بعض الأئمة، وضرب لذلك مثلًا بحماد بن سلمة.

ورد ابن حبان على كل علة يمكن أن يُطعن بها في حماد:

  • مخالفة الأقران: ما من إمام إلا وقد خالف أقرانه، فقد خالف الثوري شعبة وخالف شعبة الثوري. ولو تُرك حديث من خالف لتُرك حديث الأئمة جميعًا.
  • الخطأ: لا يعرى أحد من الخطأ بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
  • كثرة الخطأ: لا يُترك حديث الراوي حتى يغلب خطؤه صوابه. فإن لم يغلب قُبل منه ما أصاب فيه، ورُدّ ما أخطأ فيه فقط، كما هو الحال في شريك وهشيم وأبي بكر بن عياش.
  • التدليس: قد دلّس قتادة وأبو إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وابن جريج والأعمش والثوري وهشيم، واحتُجّ برواياتهم.
  • الرواية بالمعنى وجمع الشيوخ في لفظ واحد: هذا فعل الصحابة والتابعين، وقد فعله الزهري في حديث الإفك، ورواه البخاري.

ثم شرح ابن حبان طريقة «الاعتبار»، وهي سبر طرق الحديث للوصول إلى الشاهد أو المتابع. ومثّل لها بخبر يرويه حماد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة. فيُنظر أولًا: هل رواه أصحاب حماد عنه أو واحد منهم؟ ثم: هل تابعه غيره عن أيوب؟ ثم: هل رواه أحد عن ابن سيرين غير أيوب؟ ثم: هل رواه أحد عن أبي هريرة غير ابن سيرين؟ ثم: هل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أبي هريرة؟ فإن وُجد شيء من ذلك عُلم أن للخبر أصلًا. وإن عُدم ذلك كله وخالف الخبر الأصول عُلم أنه موضوع.

وأوضح الشيخ أن الذي استقر عليه الاصطلاح أن المتابع ما كان عن الصحابي نفسه، وأن الشاهد ما كان عن صحابي آخر. وبيّن أن أهل العلم دافعوا عن البخاري بأنه لم يترك حديث حماد تضعيفًا له ولا طعنًا فيه، وإنما استغنى بحديث غيره عن حديثه، وروى له في المعلقات تنبيهًا على أنه حجة عنده.

المحور الخامس: سليمان بن طرخان التيمي، أمانته وخشيته

بيّن الشيخ أن «سليمان التيمي» في هذا الإسناد هو سليمان بن طرخان، لا سليمان بن بلال، لأنه أرفع طبقة، وهو الذي يروي عنه حماد بن سلمة. وكنيته أبو المعتمر البصري. وليس تيميًّا في النسب، وإنما نزل في بني تيم فنُسب إليهم. وهو تابعي صغير روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وكان مقدّمًا في العلم والعمل.

قال شعبة: «ما رأيت أحدًا أصدق من سليمان التيمي، كان إذا حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم تغيّر لونه»، وذلك من شدة خشيته وهيبته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال شعبة أيضًا: «شكّ ابن عون وسليمان التيمي يقين»، أي أن شكهما يعدل يقين غيرهما، وهذا يدل على بلوغهما الغاية في الأمانة والتثبت. وقد وثّقه أحمد وابن معين وغيرهما.

النقاط الرئيسية

  • برّ الوالدين المسلمين احتسابًا سبب لفتح بابين من أبواب الجنة، ورضا الله معلّق برضاهما ولو ظلما.
  • الحجاج بن منهال شيخ البخاري، ثقة فاضل، ومن أمثلة ورعه أنه ردّ ثلاثين دينارًا خشية أن تكون لأجل الحديث.
  • حماد بن سلمة إمام سنة شديد على المبتدعة، والطعن فيه علامة على الطعن في الدين عند الأئمة.
  • لم يحتج البخاري بحماد في الأصول استغناءً بغيره لا تضعيفًا له، وقد روى له في المعلقات وفي «الأدب المفرد».
  • لا يُترك حديث الراوي لمجرد الخطأ أو المخالفة أو التدليس، بل حين يغلب خطؤه صوابه.
  • الاعتبار هو سبر طرق الحديث لمعرفة الشاهد والمتابع، وبه يُعرف ما للخبر أصل مما لا أصل له.
  • سليمان التيمي بلغ الغاية في الأمانة والتثبت، حتى قيل: شكّه يقين.

الفوائد والعبر

  • المبادرة إلى برّ الوالدين كل صباح بنية الاحتساب، والصبر على ما قد يصدر منهما من شدة أو ظلم، طلبًا لرضا الله تعالى.
  • الورع في الكسب والتنزه عن المال الذي يُخشى أن يكون ثمنًا للدين أو للعلم، اقتداءً بالحجاج بن منهال.
  • أن يجتهد طالب العلم في العمل حتى يكون كما قيل في حماد بن سلمة: لو قيل له إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في عمله شيئًا.
  • التزام الإنصاف في الحكم على الناس، فلا يُهدر فضل العالم لخطأ أو مخالفة، بل يُقبل صوابه ويُترك خطؤه.
  • تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتثبت في نقله، والحذر من تزيين الباطل لأصحاب السلطان.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات