شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 143) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا الدرس، وهو المجلس الثالث والأربعون بعد المئة من مجالس الشرح الثاني لكتاب "الجامع الصحيح" للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ضمن كتاب الرقاق. ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ليلة الأحد بعد صلاة عشاء يوم السبت، الثامن من شهر ربيع الآخر سنة 1440هـ، الموافق للخامس عشر من ديسمبر سنة 2018م. ويتناول الدرس أبوابًا تصل بين تزكية النفس بالتواضع والتقرب إلى الله، والاستعداد للقاء الله وما يكون بعد الموت من أهوال الآخرة.
ويبدأ المجلس بباب التواضع وما فيه من الحلم والرحمة وخفض الجناح، ثم ينتقل إلى أحاديث قرب الساعة وأشراطها، ثم إلى أبواب محبة لقاء الله وسكرات الموت وحال الميت بعد موته، ويختم بأبواب نفخ الصور وقبض الأرض وصفة الحشر. وهذه موضوعات تعين المسلم على تصحيح سيره إلى الله، وتذكّره بقِصَر الدنيا وقرب الآخرة.
ويهدف الدرس إلى أن يدرك المتعلم منزلة التواضع، وفضل الفرائض والنوافل في نيل محبة الله، وأن يعرف عقيدة أهل السنة في أشراط الساعة وأحوال البرزخ والبعث والحشر، مع فوائد حديثية في الأسانيد وتراجم الرواة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: التواضع وطريق محبة الله
بيّن الشيخ أن التواضع يجمع الحلم والرحمة وخفض الجناح والأدب مع الصغير والكبير، وأن المسلم يعامل الناس جميعًا بالرحمة وحسن الخلق. وشرح حديث أنس رضي الله عنه في ناقة النبي ﷺ "العضباء" التي كانت لا تُسبَق، حتى جاء أعرابي على قَعود (وهو الجمل الصغير) فسبقها، فشقّ ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ».
ثم شرح حديث الولي من رواية خالد بن مخلد القطواني، شيخ البخاري، الذي تفرّد بروايته: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
ونبّه الشيخ إلى أن المعاداة المقصودة هي معاداة الولي لأجل دينه، أما ما وقع بين الصحابة كعلي ومعاوية رضي الله عنهما فكان خلافًا لا عداوة في الدين. وقرّر أن الفرائض أحب ما يُتقرب به إلى الله، فلا يجوز تضييعها لأجل النافلة، وأن الإكثار من النوافل سبب لمحبة الله. ومعنى "كنت سمعه وبصره" أن جوارح العبد تعمل بإذن الله وفي مرضاته وفيما شرعه، وكلما ازداد العبد طاعة وقربًا ازداد من الله كفاية وحفظًا ورعاية ورحمة.
المحور الثاني: قرب الساعة وطلوع الشمس من مغربها
شرح الشيخ باب قول النبي ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ»، وأشار ﷺ بأصبعيه، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: 77]. وفي ذلك دلالة على قرب قيام الساعة، فالنبي ﷺ خاتم الأنبياء، وأمته آخر الأمم. وذكر أن الحديث رُوي عن سهل بن سعد وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم.
ثم شرح باب طلوع الشمس من مغربها: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». وبيّن أن في الأمر فسحة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت أُغلق باب التوبة، ولم ينفع إلا إيمان من آمن قبل ذلك.
وأوضح أن الساعة تقوم بغتة والناس في شؤونهم: الرجلان قد نشرا ثوبهما للبيع فلا يتبايعانه ولا يطويانه، والرجل قد انصرف بلبن لقحته فلا يطعمه، والآخر يُليط حوضه فلا يسقي فيه، والآخر قد رفع أُكلته إلى فيه فلا يطعمها.
المحور الثالث: محبة لقاء الله وسكرات الموت
شرح حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». ولما قالت عائشة رضي الله عنها: إنا لنكره الموت، بيّن النبي ﷺ أن المؤمن إذا حضره الموت بُشّر برضوان الله وكرامته فأحب لقاء الله، وأن الكافر إذا حضره الموت بُشّر بعذاب الله وعقوبته فكره لقاء الله.
وفي فائدة حديثية، ذكر الشيخ أن إسناد حديث أبي موسى رضي الله عنه كله كوفيون، ونصح طالب العلم أن يحفظ لكل بلد إسنادًا من رواته، كالإسناد المصري: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر.
ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر"، فلما نزل به الموت شخص بصره إلى السقف وقال: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»، فكانت آخر كلمة تكلم بها ﷺ. وفي باب سكرات الموت، كان ﷺ يُدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ». وذكر الشيخ أن قوله ﷺ للأعراب "حتى تقوم عليكم ساعتكم" المقصود به موت ذلك القرن، وهو من دلائل النبوة، وأن آخر الصحابة موتًا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه.
المحور الرابع: حال الميت بعد موته
شرح حديث أبي قتادة رضي الله عنه حين مُرّ على النبي ﷺ بجنازة فقال: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ». فالمؤمن يستريح من بلايا الدنيا وفتنها، والفاجر يستريح الخلق من شره.
ثم ذكر حديث أنس رضي الله عنه: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ». فالأهل يرجعون إلى حياتهم، والمال يُقسَّم، ولا يدخل القبر مع العبد إلا عمله.
وشرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما في عرض المقعد على الميت غدوة وعشية، من الجنة أو النار، حتى يُبعث. وحديث عائشة رضي الله عنها: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»، فإن كان الميت صالحًا فالسب لا يضره، وإن كان سيئًا فالسب لا ينفع.
المحور الخامس: نفخ الصور وقبض الأرض والحشر
نقل الشيخ قول مجاهد إن الصور كهيئة البوق، وقول ابن عباس رضي الله عنهما إن "الراجفة" النفخة الأولى و"الرادفة" النفخة الثانية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: 68]. ثم شرح قصة المسلم واليهودي اللذين تخاصما في تفضيل محمد وموسى عليهما السلام، وقول النبي ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى». وبيّن أن ذلك من تواضعه ﷺ وأدبه، وأنه لا ينبغي ضرب الأنبياء بعضهم ببعض، مع اعتقادنا أن نبينا ﷺ سيد الخلق أجمعين.
وفي باب قبض الأرض شرح حديث: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟»، فلا يجيب أحد، فيقول سبحانه: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. وذكر حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن الأرض تكون يوم القيامة خبزة واحدة نُزُلًا لأهل الجنة، وإدامهم "بالام ونون"، وهو الثور والحوت، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا.
وفي صفة الحشر ذكر حديث: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ»، وأن الناس يُحشرون على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير وثلاثة وأربعة وعشرة على بعير، وتحشر النار بقيتهم. وذكر أن الكافر يُحشر على وجهه، فالذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا». ونبّه إلى أن ابن عباس رضي الله عنهما سمع هذا الحديث من النبي ﷺ مباشرة، وأن مراسيل الصحابة حجة.
النقاط الرئيسية
- ما ارتفع من أمور الدنيا يضعه الله، والتواضع ولين الجانب من أخلاق المؤمنين.
- الفرائض أحب ما يُتقرب به إلى الله، والإكثار من النوافل سبب لنيل محبته وحفظه وتأييده.
- قيام الساعة قريب، وطلوع الشمس من مغربها علامة يُغلق بعدها باب التوبة.
- من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، والمؤمن يُبشَّر عند الموت برضوان الله وكرامته.
- للموت سكرات حتى على النبي ﷺ، وكانت آخر كلمة قالها: "اللهم الرفيق الأعلى".
- لا يبقى مع الميت في قبره إلا عمله، ويُعرض عليه مقعده غدوة وعشية، ولا يجوز سب الأموات.
- من عقيدة أهل السنة الإيمان بنفخ الصور، وقبض الأرض وطيّ السماء، وحشر الناس حفاة عراة غرلًا.
الفوائد والعبر
- المحافظة على الفرائض أولًا، ثم المداومة على النوافل كالسنن الرواتب وقيام الليل والصيام، طلبًا لمحبة الله وحفظه.
- ترك التعالي والتفاخر بشيء من متاع الدنيا، لأن ما رُفع منها لا بد أن يوضع.
- المبادرة إلى التوبة والعمل الصالح قبل أن يُغلق بابها، فالساعة تأتي بغتة والناس في شؤونهم.
- الإكثار من العمل الصالح لأنه الرفيق الوحيد في القبر، وحفظ اللسان عن سب الأموات والوقيعة فيهم.
- لطالب العلم: العناية بالأسانيد وتراجم الرواة، وحفظ إسناد لكل بلد من البلدان كما نصح الشيخ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات