شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 117) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,363 مشاهدة
416 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع عشر بعد المئة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه شرح أبواب كتاب النكاح التي تنظّم العلاقة بين الزوجين، فيبيّن ما لكل واحد منهما على الآخر من حقوق، ويحذّر من الأخطاء التي تفسد البيوت وتذهب بالمودة والرحمة.

وتناول الدرس جملة من الأبواب، منها: باب كفران العشير، وباب «لزوجك عليك حق»، وباب «المرأة راعية في بيت زوجها»، وباب قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وباب هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن، وباب ما يُكره من ضرب النساء، وباب «لا تطيع المرأة زوجها في معصية». وفي ترتيب هذه الأبواب نرى دقة فقه الإمام البخاري، فقد حذّر المرأة من جحود حق زوجها، ثم أتبع ذلك مباشرة ببيان أن للزوجة حقًا على زوجها كذلك.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المسلم والمسلمة الحقوق الزوجية على وجهها الشرعي المتوازن، وأن يفهما معنى القوامة والتأديب بحكمة ورفق بلا إفراط ولا تفريط، وأن يدركا أن طاعة المخلوق مقيدة بطاعة الخالق سبحانه، وأن صلاح البيت قائم على شكر المعروف وأداء الأمانة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: كفران العشير وخطورته

بيّن الشيخ أن العشير هو الزوج، وهو مأخوذ من المعاشرة. وكفران العشير أن تجحد المرأة حق زوجها وتنكر جميله وإحسانه، أو تقصّر في أداء حقه. وليس المقصود هنا الكفر المخرج من الملة، وإنما هو كفر دون كفر، أي كفران النعمة. ومع ذلك فهو من الكبائر، لأن النبي ﷺ جعله سببًا لكثرة النساء في النار.

واستشهد الشيخ بقصة المعتمد بن عباد ملك الأندلس، وكانت زوجته قد اشتهت أن تمشي في الطين كما تفعل عامة الناس، فصنع لها طينًا من الكافور والمسك والعنبر لتمشي فيه هي وجواريها. ثم غضبت عليه يومًا فقالت: ما رأيت منك خيرًا قط، فقال لها: ولا يوم الطين؟ ونبّه الشيخ إلى أن هذا الخلق قد يقع حتى من المرأة الصالحة ذات الخير، وأن كثيرًا من البيوت اليوم تقوم على المصلحة أكثر مما تقوم على المودة والرحمة.

وأورد البخاري في الباب حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صلاة الكسوف، وفيه أن النبي ﷺ رأى الجنة والنار في مقامه ذلك. وأرشد الحديث إلى الرجوع إلى الله وذكره عند الآيات والمحن والمصائب، فقال ﷺ:

«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ».

«وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ». قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».

وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».

المحور الثاني: حق الزوجة على زوجها والتوازن في الحياة

نبّه الشيخ إلى أن البخاري أتبع باب كفران العشير بباب «لزوجك عليك حق»، ليبيّن أن الحق متبادل بين الزوجين، فكما يُطلب من المرأة أن تؤدي حق زوجها، يجب على الزوج أن يعطيها حقها. وانتقد الشيخ من يطلب زوجة كفاطمة رضي الله عنها وهو ليس كعلي رضي الله عنه، ومن يشترط الكمال في الطرف الآخر ثم يغفل عن نفسه، فالأولى أن يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه.

وحذّر الشيخ من الغلو في العبادة أو الانشغال بأي عمل، ولو كان دعوة، إذا أدى إلى تضييع حقوق الأهل، كمن يغيب عن بيته أشهرًا ويترك أهله بلا نفقة ولا رعاية. فالإسلام دين الوسطية، يجمع بين حق الله وحق النفس وحق الأهل، قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]

وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».

المحور الثالث: المرأة راعية في بيت زوجها، ومعنى القوامة

أكد الشيخ أن المرأة في الإسلام مكرّمة معزّزة، وأنها عماد البيت، فبصلاحها يصلح البيت وبفسادها يفسد. فهي التي تربي الرجال، وتعين زوجها، وتحنو على أولادها، ولذلك كانت مسؤوليتها عظيمة، قال ﷺ:

«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

وبيّن الشيخ أن القوامة في البيت للرجل، وتشمل التوجيه والإرشاد والنفقة والرعاية، قال تعالى:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34]

المحور الرابع: الهجر والإيلاء وتأديب الزوجة بالحكمة

شرح الشيخ أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا، أي حلف ألا يدخل عليهن شهرًا، وجلس في مشربة له، وهي غرفة صغيرة مرتفعة. فلما مضى تسعة وعشرون يومًا دخل عليهن، فقيل له في ذلك، فقال: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ». ومن هذا يُعلم أن العقوبة ليست بالضرب دائمًا، بل قد تكون بالهجر وترك الجلوس معها أو النوم معها. وذكر البخاري عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه مرفوعًا: «غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ»، ثم قال: «والأول أصح»، أي أنه يجوز الهجر في غير البيت كما فعل النبي ﷺ، ويجوز داخل البيت كذلك.

وتكلم الشيخ عن الإيلاء، وهو أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته، فلا يجوز له أن يزيد على أربعة أشهر. فإذا انقضت المدة فإما أن يرجع إلى زوجته، وإما أن يطلق أو يطلّق عليه القاضي إن رفعت المرأة أمرها إليه، وذلك حتى لا تبقى معلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة. قال تعالى:

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]

وفي باب ما يُكره من ضرب النساء بيّن الشيخ أن الضرب المأذون فيه ضرب غير مبرح، وأن الناس يختلفون في طباعهم، فمنهم من تكفيه النظرة أو الكلمة، ومنهم من لا يستقيم إلا بغير ذلك. ولم يكن النبي ﷺ يضرب نساءه، والخير والفضل في ترك الضرب. وأورد البخاري قوله ﷺ:

«لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ».

المحور الخامس: لا طاعة للزوج في معصية الله

قرر الشيخ أن طاعة الزوج واجبة في المعروف، فإذا أمر زوجته بمعصية فلا طاعة له، بل تقول له: لا، أخاف الله. وذكر من المنكرات المنتشرة اليوم النمص ووصل الشعر وتغيير خلق الله بحجة التزين للزوج، فهذه محرمات لا تحلّ بإذن الزوج ولا بطلبه.

وختم الدرس بالشروع في حديث عائشة رضي الله عنها في المرأة الأنصارية التي زوّجت ابنتها فتمعّط شعرها، فأرادوا أن يصلوه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأخبر أن الواصلة ملعونة، وهذا دليل على أن رضا الزوج لا يبيح ما حرّمه الله.

النقاط الرئيسية

  • كفران العشير هو جحود حق الزوج وإنكار إحسانه، وهو كفر نعمة لا يخرج من الملة، لكنه من الكبائر وسبب لكثرة النساء في النار.
  • الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن للزوج حقًا على زوجته، فإن لها حقًا عليه، ولذلك أتبع البخاري باب كفران العشير بباب «لزوجك عليك حق».
  • الإسلام دين الوسطية، فلا يجوز أن تُضيَّع حقوق الأهل بسبب الغلو في عبادة أو الانشغال بعمل، ولو كان دعوة.
  • المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والقوامة للرجل وتعني الرعاية والتوجيه والنفقة.
  • من وسائل التأديب الهجر في البيت أو خارجه، ولا يجوز أن يزيد الإيلاء على أربعة أشهر.
  • ضرب المرأة كضرب العبد مذموم شرعًا، والأكمل ترك الضرب اقتداءً بالنبي ﷺ.
  • لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا تطيع المرأة زوجها في النمص أو الوصل أو غيرهما من المحرمات.

الفوائد والعبر

  • على المرأة أن تشكر زوجها وتعترف بفضله، وألا تجعل موقفًا واحدًا يمحو إحسان سنين طويلة. وعلى الزوج إذا رأى شيئًا من ذلك أن يصبر ويحتسب، ويعلم أن النبي ﷺ قد أخبر به.
  • على المسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل أن يطالب شريك حياته بالكمال، وأن يعطي كل ذي حق حقه.
  • على الزوجين أن يرجعا إلى الله ويذكراه عند المحن والمصائب والخلافات الأسرية، فذلك سبيل الطمأنينة والفرج.
  • ينبغي أن يكون تأديب الأهل بالحكمة والرفق، وأن يُبدأ بالكلمة والهجر، ويُبتعد عن الإهانة والعنف الذي يهدم المودة.
  • على المرأة أن تجعل طاعة الله فوق كل طاعة، وأن تحذر من المنكرات الشائعة في التزين وتقليد أعداء الدين، حرصًا على صلاح البيت وتربية الأجيال.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات