شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《29》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة الدرس: فهم النسخ في أصول الفقه
يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأكثرها أهمية، فهو المنهج الذي يُفهم به كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُستنبط منه الأحكام الشرعية. وفي هذا الإطار، يأتي مبحث "النسخ" كواحد من أهم المباحث التي تُسهم في فهم تطور التشريع الإسلامي ومرونته، ورفع أي تعارض ظاهري بين النصوص الشرعية.
نحن على موعد مع الدرس التاسع والعشرين ضمن سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يهدف هذا الدرس إلى تعميق فهمنا لمفهوم النسخ، وتوضيح أقسامه المختلفة، ومعالجة الإشكالات والشبهات المثارة حوله، وبيان الحكمة البالغة من وقوعه في الشريعة الإسلامية.
يتناول الشيخ بالشرح والتفصيل أنواع النسخ الثلاثة مع أمثلة واضحة من القرآن والسنة، ثم ينتقل إلى الإجابة عن الأسئلة المحورية التي تُطرح عادةً في هذا الباب، مؤكداً على أن النسخ مظهر من مظاهر حكمة الله تعالى ورحمته بعباده، وابتلاء لهم ليرى مدى إيمانهم وانقيادهم لأوامره سبحانه.
المحاور الرئيسية للدرس
1. مفهوم النسخ وأنواعه في القرآن الكريم
يُعرف النسخ لغةً بالرفع والإزالة، ومنه نُسخت الشمس الظل، ويُطلق كذلك على النقل والكتابة. أما في الاصطلاح الشرعي، فهو رفع حكم شرعي متقدم بحكم شرعي متأخر ثبت بدليل شرعي. وقد بيّن الشيخ أن كلمة "النسخ" وردت في القرآن الكريم بثلاثة معانٍ: المعنى اللغوي وهو الرفع والإبطال في قوله تعالى: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾، والمعنى الشرعي وهو رفع الحكم الشرعي المتقدم بخطاب متأخر في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، ومعنى الكتابة في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقد ذكر الشيخ أن هناك سبعة فروق بين النسخ والتخصيص، وأنكر بعض الطوائف النسخ، منهم اليهود الذين زعموا أنه يلزم منه البداء على الله، وتبعهم بعض المبتدعة كأبي مسلم الأصفهاني، وهو قول باطل مردود، فالله سبحانه وتعالى يشرع ما يشاء في الوقت الذي يشاء، لا يُسأل عما يفعل.
2. أقسام النسخ الثلاثة وأمثلتها الشرعية
أوضح الشيخ أن النسخ ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، لكل منها أمثلته الواضحة من السنة والقرآن:
-
نسخ التلاوة وبقاء الحكم: وهو أن تُرفع الآية من المصحف وتلاوتها، ويبقى الحكم المستفاد منها قائماً معمولاً به. ومثّل لذلك بآية الرجم للمحصنين، والتي كانت تتلى ثم رُفعت تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به إلى يومنا هذا.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم". (أخرجه الجماعة)
وكذلك أشار إلى نسخ تلاوة آية خمس رضعات معلومات عند الشافعي ومن وافقه. -
نسخ الحكم وبقاء التلاوة: وهذا هو القسم الأكثر وروداً في القرآن الكريم، حيث يُرفع الحكم الشرعي المستفاد من الآية، بينما تبقى الآية تُتلى في المصحف ويُتعبد بتلاوتها. ومثّل لذلك بآية العدة حولاً كاملاً:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة: 240)
التي نُسخ حكمها بآية العدة أربعة أشهر وعشراً:﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234)
- نسخ التلاوة والحكم معًا: وهو أن تُرفع الآية من المصحف ويُنسخ حكمها كذلك. ومثّل لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات".
3. الإجابة على الشبهات وبيان حكمة النسخ
تطرق الشيخ إلى ثلاثة أسئلة محورية تُثار عادةً حول النسخ، وقدم إجابات شافية لها:
-
كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم؟
الجواب أن التلاوة بحد ذاتها حكم شرعي يُتعبد به (قراءتها، الصلاة بها، كتابتها)، والحكم الفقهي المستنبط منها هو حكم آخر. والله يبتلي عباده بما يشاء، فبقاؤها مع نسخ الحكم المستفاد منها يعد اختباراً وابتلاءً للمؤمنين.
-
كيف ساغ نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؟
الجواب أن اللفظ الشرعي يشمل أحكاماً متعددة، فنسخ التلاوة يعني نسخ التعبد باللفظ، لكن الحكم المستنبط منه يبقى قائماً. وليس شرطاً أن كل حكم شرعي يجب أن يكون بلفظ يُتلى في القرآن، فالسنة والإجماع والقياس كلها أدلة شرعية لا تُتلى ومعمول بها.
-
ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه نزل ليتلى ويُثاب عليه؟
الجواب أن الله يبتلي عباده بما يشاء، ورفعه يقتضي الاختبار والابتلاء. والمقصود الأصلي قد يكون هو الحكم دون التلاوة، فإذا تحقق المقصود جاز نسخ اللفظ. كما أن وجود الحكم يدل على أن هناك دليلاً نزل ثم رُفع، وهذا لا يرفع ورودها ونزولها بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
أبرز النقاط الرئيسية
- النسخ هو رفع حكم شرعي متقدم بحكم شرعي متأخر، وهو من مباحث أصول الفقه الهامة.
- ينقسم النسخ إلى ثلاثة أنواع: نسخ التلاوة وبقاء الحكم، نسخ الحكم وبقاء التلاوة (وهو الأكثر)، ونسخهما معًا.
- أمثلة النسخ تشمل آية الرجم (تلاوة وبقاء حكم)، وآية العدة حولاً (حكم وبقاء تلاوة)، وحديث عشر رضعات (نسخهما معاً).
- أنكر اليهود وبعض المبتدعة النسخ، لكنه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يلزم منه البداء على الله.
- التلاوة بحد ذاتها حكم شرعي، والحكم الفقهي المستنبط منها حكم آخر، والله يبتلي عباده بما يشاء.
- ليس كل حكم شرعي يشترط أن يكون بلفظ يُتلى في القرآن، فالسنة والإجماع والقياس أدلة معتبرة.
- الحكمة من النسخ هي اختبار العباد، وإظهار قدرة الله وحكمته في التشريع، والتيسير على الأمة.
الفوائد والعبر المستفادة
- تعميق الإيمان بقدرة الله المطلقة وحكمته البالغة في تشريع الأحكام وتغييرها بما يناسب حال الأمة ومصالحها.
- فهم مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على التكيف مع مختلف الظروف والأزمان، مما يدل على صلاحيتها لكل زمان ومكان.
- التأكيد على أهمية الانقياد لأوامر الله ونواهيه، حتى وإن لم تُدرك الحكمة الكاملة من وراء بعض الأحكام، ففي ذلك ابتلاء واختبار للمؤمن.
- تنمية المنهجية العلمية في فهم النصوص الشرعية، والتمييز بين أنواع الأحكام، ومعرفة متى يكون الحكم منسوخاً ومتى يكون باقياً.
- الاستزادة من العلم الشرعي، وخاصة علم أصول الفقه، الذي يُعد صمام أمان للفهم الصحيح للدين والابتعاد عن الشبهات والانحرافات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات