شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《61》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
المقدمة: أهمية فهم صيغ الأمر والإرادة الإلهية
هذه الحلقة هي الدرس الحادي والستون من سلسلة شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، ويقدمها فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. تتناول هذه المحاضرة موضوعًا حيويًا في علم أصول الفقه، ألا وهو "أدلة صيغ الأمر"، وهو مبحث لا يقتصر تأثيره على استنباط الأحكام الفقهية فحسب، بل يمتد ليشمل فهمًا عميقًا للعقيدة الإسلامية الصحيحة.
يُسلِّط الشيخ الضوء على الدلالات اللغوية والشرعية للأمر، مستعرضًا أنواع صيغه وكيفية استدلال أهل العلم عليها من اللغة العربية. كما يكشف عن الانحرافات العقدية التي وقعت فيها بعض الفرق، كالأشاعرة والمعتزلة، في فهمهم لطبيعة كلام الله وأوامره، مؤكدًا على منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسائل الجليلة.
يهدف هذا الدرس إلى ترسيخ فهم صحيح لمفهوم الأمر في الشريعة، وتمييز دلالاته المتعددة بحسب القرائن، والأهم من ذلك، إيضاح العلاقة بين الأمر والإرادة الإلهية بنوعيها (الكونية القدرية والشرعية الدينية)، مما يعمق الإيمان بالقضاء والقدر ويزيد من بصيرة طالب العلم في مسائل العقيدة وأصول الفقه المترابطة.
المحاور الرئيسية
1. تعريف صيغ الأمر وأدلتها وموقف الفرق منها
يبدأ الشيخ بتعريف صيغ الأمر المتفق عليها في اللغة العربية وأصول الفقه، وهي: فعل الأمر (كـ "اجلس")، والفعل المضارع المقترن بلام الأمر (كـ "لتجلس")، واسم فعل الأمر (كـ "صه")، والمصدر النائب عن فعل الأمر (كـ "ضربًا"). ويُبين أن الدليل الأساسي على كون هذه الصيغ تفيد الأمر هو اتفاق أهل اللسان العربي على فهمها كذلك، فكل من يتكلم العربية يفهم أن هذه الصيغ تفيد الطلب والاستدعاء.
يُعرّج الشيخ على الموقف المنحرف للأشاعرة الذين زعموا أن الأمر لا صيغة له. ويعزو هذا الزعم إلى عقيدتهم الفاسدة في "الكلام النفساني"، حيث يدّعون أن كلام الله هو معنى قائم بالنفس مجرد عن الصيغة والحرف والصوت، ولا يسمى قرآناً أو توراة إلا عند إيحائه. وهذا خلاف صريح لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بأن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء بصوت وحرف، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
ويوضح الشيخ خطورة هذا المذهب، فمن يتبناه في أصول الفقه سيضل حتمًا في العقيدة، لأنه يؤول إلى القول بأن الله لم يتكلم بالقرآن حقيقة، وهذا كفر صريح.
2. تعدد معاني صيغ الأمر بوجود القرائن
على الرغم من أن الأصل في صيغة الأمر أنها تفيد الوجوب (الطلب الجازم للفعل)، إلا أن الشيخ يُبيّن أن هذه الصيغ قد ترد لمعانٍ أخرى بوجود قرينة واضحة تدل على المراد. وهذا لا يقدح في أصل كونها صيغة أمر، بل يُظهر سعة اللغة العربية ومرونة الخطاب الشرعي.
يستعرض الشيخ أمثلة قرآنية لهذه المعاني المتعددة:
- الاستحباب: كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، حيث الأمر بالكتابة ليس للوجوب بل للاستحباب.
- الإباحة: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، حيث كان الصيد محرمًا في الإحرام ثم أُبيح بعده.
- الإكرام: كقوله تعالى لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، وهو أمر تكريم وتشريف.
- الإهانة والتحقير: كقوله تعالى لأهل النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، وهو أمر إهانة وتوبيخ.
- التهديد: كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40]، ليس أمراً بالعمل بل تهديدًا بالحساب عليه.
- التعجيز: كقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الطور: 30]، وهو أمر تعجيزي يُظهر عجز المخاطب.
تُبين هذه الأمثلة أن صيغة "افعل" حقيقة في استدعاء الفعل وطلبه، لكنها قد تستخدم لمعانٍ أخرى بوجود قرينة تبين المراد، وهذا أمر لا إشكال فيه عند أهل السنة.
3. الإرادة الإلهية وعلاقتها بالأمر والقدر
يتطرق الشيخ إلى مبحث بالغ الأهمية في العقيدة، وهو تفصيل الإرادة الإلهية، مقسمًا إياها إلى قسمين: الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية. هذا التفريق أساسي لفهم القضاء والقدر وحقيقة أوامر الله.
الإرادة الكونية القدرية: هي علم الله الأزلي الشامل وتقديره لكل ما سيقع في الكون، من خير وشر، قبل وقوعه وقبل خلق الخلق. هي تتعلق بما يقع حتماً، سواء أحبه الله أو لم يحبه (مثل كفر الكافر). وهي أحد أركان الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره، كما في حديث جبريل المشهور: "الشر ليس إليك".
الإرادة الشرعية الدينية: هي أمر الله تعالى لعباده بما يحبه ويرضاه منهم من إيمان وطاعات وبر. هذه الإرادة هي أساس التكليف والثواب والعقاب، ولا يلزم من تعلقها بالفعل وقوعه كونًا. فالله أمر أبا جهل بالإيمان (إرادة شرعية دينية) لكنه لم يرده منه كونًا وقدراً (لأنه علم أنه لن يؤمن). هذا التفريق يدحض شبهات المعتزلة الذين يزعمون أن الله لا يأمر إلا بما يريده كونًا، والجبرية الذين يقولون إن الإنسان مجبور على أفعاله.
يؤكد الشيخ أن الإنسان مخير فيما كُلّف به ومصير فيما لا قدرة له عليه، وأن اختيار العبد لا يكون إلا موافقًا لعلم الله الأزلي، لا أنه يُجبر عليه. وهذا هو منهج أهل السنة في الجمع بين الإرادة والمشيئة الإلهية وقدرة العبد واختياره.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات