شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《22》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,421 مشاهدة
217 مشاركة
منذ 3 سنوات
أهلاً بك أيها المشاهد الكريم في هذا الشرح العميق والميسّر لمسائل أصول الفقه، والذي يأتينا ضمن سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، بتقديم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا الدرس، وهو الثاني والعشرون، يُعدّ حجر الزاوية في فهم عقيدة أهل السنة والجماعة المتعلقة بكلام الله سبحانه وتعالى، القرآن الكريم. يستكشف هذا الدرس قضية عظيمة الشأن، وهي حقيقة القرآن الكريم، هل هو كلام الله غير مخلوق أم هو مخلوق؟ وما يترتب على ذلك من مسائل عقدية خطيرة. إن فهم هذا الموضوع ليس مجرد تفصيل فقهي، بل هو صلب العقيدة السلفية التي تميز أهل الحق عن أهل البدع والضلالات. ندعوك للاستفادة من هذا الشرح الذي يرسخ الإيمان ويدافع عن صحيح المعتقد.

المقدمة

يُعدّ هذا الدرس الثاني والعشرون من شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، من أهم الدروس التي تتناول مسألة عقدية جوهرية تتعلق بحقيقة القرآن الكريم، وهو كلام الله جل وعلا. تأتي أهمية هذا الموضوع من كونه ركيزة أساسية في عقيدة أهل السنة والجماعة، التي تُفرق بين الحق والباطل في فهم صفات الله تعالى.

يهدف هذا الدرس إلى ترسيخ الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق بألفاظه ومعانيه، وبيان انحراف الفرق الضالة التي خالفت في هذه المسألة، مثل المعتزلة والجهمية والأشاعرة والكلابية. كما يسعى إلى تزويد المشاهد بالأسس العلمية والشرعية للدفاع عن هذه العقيدة الصحيحة، وفهم الفروق الدقيقة بين كلام الله وكلام المخلوقين.

المحاور الرئيسية

1. حقيقة القرآن الكريم وعقيدة أهل السنة والجماعة

يؤكد الدرس على أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى بألفاظه ومعانيه، وهو غير مخلوق. لقد تكلم الله به حقيقةً، وسمعه منه جبريل عليه السلام، ثم بلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعته الأمة منه. هذا الكلام محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، ومكتوب في المصاحف، ويبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس.

يُشدد الشيخ على أن "الكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ"، مما يعني أن الألفاظ والمعاني هي من الله تعالى، أما الصوت المسموع فهو صوت القارئ المخلوق. وهذا هو ما أجمعت عليه مذاهب أهل السنة والجماعة الأربعة وغيرهم من السلف والخلف، بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنه صفة من صفاته، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.

وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. فهذه الآية دليل صريح على أن ما يسمعه المشرك هو كلام الله تعالى، وليس مجرد معنى قائم في ذات الله أو صوت مخلوق خلقه الله في غيره.

2. الرد على المناهج المنحرفة في مسألة كلام الله

يتناول الدرس الرد على الفرق الضالة التي خالفت أهل السنة في هذه المسألة، مثل المعتزلة والجهمية الذين قالوا بخلق القرآن، والكلابية والأشاعرة الذين قالوا بأن كلام الله هو معنى قائم في ذاته (الكلام النفسي) وليس بحرف وصوت، وأن ما نسمعه هو عبارة عن كلام الله خلقه في غيره. ويُبين الدرس بطلان هذه الأقوال ومخالفتها للكتاب والسنة وإجماع السلف.

يُذكر الشيخ ثبات الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في محنة خلق القرآن، ورفضه القول بأن القرآن مخلوق، مما حفظ الله به الأمة من هذا الضلال. ويُحذر من بعض المناهج المنحرفة في عصرنا التي لا تزال تروج لهذه الأفكار الباطلة أو تقلل من شأن هذه القضية العقدية الكبرى.

ويُفند الدرس زعم من يقولون بأن الله منزه عن أن يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه مجرد معنى في نفسه. ويُؤكد أن هذا القول يُعطل صفة الكلام عن الله تعالى، ويُثبت للمخلوق صفة كمال لم يثبتوها للخالق، وهو ما يتنافى مع تعظيم الله وتنزيهه عن النقص.

3. إثبات صفة الكلام لله تعالى وكيفيتها

يُقرر الدرس عقيدة أهل السنة والجماعة بأن الله يتكلم كيفما يشاء، ومتى يشاء، بما يشاء، بحرف وصوت، على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، لا يُشبه كلام المخلوقين. ويُستدل على ذلك بقصة موسى عليه السلام عندما سمع نداء الله من الشجرة: "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" (طه: 14)، فموسى سمع صوت الله تعالى حقيقة، ولم يعبد الشجرة أو يعتقد أن الكلام مخلوق فيها.

يُبين الشيخ أن إنكار صفة الكلام لله تعالى بصوت وحرف يؤدي إلى تعطيل نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، ويُوقع في التشبيه بالمخلوقين عند محاولة تنزيه الله بزعمهم. فالله لا يُسأل عما يفعل، وهو يتكلم متى شاء وكيف شاء.

4. القرآن معجز ومتعبد بتلاوته

يُوضح الدرس أن القرآن الكريم، بألفاظه ومعانيه من الله تعالى، هو معجزة تحدى الله بها الثقلين أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة من مثله. ولو كان القرآن مجرد كلام مخلوق أو عبارة عن معنى في ذات الله، لما جاز التعبد بتلاوته والصلاة به، ولما كان له هذه القدسية والمنزلة.

كما يُفرق الشيخ بين مفهوم "الكتاب" و"القرآن"؛ فكلاهما يطلق على كلام الله المنزل، لكن مفهوم الكتابة يختلف عن مفهوم القراءة. فالقرآن هو الموصوف بأنه مكتوب ومقروء، وهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين. ويُؤكد على أن قراءات القرآن المتواترة، كالقراءات السبع والثلاث المكملة لها، هي جزء من الوحي الإلهي ولا خلاف عليها بين العلماء.

النقاط الرئيسية

  • القرآن كلام الله تعالى بألفاظه ومعانيه، وهو غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله الأزلية.
  • الكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ، أي أن الألفاظ والمعاني من الله، والصوت المسموع مخلوق.
  • أهل السنة والجماعة يُثبتون لله تعالى صفة الكلام بحرف وصوت على الوجه الذي يليق بجلاله، دون تشبيه أو تكييف.
  • الرد على المعتزلة والجهمية القائلين بخلق القرآن، والكلابية والأشاعرة القائلين بالكلام النفسي دون حرف وصوت.
  • القرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، والتعبد بتلاوته دليل على أنه كلام الله غير المخلوق.
  • الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان من أبرز المدافعين عن عقيدة أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
  • القراءات المتواترة للقرآن، كالقراءات السبع والثلاث، هي جزء لا يتجزأ من الوحي الإلهي.

الفوائد والعبر

  • ترسيخ العقيدة الصحيحة: تعميق فهم عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة كلام الله، وحماية الإيمان من الشبهات والضلالات.
  • تقدير القرآن الكريم: زيادة تعظيم القرآن في القلوب، وإدراك قدسيته وأنه كلام الخالق العظيم، مما يدفع إلى تدبره والعمل به.
  • التمييز بين الحق والباطل: القدرة على تمييز أقوال أهل الحق من أقوال أهل البدع والضلال في المسائل العقدية الكبرى.
  • الدفاع عن الدين: اكتساب الحجة والبرهان الشرعي للدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة ضد أي شبهة أو طعن.
  • الاستفادة من أصول الفقه: إدراك أهمية علم أصول الفقه في فهم العقيدة والدفاع عنها، وكيف أنه سلاح للمسلم في مواجهة الانحرافات.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات