شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《4》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا الدرس الرابع من شرح «مذكرة أصول الفقه» للعلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يستكمل الشيخ فيه مبحث الحكم الشرعي، فيبدأ بمراجعة تعريفه لغةً واصطلاحًا وأقسامه، ثم يقف عند قول الشنقيطي: «واعلم أن عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم الشرعي»، ويشرح أسباب هذا الاضطراب وصلته الوثيقة بمسائل العقيدة.
ويبيّن الشيخ أن المدارس الأصولية تتأثر بعقائد أصحابها؛ فالمعتزلي إذا كتب في أصول الفقه ظهرت عقيدته في كتابته، وكذلك الأشعري. ولذلك كان التضلّع في أصول الفقه من أخطر العلوم وأشدّها مساسًا بصميم المنهج والعقيدة. فالأصولي المبتدع يستطيع أن يلبّس على الناس دينهم، والأصولي السني يستطيع أن يذبّ عن عقيدة أهل السنة ومنهج السلف.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف الطالب سببي اضطراب الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي، وأن يفهم مسألة «الكلام النفسي» عند الأشاعرة وردّ أهل السنة عليها، وأن يبدأ في دراسة الحكم التكليفي من حيث تعريفه وأقسامه ومسألة دخول المباح فيه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مراجعة تعريف الحكم وأقسامه
يذكّر الشيخ بأن الحكم في اللغة هو المنع، وفي الاصطلاح إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. وهو ثلاثة أقسام:
- حكم عادي، ومستنده التجربة والعادة.
- حكم عقلي.
- حكم شرعي.
والحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. وعرّفه ابن قدامة بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف.
وينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين:
- حكم تكليفي.
- حكم وضعي.
المحور الثاني: سببا اضطراب الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي
السبب الأول: أن بعض المكلفين لم يكونوا موجودين وقت نزول الخطاب، أي وقت نزول الآيات وورود الأحاديث، والمعدوم ليس بشيء حتى يُخاطَب. ومثّل الشيخ لذلك بابن رجل لم يتزوج بعد؛ فهذا الابن معدوم، والمعدوم ليس بشيء. وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أننا مكلفون ولو لم يبلغنا الخطاب، وهذا من تكليف ما لا يطاق، فانعكس قولهم على تعريف الحكم الشرعي.
والصحيح أن الإنسان لا يكون مكلفًا إلا إذا بلغته الحجة. ونبّه الشيخ على الفرق بين بلوغ الحجة وإقامتها. فمن بلغ مبلغ التكليف فهو مكلف بالإسلام وبأحكامه المعلومة من الدين بالضرورة.
السبب الثاني: زعم الأشاعرة أن الخطاب هو «المعنى الأزلي القائم بالذات المجرد عن الصيغة». وهذا مبني على قولهم بالكلام النفسي، فدخلت عقيدتهم الفاسدة في تعريف الحكم الشرعي.
المحور الثالث: مسألة الكلام النفسي وردّ أهل السنة عليها
يقسم الأشاعرة الكلام إلى قسمين:
- كلام بصوت وحرف.
- كلام نفسي قائم بالنفس، يشبه ما يُسمّى حديث النفس.
وينفون عن الله تعالى الكلام بالصوت والحرف، زاعمين أنه يستلزم حلول الحوادث والجوارح كاللسان والشفتين. ثم يقولون إن هذا المعنى الواحد إذا عُبّر عنه بالعبرانية كان التوراة، وإذا عُبّر عنه بالسريانية كان الإنجيل، وإذا عُبّر عنه بالعربية كان القرآن. ويقول بعضهم إن الله خلق الكلام في الشجرة فسمعه موسى، فيلزمهم أن تكون الشجرة هي القائلة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
ويرى الشيخ أنهم أرادوا تنزيه الله فوقعوا في التعطيل، وأنهم شبّهوا أولًا ثم نزّهوا. ولذلك وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم «مخانيث الجهمية»؛ لأنهم لم يلتزموا منهج المعتزلة في تقديم العقل التزامًا تامًا، ولم يلتزموا منهج أهل السنة في تقديم النقل.
أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون أن الله يتكلم بصوت وحرف، متى شاء وكيف شاء، كلامًا يليق بجلاله. والقرآن كلام الله منزّل غير مخلوق. ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
ومن القواعد المقررة أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. وضرب الشيخ مثالًا بالمخلوقات: فللنملة يد، وللفيل يد، وللإنسان يد، ولا تشبه يد أحدها يد الآخر، مع أنها جميعًا مخلوقة. فإذا كان هذا في المخلوقين، فالخالق سبحانه أولى ألا تشبه صفاته صفات خلقه.
المحور الرابع: أطوار أبي الحسن الأشعري والتحذير من مجالسة أهل البدع
ذكر الشيخ أن الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله مرّ بثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: كان فيها معتزليًا.
- المرحلة الثانية: المرحلة التي يُنسب إليها المذهب الأشعري.
- المرحلة الثالثة: رجع فيها إلى عقيدة أهل السنة، وألّف «الإبانة» و«مقالات الإسلاميين» و«رسالة إلى أهل الثغر»، مع بقاء بقايا يسيرة من البدع في دقائق العقيدة.
وبيّن الشيخ أن المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري المتأخر، كما قرّر شيخ الإسلام، هو الفخر الرازي. وقد ردّ عليه ابن تيمية في «نقض التأسيس» و«درء تعارض العقل والنقل».
ونصح الشيخ طلاب العلم بألا يجالسوا أهل البدع ولا يناقشوهم في بداية الطلب، لأن الشبهة خطّافة. ولا تحسن المناقشة إلا لمن تمكّن في العلم وتضلّع فيه.
المحور الخامس: الحكم التكليفي ومسألة دخول المباح فيه
قال الشنقيطي إن الأحكام الشرعية قسمان:
- خطاب التكليف، وأقسامه خمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.
- خطاب الوضع، وأقسامه أربعة: العلل، والأسباب، والشروط، والموانع. وأدخل فيه بعضهم الصحة والفساد والرخصة والعزيمة، وبعضهم يجعل الصحة والفساد من خطاب التكليف.
والاقتضاء هو الطلب، وهو أربعة أنواع:
- طلب فعل جازم، وهو الواجب.
- طلب فعل غير جازم، وهو المندوب.
- طلب ترك جازم، وهو الحرام.
- طلب ترك غير جازم، وهو المكروه.
أما التخيير فهو المباح. والحكم الوضعي هو جعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو علة له.
والتكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة ومشقة. ويُستشهد له بقول الخنساء في أخيها صخر: «يكلّفه القوم ما نابهم»، أي يلزمونه بمهمّاتهم ومصائبهم. وفي الاصطلاح ينبني الأمر على التعبير المختار:
- إن قيل: «إلزام ما فيه مشقة» دخل الواجب والحرام فقط، لأن الإلزام لا يكون إلا جازمًا.
- إن قيل: «طلب ما فيه مشقة» دخل معهما المندوب والمكروه، لأن الطلب يكون جازمًا وغير جازم.
وأما المباح فلا طلب فيه، فاختُلف في سبب إدخاله في أقسام التكليف:
- قيل: أُدخل تكميلًا للقسمة.
- وقيل: لأنه يجب اعتقاد إباحته. ويرد على هذا القول أن الاعتقاد يكون حينئذ واجبًا لا مباحًا، فيخرج عن كونه مباحًا.
- والأولى ما قرّره الشنقيطي: أن المباح يدخل في التكليف لأنه يتحوّل بالنية والقصد إلى أحد الأحكام الأربعة.
ومثّل الشيخ لذلك بالأكل، فالأصل فيه الإباحة، لكنه يتغيّر بحسب النية والحال:
- يكون مستحبًا إذا نوى به التقوّي على طاعة الله.
- يكون واجبًا إذا توقّفت عليه حياة النفس.
- يكون مكروهًا أو محرّمًا إذا قصد به التقوّي على المعصية، كمن يأكل ليقوى على ظلم الناس وضربهم، أو ليتقوّى على الزنا والعياذ بالله.
النقاط الرئيسية
- الحكم الشرعي: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهو قسمان: تكليفي ووضعي.
- اضطربت عبارات الأصوليين في تعريفه لسببين: عدم وجود بعض المكلفين وقت الخطاب، وقول الأشاعرة بالكلام النفسي.
- لا تكليف إلا ببلوغ الحجة، والقول بتكليف من لم يبلغه الخطاب تكليف بما لا يطاق.
- أهل السنة يثبتون أن الله يتكلم بصوت وحرف متى شاء وكيف شاء، وأن القرآن كلامه منزّل غير مخلوق.
- الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإثبات الصفة لا يقتضي مشابهة المخلوقين.
- الحكم التكليفي خمسة أقسام: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. والوضعي يشمل الأسباب والشروط والموانع والعلل.
- يدخل المباح في التكليف لأنه يتحوّل بالنية والقصد إلى أحد الأحكام الأربعة الأخرى.
الفوائد والعبر
- أصول الفقه وثيق الصلة بالعقيدة، فينبغي لطالب العلم أن يدرسه على منهج أهل السنة حتى يميّز ما دخل فيه من عقائد المعتزلة والأشاعرة.
- الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فلا يحق لأحد أن يتكلم في تبديع الناس أو تضليلهم أو في الفتوى وهو جاهل بأصول الفقه، بل عليه أن يجلس بين يدي العلماء ويتعلم.
- على المبتدئ في الطلب أن يتجنب مجالسة أهل البدع ومناقشتهم؛ لأن الشبهات قد تعلق بقلبه.
- يحسن بطالب العلم أن يصبر على دراسة «مذكرة الشنقيطي»؛ فهي من أعظم مفاتيح كتب الأصول، إذ هي شرح لروضة الناظر المختصرة من المستصفى، وتعرض أقوال المذاهب الأربعة. ومراجعتها وحفظها خير من التنقّل بين الكتب.
- النية الصالحة تحوّل العادات المباحة كالأكل والنوم إلى عبادات يؤجر عليها العبد، والنية الفاسدة قد تجعلها آثامًا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات