شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 114) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع عشر بعد المئة من مجالس شرح «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، في الشرح الثاني، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. عُقد المجلس ليلة الثالث من شهر رجب سنة تسع وثلاثين وأربعمئة وألف للهجرة، الموافق للعشرين من شهر مارس سنة ثمانية عشر وألفين للميلاد. ويتناول جملة من أبواب كتاب النكاح تتعلق بالولاية في الزواج وأحكامها.
ويشرح الشيخ في هذا الدرس الأبواب الآتية: إنكاح الرجل ولده الصغار، وتزويج الأب ابنته من الإمام، وكون السلطان وليًّا، واشتراط رضا البكر والثيب، ورد نكاح المُكرَهة، وتزويج اليتيمة، وصحة العقد بقول الخاطب: «زوِّجني» وقول الولي: «زوَّجتُك». ويربط الشيخ هذه الأحكام بواقع المسلمين اليوم، كتأخير الزواج والمغالاة في المهور وعضل الأولياء.
ويهدف الدرس إلى تعريف المشاهد بأحكام الولاية في عقد النكاح، وحقوق المرأة في الرضا والاختيار، وواجبات الولي في تزويج من تحت ولايته. كما يدعو إلى تيسير الزواج وحفظ الأعراض وَفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: إنكاح الرجل ولده الصغار وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها
استدل الإمام البخاري على جواز إنكاح الرجل أولاده الصغار بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]. ووجه الدلالة أن الله جعل عدة التي لم تحض ثلاثة أشهر، وهذا يدل على صحة نكاحها قبل البلوغ. وبيَّن الشيخ أن تزويج الأب أولاده والإنفاق عليهم من حفظ الأعراض الذي حثَّ عليه الإسلام، وانتقد تحديد سنٍّ للزواج وتأخيره بما يفسد البيوت.
وأورد البخاري حديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا». وأكد الشيخ صحة هذا الحديث، وردَّ على من يطعن فيه من العلمانيين. وذكر أن عائشة رضي الله عنها كانت أعلم امرأة مشت على وجه الأرض، فقد كانت عالمة بالفقه والحديث والتفسير والشعر والطب.
ونبَّه الشيخ إلى أن هذا ليس فرضًا على الناس، وأن الأمر يختلف باختلاف البلدان وطبائع البنات ونضجهن. والمعتبر هو أهلية البنت لفتح بيت وتحمل مسؤوليته. ودعا إلى أن يُعامَل الشاب إذا بلغ الحُلُم معاملة الرجل المسؤول المكلَّف المحاسَب على أعماله، بدل أن يُعامَل كأنه ما يزال طفلًا.
المحور الثاني: تزويج الأب ابنته من الإمام، والسلطان ولي من لا ولي له
لا حرج على الرجل أن يزوج ابنته من إمام المسلمين إن كان إمام دين وحق. واستشهد البخاري بقول عمر رضي الله عنه: خطب النبي صلى الله عليه وسلم إليَّ حفصة فأنكحته. وذكر الشيخ قصة عرض عمر ابنته حفصة على عثمان ثم على أبي بكر رضي الله عنهم بعد أن تأيمت، وكيف سكت أبو بكر لعلمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فزوَّجه إياها عمر.
وبيَّن الشيخ أن الأب إذا أتاه الكفء في دينه ونسبه فواجبه أن يستره ويزوِّجه. فإن عضلها بغير سبب شرعي انتقلت الولاية إلى من بعده من الأولياء. فإن اتفقوا جميعًا على العضل انتقلت الولاية إلى السلطان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
وفرَّق الشيخ بين الخاطب الذي لا يملك مالًا لكنه يعمل ويكدُّ لينفق، والخاطب الذي لا مال له ولا عمل ولا يستطيع القيام بشأن زوجته. فالأول كفء يُقبل، وأما الثاني فتزويجه تضييع للبنت. كما شدد على أن الكفاءة في الدين أصلٌ، فلا يُزوَّج من يقطع الصلاة.
المحور الثالث: حديث الواهبة نفسها وجواز جعل تعليم القرآن مهرًا
روى البخاري حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن له فيها حاجة. فقال رجل: زوِّجنيها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟»، فلم يكن عنده إلا إزاره. فقال له: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فلم يجد شيئًا. فقال: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا. فقال: «زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
وشرح الشيخ معنى الإزار، وهو ما يستر العورة من أسفل، والرداء وهو ما يكون على الكتفين. وبيَّن أن هذا الرجل لم يكن يملك إلا إزاره، ومع ذلك زوَّجه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مهرها أن يعلِّمها ما معه من القرآن. وذكر قصة أم سليم رضي الله عنها التي كان مهرها إسلام أبي طلحة رضي الله عنه.
المحور الرابع: اشتراط رضا المرأة واشتراط الولي في النكاح
بوَّب البخاري: «لا يُنكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها»، وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ». وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «رِضَاهَا صَمْتُهَا».
وبيَّن الشيخ الفرق بين الثيب والبكر: فالثيب جريئة تُفصح بقبولها أو رفضها بالكلام، والبكر يغلب عليها الحياء فيُكتفى بسكوتها. ونبَّه إلى أن معنى «الأيم أحق بنفسها» ليس أنها تزوِّج نفسها بغير ولي كما يتوهم بعض الجهال. واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ». ثم ذكر ترتيب الأولياء: الأب، ثم الجد، ثم الابن البالغ، ثم الأخ، ثم العم، وأشار إلى الخلاف في ولاية الخال وأنه متأخر جدًّا.
وفي باب «إذا زوَّج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود» أورد البخاري حديث خنساء بنت خذام الأنصارية رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهَا». وقرر الشيخ أن إكراه البنت على الزواج من ابن عمها أو ابن خالها أو غيرهما وهي رافضة أمرٌ محرَّم، وأن المشروع هو الحوار والإقناع وبيان صلاح الخاطب بالرفق، فإن أصرَّت على الرفض فلا تُجبر.
المحور الخامس: تزويج اليتيمة وصيغة عقد النكاح
شرح الشيخ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، بتفسير عائشة رضي الله عنها لعروة بن الزبير. فقد بيَّنت أن اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينتقص من صداقها، فنُهوا عن نكاحهن إلا أن يُقسطوا لهن ويُكملوا لهن الصداق، وإلا فليتزوجوا غيرهن. ثم أنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ... وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127].
وفي باب «إذا قال الخاطب للولي: زوِّجني فلانة، فقال: قد زوَّجتك بكذا وكذا، جاز النكاح وإن لم يقل للزوج: أرضيت أو قبلت»، بيَّن الشيخ أن عقد النكاح سهل يسير. فيكفي فيه إيجاب الولي وقبول الخاطب بحضور الشهود، وقول «قبلت» ليس شرطًا وإنما هو زيادة خير. وانتقد الشيخ تكلُّف بعض المأذونين وتعقيد العقود والمغالاة في المهور المقدَّمة والمؤخَّرة، مع إقراره بأن توثيق العقد في المحكمة حفظٌ للحقوق.
النقاط الرئيسية
- يجوز للأب إنكاح أولاده الصغار، واستدل البخاري على ذلك بآية عدة اللائي لم يحضن وبحديث زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها.
- حديث زواج عائشة رضي الله عنها صحيح ثابت، والمعتبر في الزواج أهلية البنت ونضجها، والتبكير به ليس فرضًا.
- على الولي أن يزوِّج الكفء في دينه ونسبه، فإن عضل بغير سبب شرعي انتقلت الولاية إلى من بعده ثم إلى السلطان.
- السلطان ولي من لا ولي له، ويجوز أن يكون المهر تعليم القرآن.
- لا تُنكح البكر حتى تُستأذن وإذنها صمتها، ولا تُنكح الثيب حتى تُستأمر.
- لا نكاح إلا بولي، ونكاح المرأة بغير إذن وليها باطل، ونكاح المُكرَهة مردود.
- يصح العقد بقول الخاطب: «زوِّجني» وقول الولي: «زوَّجتك» بحضور الشهود، ولا يُشترط لفظ «قبلت».
الفوائد والعبر
- تيسير الزواج وترك المغالاة في المهور وتعقيد الإجراءات من أعظم أسباب حفظ الأعراض وصلاح المجتمع.
- ينبغي تربية الأبناء على تحمل المسؤولية منذ البلوغ، ومعاملتهم معاملة الرجال المكلَّفين لا الأطفال.
- على الآباء أن يتقوا الله في بناتهم، فلا يعضلوهن عن الأكفاء، ولا يُكرهوهن على من لا يرضَينه، وأن يسلكوا معهن طريق الحوار والإقناع بالرفق.
- على المرأة أن تحترم مكانة وليها، فلا تتزوج بغير إذنه، لأن ذلك يخالف الشرع ويُبطل النكاح.
- الكفاءة الحقيقية في الخاطب هي الدين والخلق والقدرة على العمل والإنفاق، لا مجرد كثرة المال.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات