شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 124) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع والعشرون بعد المئة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس جملة من أبواب «كتاب الذبائح والصيد»، وهي أبواب يحتاجها المسلم في يومه، لأن الطعام الحلال من أسباب قبول العمل وإجابة الدعاء، ولأن معرفة ما يحل من الحيوان وما يحرم من صميم دين المسلم.
يشرح الشيخ في هذا الدرس الفرق بين النحر والذبح وموضع الذكاة الشرعية، وحكم أكل لحوم الخيل والدجاج، وتحريم لحوم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع. ويبيّن كذلك نهي الشريعة عن تعذيب الحيوان والتمثيل به، وحكم الانتفاع بجلود الميتة، ويقف عند لطيفة من فقه الإمام البخاري في إيراده «باب المسك» بعد «باب جلود الميتة».
والمرجو من هذا الدرس أن يعرف المشاهد أحكام الذكاة وما يباح من اللحوم وما يحرم بأدلتها من السنة الصحيحة، وأن يدرك ما في الشريعة من رحمة بالحيوان، وأن يتعلم من دقة الإمام البخاري في ترتيب الأبواب واستنباط الأحكام من تراجمها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: النحر والذبح وموضع الذكاة الشرعية
يبدأ الدرس بباب «النحر والذبح». والنحر هو الطعن في اللَّبَّة، وهي أسفل العنق مما يلي الصدر، وهو السنة في الإبل. أما الذبح فيكون في الحلق بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وهو السنة في البقر والغنم والطيور كالديكة وغيرها. وقد أورد البخاري قول ابن عباس رضي الله عنهما: «الذَّكَاةُ فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ».
ونبّه الشيخ إلى أن ما يُذبح لو نُحر، أو ما يُنحر لو ذُبح، أجزأ ذلك وحلّت الذبيحة. واستدل بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، فقد جاء في بعض رواياته «ذَبَحْنَا» وفي بعضها «نَحَرْنَا»، وهذا يدل على أن الأمرين في الإجزاء سواء. وذكر أيضًا ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما من النهي عن «النَّخْع»، وهو أن يقطع الذابح ما دون العظم ثم يترك الذبيحة حتى تموت. فالأدب أن يُترك الحيوان حتى تخرج روحه، وإن كانت الذبيحة تحل مع ذلك.
ومن الآيات التي أوردها البخاري في الباب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67].
- وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71].
المحور الثاني: حِلّ لحوم الخيل والدجاج
يدل حديث أسماء رضي الله عنها على إباحة لحم الخيل، إذ أكله الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم. وأشار الشيخ إلى أن كثيرًا من الناس اليوم يتجنبون لحم الخيل لظنهم أنه «حارّ» يرفع حرارة الجسم، وهذا ظن لا يغيّر الحكم الشرعي، فاللحم حلال. وأيّد ذلك حديث جابر رضي الله عنه في الرخصة في لحوم الخيل يوم خيبر.
ثم ذكر باب الدجاج وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج. وبيّن الشيخ أن هذا يردّ على من يتحرج من أكله أو يستقذره. وفي الحديث قصة الرجل الذي رأى الدجاج يأكل شيئًا فاستقذره وحلف ألا يأكله، فحدّثه أبو موسى بقصة الأشعريين حين استحملوا النبي صلى الله عليه وسلم، فحلف ألا يحملهم ثم حملهم وكفّر عن يمينه.
ومن الأحاديث في ذلك:
- عن أسماء رضي الله عنها قالت: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ».
- عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ دَجَاجًا».
- قوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
المحور الثالث: النهي عن المُثْلة وصبر البهائم وتعذيب الحيوان
عقد البخاري بابًا فيما يُكره من المُثلة والمصبورة والمُجَثَّمة. والمصبورة هي البهيمة التي تُحبس وتُربط ثم تُرمى حتى تموت. وضرب الشيخ مثلًا بما يفعله بعض الأولاد حين يربطون دجاجة أو قطة أو كلبًا ويرمونها بالحجارة، وبيّن أن هذا محرم لأنه تعدٍّ على البهائم وتعذيب لها.
وذكر قصة أنس رضي الله عنه حين دخل على الحكم بن أيوب فرأى غلمانًا نصبوا دجاجة يرمونها، فأنكر عليهم. وذكر كذلك قصة ابن عمر رضي الله عنهما حين مرّ بفتية نصبوا طيرًا يرمونه، فلما رأوه تفرقوا، فقال: من فعل هذا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا. وهذا يدل على أن هذا الفعل من الكبائر.
وفي حديث عبد الله بن يزيد رضي الله عنه نهيٌ عن النُّهبى، وهي أخذ أموال الناس انتهابًا، وعن المُثلة. والمثلة محرمة سواء كانت بالبهائم أو بالإنسان.
- عن أنس رضي الله عنه: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ البَهَائِمُ».
- عن ابن عمر رضي الله عنهما: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا».
- وعنه رضي الله عنه: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا».
- عن عبد الله بن يزيد رضي الله عنه: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ».
المحور الرابع: تحريم لحوم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع
حرّم النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية، أي الأهلية. وأمر مناديًا ينادي في الناس بذلك، فأُكفئت القدور وهي تفور باللحم. وفي هذا بيان لسرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأورد الشيخ أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يتوقف في تحريمها أخذًا بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...﴾ [الأنعام: 145]. وبيّن أن الصواب أن السنة الصحيحة تخصص عموم القرآن، فالتحريم ثابت بالحديث الصحيح. ثم ذكر باب أكل كل ذي ناب من السباع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
- عن جابر رضي الله عنه: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ».
- عن أنس رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ».
- عن أبي ثعلبة رضي الله عنه: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».
المحور الخامس: الانتفاع بجلود الميتة وفقه البخاري في «باب المسك»
مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال: «هلّا انتفعتم بإهابها؟». فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها». والإهاب هو الجلد قبل أن يُدبغ، فإذا دُبغ صار جلدًا طاهرًا يُنتفع به.
ثم أتبع البخاري ذلك بباب المسك، وطرح الشيخ سؤالًا عن سبب ذكره في كتاب الذبائح والصيد بعد باب جلود الميتة. وأجاب بأن المسك يُستخرج من نوع من الغزال، فلو مات الغزال وأُخذ منه المسك بقي المسك طاهرًا طيبًا. فأراد البخاري بدقة فقهه أن ينبّه على أنه ليس كل ما حرم أكله حرم الانتفاع به. فالمسك أفضل الطيب، ويُتطيّب به للصلاة والمجالس. وقد جاء في الحديث أن دم الشهيد يوم القيامة ريحه ريح المسك.
- عن ابن عباس رضي الله عنهما: «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».
- عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».
النقاط الرئيسية
- الذكاة الشرعية تكون في الحلق واللبة. النحر سنة في الإبل، والذبح سنة في البقر والغنم والطيور، ويجزئ كل منهما عن الآخر.
- لحم الخيل حلال بدليل حديث أسماء وجابر رضي الله عنهما، ولا عبرة بظن الناس أنه حارّ.
- أكل الدجاج مباح، وقد أكله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا وجه لاستقذاره.
- من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفّر عن يمينه.
- صبر البهائم واتخاذها غرضًا والتمثيل بها محرم، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعله.
- لحوم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع محرمة، والسنة الصحيحة تخصص عموم القرآن.
- جلد الميتة يطهر بالدباغ، وليس كل ما حرم أكله حرم الانتفاع به، كما في المسك.
الفوائد والعبر
- الرحمة بالحيوان جزء من الدين، فعلى المسلم أن يُحسن الذبح، وأن يمنع أولاده من تعذيب القطط والطيور واتخاذها هدفًا للعب.
- ينبغي أن تُقدَّم النصوص الشرعية على العادات والظنون في الحِلّ والحرمة، فلا يُحرَّم ما أحله الله لمجرد الاستقذار أو العادة.
- في إكفاء الصحابة القدور وهي تفور باللحم قدوة في المسارعة إلى الامتثال دون تردد.
- من حلف على أمر ثم رأى غيره خيرًا منه فليفعل الخير وليكفّر عن يمينه، ولا يجعل يمينه حاجزًا عن البر.
- في تراجم البخاري فقه دقيق يستحق التأمل، وهي تعلّم طالب العلم كيف يُستنبط الحكم وكيف يُفرّق بين تحريم الأكل وتحريم الانتفاع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات