شرح كتاب " صحيح الإمام البخاري "الشرح الثاني الدرس رقم (35-1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من مجالس الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه الشيخ «كتاب البيوع»، وهو من أهم أبواب الفقه لأن المسلم يحتاجه كل يوم، فلا يكاد يخلو يوم من بيع أو شراء أو كسب أو إنفاق. وقد افتتح الإمام البخاري الكتاب بآيات تدل على أن الأصل في البيع الحِلّ، وأن التجارة عن تراضٍ طريقٌ مشروع لطلب الرزق.
ويمر الشيخ على تراجم البخاري وأحاديثها بابًا بابًا، ويبيّن فقه الإمام في تراجمه. فهو يستدل أحيانًا بالآيات وحدها، وأحيانًا يذكر في الترجمة طرفًا من حديث ليس على شرطه. كما يقف الشيخ عند الأسانيد والرجال، ويعلّق على قضايا معاصرة تتصل بالأموال واستحلالها.
ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد مشروعية التجارة وفضل الكسب الحلال، وأن يفهم قاعدة الحلال البيّن والحرام البيّن وما بينهما من المشتبهات، وأن يتعلم الورع واتقاء الشبهات دون أن يقع في الوسوسة. ويتعرف كذلك على بعض أحكام الصرف والبيع بالأجل ومعاملة غير المسلمين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مشروعية البيع والتجارة وطلب الرزق
صدّر الإمام البخاري كتاب البيوع بقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. ثم ترجم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وبقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. وبيّن الشيخ أن هذه الآيات تدل على فقه المسألة كما فهمه الإمام رحمه الله.
ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سبب كثرة روايته: «إِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا». وفيه قصة بسطه نَمِرته حتى فرغ النبي ﷺ من مقالته، فما نسي منها شيئًا. وعدّ الشيخ ذلك من دلائل النبوة. وشرح أن «الصفق» هو ضرب اليد على اليد عند عقد الصفقة، وأن هذه العادة ما زالت باقية في بعض الأسواق.
وذكر الإمام قصة المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما. عرض سعد على أخيه نصف ماله، فقال عبد الرحمن: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ». فربح من سوق بني قينقاع أقطًا وسمنًا، ثم تزوج، فقال له النبي ﷺ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». وفي القصة عفة النفس وتقديم الكسب باليد على قبول الهبة.
وساق البخاري أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أسواق الجاهلية: عكاظ ومجنّة وذي المجاز. تحرّج المسلمون من التجارة فيها في مواسم الحج، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
المحور الثاني: الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات
ترجم الإمام البخاري بجزء من الحديث، وساقه من طرق متعددة إلى الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ». وأشار الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا أخرجه أيضًا على هذا المعنى.
ثم عقد البخاري «باب تفسير المشبّهات»، وذكر فيه قول حسان بن أبي سنان: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». ونبّه الشيخ إلى أن حديث «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ليس على شرط البخاري، فلم يخرجه مسندًا، لكنه أورده في الترجمة حتى لا تخلو المسألة من فائدة.
وساق في الباب حديث عقبة بن الحارث رضي الله عنه. جاءت امرأة سوداء فزعمت أنها أرضعته وزوجته، فقال النبي ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ». وساق قصة ابن وليدة زمعة، وفيها قول النبي ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، ثم أمره سودة رضي الله عنها: «احْتَجِبِي مِنْهُ» لِما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله، وفي ذلك أخذٌ بالاحتياط. وذكر أيضًا حديث عدي بن حاتم في صيد المعراض: «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ»، وحكم الكلب الذي يخالطه كلب آخر لم يُسمَّ عليه.
المحور الثالث: الورع المشروع والتفريق بينه وبين الوسوسة
ذكر البخاري في «باب ما يُتنزَّه من الشبهات» حديث أنس رضي الله عنه: مرّ النبي ﷺ بتمرة مسقوطة فقال: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لَأَكَلْتُهَا». وفي رواية أبي هريرة: «إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي». وهذا مثال للورع المحمود في اتقاء المشتبه.
ثم أتبعه البخاري بـ«باب مَن لم يرَ الوساوس ونحوها من المشبّهات»، فبيّن بذلك أن الورع لا يعني الوسوسة. وساق فيه حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الرجل يجد الشيء في صلاته، فقال النبي ﷺ: «لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، أي حتى يكون على يقين. وساق حديث عائشة رضي الله عنها في قوم يأتون باللحم لا يُدرى أذُكر اسم الله عليه أم لا، فقال ﷺ: «سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ».
ويظهر من ترتيب هذه الأبواب دقة فقه الإمام البخاري. فقد جمع بين الحث على اتقاء الشبهات والتحذير من التنطع والشك الذي لا أصل له، لأن اليقين لا يزول بالشك، والأصل في معاملات المسلمين السلامة.
المحور الرابع: التجارة لا تُلهي عن ذكر الله، والتحذير من التهاون في الكسب
ساق البخاري حديث جابر رضي الله عنه: أقبلت عِيرٌ من الشام تحمل طعامًا والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. ونبّه الشيخ إلى أن هذا خطأ وقع من بعض الصحابة، لكن القرآن لم يذكرهم بالتجهيل، فقد تابوا وعفا الله عنهم. وبيّن أن سالمًا في الإسناد هو سالم بن أبي الجعد، لأنه يروي عن جابر، أما سالم الذي يروي عن أبيه فهو سالم بن عبد الله بن عمر.
وفي باب التجارة في البَزّ ذكر البخاري قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقول قتادة إن القوم كانوا يتبايعون ويتجرون، فإذا نابهم حقٌّ من حقوق الله لم تُلهِهم تجارتهم حتى يؤدّوه. وعلّق الشيخ بأن الدنيا كانت في أيديهم يُنفقونها في سبيل الله، أما اليوم فقد سكنت قلوب كثير من الناس.
وساق البخاري في «باب من لم يبالِ من حيث كسب المال» حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ». وفي إسناده ابن أبي ذئب، فدافع الشيخ عنه، ونقل عن الحافظ الذهبي أنه ما قال بالقدر يومًا، وإنما كان يحمي بعض من اتُّهم به من بطش الدولة، وكان قوّالًا بالحق مهيبًا. وهذا منهج أهل السنة في الدفاع عن الأئمة ورد التهم عنهم.
المحور الخامس: أحكام في الصرف والسفر للتجارة والإنفاق والبيع بالأجل
في باب التجارة في الصرف ساق البخاري حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم، فقد سألا النبي ﷺ عن الصرف فقال: «إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ». وشرح الشيخ أن الصرف هو تجارة العملات، وأنه لا بد فيه من التقابض في المجلس. فلا يجوز أن يذهب أحد المتصارفين ليأتي بالمال من بيته ثم يعود.
وفي باب الخروج في التجارة ذكر قصة استئذان أبي موسى الأشعري رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه ثلاثًا، ثم شهادة أبي سعيد الخدري له، وقول عمر: «أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ»، يعني الخروج إلى التجارة. ووقف الشيخ في هذا الإسناد عند لفظ «عبيد الله بن عمير» ومراجعة النسخ فيه. وفي باب التجارة في البحر ذكر قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. وبيّن الشيخ أن البحر كان عند العرب مظنّة الخوف، ومع ذلك تجوز التجارة فيه وركوبه لأجلها.
وفي باب قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ ساق البخاري حديث عائشة رضي الله عنها: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». وفي باب من أحب البسط في الرزق ساق حديث أنس رضي الله عنه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وفي باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، أي بالأجل والدَّين، ساق حديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ». واستدل الشيخ به على جواز البيع والشراء مع الكفار. وحذّر من فئة من السفهاء يستحلون أموال الناس ويسرقون بحجة أن أصحابها كفار، بل يستحلون أعراضهم أيضًا. وبيّن أن النبي ﷺ عامل اليهود ولم يأكل أموالهم، وأن المال لا يُؤخذ من الكفار إلا غنيمةً في الحرب أو فيئًا، وأن تلك الأفعال فساد وجناية على الدين.
النقاط الرئيسية
- الأصل في البيع الحِلّ، والتجارة عن تراضٍ طريق مشروع للكسب، وقد عمل بها كبار الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
- حديث «الحلال بيّن والحرام بيّن» أصل عظيم في الورع، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها أوشك أن يقع في الحرام.
- الإمام البخاري فرّق في أبوابه بين الورع المشروع والوسوسة، فاليقين لا يزول بالشك، والأصل في معاملات المسلمين السلامة.
- الصرف لا يجوز إلا يدًا بيد، ولا يصح مع تأخير القبض.
- يجوز البيع بالأجل والرهن، وتجوز معاملة غير المسلمين، ولا يحل استحلال أموالهم بغير حق.
- صلة الرحم سبب لبسط الرزق والبركة في العمر، والإنفاق من الكسب الطيب يُؤجر عليه الكاسب والمنفق والخازن.
- منهج أهل السنة الدفاع عن الأئمة الثقات ورد التهم عنهم، كما فعل الذهبي في الدفاع عن ابن أبي ذئب.
الفوائد والعبر
- أن يتحرى المسلم مصدر رزقه، فلا يكون ممن لا يبالي أمن حلال أخذ المال أم من حرام، وأن يجعل قاعدة «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ميزانًا في معاملاته.
- ألّا تشغله تجارته عن الصلاة وذكر الله، وأن يقدّم حقوق الله إذا نابته على البيع والشراء، اقتداءً بالرجال الذين ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
- عفة النفس والسعي في الكسب باليد أولى من الاعتماد على عطايا الناس، كما فعل عبد الرحمن بن عوف حين قال: «دلوني على السوق».
- أن يحذر من الوسوسة في الطهارة والطعام وغيرهما، وأن يبني أمره على اليقين، وأن يأخذ بالاحتياط حيث تقوى الشبهة.
- أن يصل رحمه طلبًا للبركة في رزقه وعمره، وأن يحذر من الأفكار المنحرفة التي تستحل أموال الناس وأعراضهم بدعوى تكفيرهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات