" شرح صحيح الإمام مسلم بمجمع أبو داود بمدينة زفتى " قديم"(7) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السابع من سلسلة شرح «كتاب الإيمان» من صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله (ت 261هـ). ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبي داود بمدينة زفتى. ويتناول الدرس حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الرجل من أهل البادية الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن أصول الإسلام ويتثبّت من صدق رسالته.
ولا يكتفي الشيخ بتعريف رجال الإسناد بذكر مواليدهم ووفياتهم، فذلك موجود في كتب التراجم كـ«تقريب التهذيب» و«الكاشف» و«سير أعلام النبلاء» و«تهذيب الكمال». بل يستخرج من سيرهم دروسًا تربوية ومنهجية. ومن أبرزها سيرة أبي النضر هاشم بن القاسم الملقب بـ«قيصر»، وما فيها من الصدع بالحق والأمر بالمعروف. ثم ينتقل إلى متن الحديث فيستنبط منه فوائد عقدية وأخلاقية وتربوية.
ويهدف الدرس إلى أن يتعرف طالب العلم على:
- رجال إسناد الحديث وسيرهم.
- المنهج الوسط في التعامل مع ولاة الأمر.
- أدب الصحابة في السؤال.
- دلالة الحديث على توحيد الربوبية.
- منزلة التثبّت في الأخبار وطلب علو الإسناد.
- ما ينبغي أن يكون عليه العالم والمعلّم من الحلم وسعة الصدر مع السائلين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: رجال الإسناد ودروس من سيرهم
عرّف الشيخ برجال الإسناد واحدًا واحدًا:
- عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان البغدادي نزيل الرقة: ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث، توفي سنة 232هـ.
- هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، أبو النضر البغدادي: قال فيه الإمام أحمد: «أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر». توفي سنة 207هـ وله ثلاث وسبعون سنة.
- سليمان بن المغيرة القيسي، مولاهم، أبو سعيد البصري: توفي سنة 165هـ.
- ثابت بن أسلم البُناني، أبو محمد البصري، التابعي الجليل: كان من أوثق الناس وأحبهم إلى أنس رضي الله عنه، وتوفي بعد العشرين ومائة عن ست وثمانين سنة.
- أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي: خادم رسول الله ﷺ، رضي الله عنه وأرضاه، عُمِّر حتى جاوز المائة.
وقد اختلف العلماء في نسب أبي النضر: هل هو من بني ليث صَليبةً أم مولى لهم؟ فإن كان مولى فذلك أدلّ على أن الرفعة في الدين بالتقوى والعلم لا بالنسب.
وذكر الشيخ قصة تلقيبه بـ«قيصر». فقد أراد نصر بن مالك الخزاعي، وكان على الشرطة، أن يغتسل قبل صلاة العصر، فأمر المؤذن ألا يقيم الصلاة حتى يرجع. فلما تأخر وخشي أبو النضر فوات الوقت أمر المؤذن بالإقامة وصلى بالناس. فلما رجع نصر وسأل عمن أمر بالإقامة قيل له: أبو النضر، فقال متعجبًا من جرأته: «هذا قيصر!» فلُقِّب بذلك.
ويؤكد الشيخ أن الغاية من دراسة الرجال ليست جمع التواريخ فحسب، بل الاقتداء بهم والتأدب بأدبهم والتخلق بأخلاقهم، فهم قدوات الأمة وأسوتها.
المحور الثاني: المنهج الوسط في التعامل مع ولاة الأمر
استنبط الشيخ من قصة أبي النضر أن الصدع بالحق وإقامة الشرع لا يُعدّ خروجًا على ولي الأمر. فقد أثنى الإمام أحمد على أبي النضر، ولم يعدّ صنيعه خروجًا. وكذلك صدع ابن أبي ذئب بالحق في وجه أبي جعفر المنصور حين سأله عن أمير المدينة فقال: «إنه ظالم».
وبيّن أن الناس في هذا الباب بين إفراط وتفريط:
- فريق يغلو في الحكام حتى ينزلهم منزلة المعصوم الذي لا يُخطَّأ أبدًا.
- وفريق يكفّر الحكام جملة وتفصيلًا، بل قد يكفّر المجتمعات.
والحق وسط بين هذين: أن يُطاع ولي الأمر فيما وافق طاعة الله، ولا يُطاع فيما أمر به من معصية. ويكون ذلك دون تهييج ولا خروج، لأن الخروج فتنة تُراق فيها الدماء، وزوال الدنيا أهون عند الله من إراقة دم مسلم. وبيان الخطأ أو الفساد في المجتمع بالحكمة ليس من الخروج في شيء.
واستشهد الشيخ بموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن. فقد خالف المأمون والمعتصم والواثق في الاعتقاد، وصرّح بالحق وجهر به ولم يكتمه، ومع ذلك لم يخرج عليهم ولم يأمر بالخروج. كما نبّه على أن الحاكم يصيب ويخطئ، ويعدل ويظلم، فلا يُعطى العصمة التي لم تثبت إلا للأنبياء. وأشار إلى أن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بحث مسألة كيفية تولية الإمام عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] في «أضواء البيان».
ومن الأدلة على هذا الأصل:
- قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (متفق عليه).
- والقاعدة المأثورة: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ».
المحور الثالث: أدب الصحابة في السؤال وشرح ألفاظ الحديث
نص الحديث كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا...» الحديث.
بيّن الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم، وهم خير الأمة وأكرمها، لما نُهوا عن السؤال انتهوا، فلم يكونوا يسألون إلا عن الضرورات. لذلك كان يعجبهم أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأل، لأن الأعراب أجرأ على السؤال. واشترط أنس أن يكون «عاقلًا»، أي لا يأتي بجهالة ولا بصياح، فيستفيد الصحابة من جواب النبي ﷺ.
وفي نداء الأعرابي «يا محمد» ثلاثة توجيهات ذكرها الشيخ:
- أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63].
- أو أن الآية نزلت ولم تبلغه.
- أو أنه جاء قبل أن يسلم، كما خاطب المشركون النبي ﷺ باسمه في صلح الحديبية حين قال سهيل بن عمرو: «لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله».
ومن الفوائد اللغوية والشرعية في الحديث:
- معنى «الرسول»: هو كل من حمل رسالة ليبلغها. وينقسم رسل الله إلى رسول مَلَكي كجبريل عليه السلام، ورسول بشري وعلى رأسهم سيد الخلق محمد ﷺ.
- من أدب الرسل في الشريعة: أن الرسل لا تُقتل، وأن الرسول مبلّغ فحسب، فعليه أن يكون أديبًا لا يتجرأ على المرسَل إليه. وفي هذا أصل لما يُعرف اليوم بالعلاقات الدولية.
- معنى «زعم»: قد يأتي بمعنى القول المكذوب كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]، وقد يأتي بمعنى مطلق القول، وهو المراد هنا، لأن النبي ﷺ قال: «صدق».
المحور الرابع: دلالة الحديث على توحيد الربوبية والتثبّت في الأخبار
سؤال الأعرابي: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن نصب الجبال؟ يدل على أن توحيد الربوبية كان معلومًا عند العرب بضرورة العقل والفطرة. فالمشركون كانوا مقرّين بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبّر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25].
ومع هذا الإقرار وقعوا في الشرك في العبادة، فقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. وفي هذا ردّ على من يشنّع على أهل السنة تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية وأسماء وصفات، فهذا التقسيم مأخوذ من استقراء النصوص وواقع المشركين أنفسهم.
وفي الحديث أيضًا أصل عظيم في التثبّت من الأخبار وطلب علو الإسناد. فقد جاء الأعرابي رسولٌ من قِبَل النبي ﷺ، فلم يكتفِ بخبره حتى أتى المرسِل نفسه ليسمع منه مباشرة، ثم استحلفه بالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال. وهذا ما قام به علماء الحديث بعد ذلك، فهو سنة سلفية ممتدة منذ زمن النبي ﷺ.
المحور الخامس: حلم النبي ﷺ وأدب العالم مع السائل
وقف الشيخ طويلًا عند حلم النبي ﷺ مع هذا الأعرابي. فرجل من البادية يختبر سيد الخلق، الذي عُرج به إلى مكان لم يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل، ويسأله عن أمور بدهية. ومع ذلك لم يغضب ﷺ ولم يزجره، بل أجابه بأدب وخلق وحلم عجيب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
ونبّه الشيخ على ظاهرة انتهار بعض المشايخ للسائلين إذا سألوا عن الدليل، وقرر أن على العالم أن يتشبّه بخلق النبي ﷺ. ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية معنى قوله: من أتانا متعلّمًا مستفتيًا علّمناه، ومن أتانا متعنّتًا أدّبناه. وأكد أن السلفية ليست قميصًا قصيرًا وعمامة وسواكًا فحسب، بل هي اعتقاد ومنهج وأخلاق ومعاملات وعبادات.
وفرّق الشيخ بين مقامين:
- مقام إنكار المنكر: وفيه تكون الشدة، كقول ابن عباس رضي الله عنهما في نوف البكالي لما زعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل: «كذب عدو الله».
- مقام التعليم: وفيه يكون الرفق والحلم، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10].
واستثنى من ذلك الأسئلة المتكلَّفة التي لا فائدة منها، كمن سأل الشعبي: ما اسم امرأة إبليس؟ فقال: «ذاك عرس ما شهدته». وكالسؤال عن لون كلب أصحاب الكهف. وذكر قصة مقاتل بن سليمان حين قال: «سلوني عما دون العرش»، فسُئل عن أمعاء النملة أين هي فسكت، تأديبًا من الله له. فالعالم يتذكر دائمًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
النقاط الرئيسية
- دراسة رجال الإسناد لا تقتصر على التواريخ والوفيات، بل تشمل استخراج الدروس التربوية والمنهجية من سيرهم.
- أبو النضر هاشم بن القاسم الملقب بـ«قيصر» نموذج للعالم الآمر بالمعروف الذي يقدّم حق الله على أوامر المخلوقين، وقد أثنى عليه الإمام أحمد.
- المنهج الحق وسط بين الغلو في الحكام والتكفير والخروج عليهم: طاعتهم في المعروف، وعدم طاعتهم في المعصية، دون تهييج ولا خروج، مع بيان الحق بالحكمة.
- الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل الناس امتثالًا، فلما نُهوا عن السؤال انتهوا ولم يسألوا إلا عن الضرورات.
- الحديث يدل على أن توحيد الربوبية كان معلومًا عند العرب بالفطرة، وأن شركهم كان في توحيد العبادة.
- التثبّت في الأخبار وطلب علو الإسناد سنة قديمة ظهرت في فعل هذا الأعرابي منذ زمن النبي ﷺ.
- حلم النبي ﷺ مع السائل أصل في أدب العالم والمعلّم، مع التفريق بين مقام التعليم ومقام إنكار المنكر، وترك الأسئلة المتكلَّفة.
الفوائد والعبر
- القدوة العملية: اجعل من سير العلماء والرواة مدرسة لتهذيب نفسك، فاقتدِ بشجاعتهم في الحق وحرصهم على شعائر الدين، كحرص أبي النضر على إقامة الصلاة في وقتها.
- الاعتدال في المواقف: الزم الوسطية في التعامل مع ولاة الأمر، فلا غلو ولا تكفير ولا خروج. وأطع في المعروف، واجتنب المعصية، واحرص على حقن الدماء ودرء الفتن.
- التثبّت قبل القبول: تعلّم من الأعرابي ألا تقبل الأخبار دون تحقق، وأن تطلب الدليل والمصدر الأعلى، خاصة في زمن كثرت فيه الشائعات والأخبار المنقولة.
- الحلم مع السائلين: إن كنت معلّمًا أو داعيًا أو أبًا، فاتّسع صدرك لأسئلة من حولك، ولا تغضب ممن يسألك عن الدليل، فإن النبي ﷺ صبر على من اختبره في رسالته.
- أدب السؤال: اسأل عما ينفعك في دينك ودنياك، واترك الأسئلة المتكلَّفة التي لا يترتب عليها عمل، وتذكّر دائمًا أن فوق كل ذي علم عليمًا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات