شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم (2-53) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,552 مشاهدة
180 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا الدرس هو الحلقة (2-53) من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول أبوابًا من كتاب «فرض الخُمُس» تتعلق بالغنائم والأموال العامة، وكيفية قسمتها، وضوابط التصرف فيها. وهذه الأبواب تبين عدل الشريعة في توزيع المال، ورحمة الله بهذه الأمة إذ أحلّ لها الغنائم، وخطورة الغلول والخوض في مال الله بغير حق.

يفتتح الشيخ الدرس بقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، مذكّرًا بأن العزة في الاستقامة على أمر الله، وأن الطائفة المنصورة لا تخلو منها الأرض إلى قيام الساعة. ثم يمضي في شرح الأحاديث، مع وقفات إسنادية لبيان الرواة، ووقفات تربوية تربط النصوص بواقع المسلم.

ومن أهداف هذا الدرس أن يفهم المشاهد مكانة النبي ﷺ في قسمة المال العام، وأن يعرف أحكام الغنيمة ومن يستحقها، وأثر النية في أجر المجاهد. ويُختم الدرس بقصة الزبير بن العوام رضي الله عنه ودَينه، وهي درس عظيم في التوكل على الله والاستعانة به.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: النبي ﷺ قاسم يضع المال حيث أُمِر، وحرمة الخوض في مال الله

يبدأ الدرس بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ لم يكن يتصرف في المال بهواه، وإنما كان قاسمًا ينفّذ أمر ربه. وهذا أصل في أن المال العام أمانة، وأن وليّ الأمر مؤتمن عليه، يضعه في مواضعه الشرعية لا بحسب الميل والهوى.

ثم يأتي حديث خولة الأنصارية رضي الله عنها في الوعيد الشديد لمن يتصرف في الأموال العامة بغير حق. فالخوض في مال الله أي التصرف فيه بالباطل والأخذ منه بلا استحقاق، من كبائر الذنوب التي توعّد الله عليها بالنار.

قال رسول الله ﷺ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ».

وقال ﷺ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

المحور الثاني: إحلال الغنائم لهذه الأمة، والبشارة بفتح كنوز كسرى وقيصر

عقد الإمام البخاري بابًا لقول النبي ﷺ: «أُحِلَّتْ لَكُمُ الْغَنَائِمُ»، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ﴾ [الفتح: 20]. وأورد فيه حديث عروة البارقي رضي الله عنه: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ: الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

ثم ذكر بشارة النبي ﷺ بزوال ملك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما في سبيل الله. وأشار الشيخ إلى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا على يقين تام بوعد الله على لسان نبيه ﷺ، حتى في أشد أحوال الضيق والحصار، فتحقق الوعد كما أخبر.

قال رسول الله ﷺ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

وفي الأسانيد وقف الشيخ عند عدد من الرواة، ومنهم يزيد الفقير. وبيّن أنه لُقّب بالفقير لأنه كان يشتكي فقار ظهره، لا لقلة ماله.

وقال ﷺ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».

المحور الثالث: قصة النبي الذي حُبِست له الشمس، وخطورة الغلول

شرح الشيخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه من صحيفة همام بن منبه، في قصة نبي من الأنبياء غزا بقومه. فاشترط ألا يتبعه من تعلّق قلبه بشيء من الدنيا، كمن عقد على امرأة ولم يدخل بها، أو بنى بيتًا ولم يرفع سقفه، أو اشترى غنمًا أو نوقًا حوامل ينتظر نتاجها. والحكمة من ذلك أن يخرج المجاهد بقلب فارغ من الشواغل.

ثم دنا من القرية وقت العصر، فقال للشمس: «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا»، فحُبست حتى فتح الله عليه. وكانت الأمم السابقة تجمع الغنائم فتنزل نار تأكلها علامةً على القبول. فلما لم تأكلها النار علم أن فيهم غلولًا، فكشفه الله بالمبايعة حتى لزقت يد الرجل بيده، فجاؤوا برأس مثل رأس البقرة من الذهب، فأكلته النار.

وختام الحديث: «ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».

ونبّه الشيخ على أن إحلال الغنائم لهذه الأمة من رحمة الله بها، بعد أن كانت محرّمة على الأمم السابقة.

المحور الرابع: أحكام القسمة، ومن يستحق الغنيمة، وأثر النية في الأجر

بوّب البخاري: «باب الغنيمة لمن شهد الوقعة»، وأورد فيه قول عمر رضي الله عنه: «لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ». وفي هذا نظر عمر رضي الله عنه لمصلحة الأجيال القادمة من المسلمين.

ثم بوّب: «باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره». ولفت الشيخ إلى أن البخاري لم يجزم بالحكم في الترجمة، لأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وفي نفسه طمع في الغنيمة يُخشى أن ينقص من أجره.

قال أعرابي للنبي ﷺ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقال ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

وفي باب «قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب عنه»، ذكر حديث الأقبية من الديباج المزررة بالذهب التي أُهديت للنبي ﷺ فقسمها في أصحابه. وخبأ منها قباءً لمخرمة بن نوفل رضي الله عنه، ثم تلقّاه به وقال: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ». وبيّن الشيخ أن مخرمة كان في خلقه شدة، فكان النبي ﷺ يتألفه ويراعي حاله، فالغائب لا يضيع حقه. وتناول الدرس أيضًا كيف قسم النبي ﷺ أموال قريظة والنضير، إذ كان الأنصار يجعلون له النخلات، فلما فتح الله عليه ردّها عليهم.

المحور الخامس: بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًا، وقصة دَين الزبير رضي الله عنه

ختم الشيخ الدرس بقصة الزبير بن العوام رضي الله عنه يوم الجمل، حين أوصى ابنه عبد الله بقضاء دينه. قال له: «يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي». ثم قال: «يَا بُنَيَّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ»، فسأله عبد الله: من مولاك؟ قال: «اللَّهُ». فكان عبد الله كلما وقع في كربة من دينه قال: «يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ»، فيقضيه.

وأصل دَين الزبير أن الناس كانوا يأتونه بأموالهم ليحفظها وديعة، فيقول: «لَا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ». فكان يضمنها لأصحابها. وكان رضي الله عنه لم يتولَّ إمارة قط ولا جباية خراج، وإنما كان مجاهدًا مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

وبلغ الدين ألفي ألف ومئتي ألف، واستعظمه حكيم بن حزام رضي الله عنه وظن أن أموالهم لا تفي به. لكن الله بارك في المال ببركة التوكل عليه:

  • كان الزبير قد اشترى الغابة بمئة وسبعين ألفًا، فباعها عبد الله بألف ألف وستمئة ألف.
  • قُضي الدين كله، وأُخرج الثلث الموصى به.
  • كان عبد الله ينادي في موسم الحج أربع سنين: من كان له على الزبير دين فليأتنا، ثم قسم الميراث بعد ذلك.
  • نالت كل واحدة من زوجاته الأربع ألف ألف ومئتي ألف، وبلغ جميع ماله خمسين ألف ألف ومئتي ألف.

النقاط الرئيسية

  • النبي ﷺ قاسم للمال يضعه حيث أمره الله، والمال العام أمانة لا يُتصرف فيه بالهوى.
  • الخوض في مال الله بغير حق، وكذلك الغلول، من الذنوب الكبيرة التي توعّد الله عليها بالنار.
  • إحلال الغنائم خصيصة لهذه الأمة ورحمة من الله بها، بعد أن كانت النار تأكلها في الأمم السابقة.
  • صدق بشارات النبي ﷺ بزوال ملك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما في سبيل الله، ويقين الصحابة بوعد الله.
  • الغنيمة لمن شهد الوقعة، وللإمام أن ينظر لمصلحة المسلمين، كما فعل عمر رضي الله عنه في الأرض المفتوحة.
  • الإخلاص هو ميزان القتال في سبيل الله، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
  • قصة دَين الزبير رضي الله عنه نموذج عظيم لبركة التوكل على الله والاستعانة به في قضاء الحقوق.

الفوائد والعبر

  • تعظيم الأمانة في المال العام: على المسلم أن يحذر من أخذ شيء من أموال المسلمين العامة بغير حق، صغيرًا كان أو كبيرًا، فإن الغلول يُفضح صاحبه في الدنيا والآخرة.
  • تفريغ القلب من الشواغل عند الطاعة: كما اشترط ذلك النبي في الغزو، فيُقبل المسلم على العبادات الكبيرة بقلب حاضر غير متعلق بالدنيا.
  • تصحيح النية وتنقيتها: ليكن العمل خالصًا لوجه الله ولإعلاء كلمته، لا للذكر والسمعة ولا للمكاسب الدنيوية وحدها، فإن ذلك يؤثر في الأجر.
  • الاهتمام بقضاء الديون: كان قضاء الدين من أكبر هموم الزبير رضي الله عنه وهو مقبل على الموت. فعلى المسلم أن يوثّق ديونه ويوصي بقضائها، ويعين الورثة على إبرائه.
  • الاستعانة بالله في كل كربة: من قال بصدق «يا مولاي أعنّي» فتح الله له من أبواب البركة ما لا يخطر على البال، فالتوكل على الحي الذي لا يموت سبب للفرج.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات