شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 74) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,393 مشاهدة
151 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا الدرس هو الرابع والسبعون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول أحاديث من باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. والهجرة حدث فاصل في تاريخ الإسلام، بدأت بعده الدولة المسلمة، وظهرت فيه صور عظيمة من الإيمان والتضحية والإخلاص.

يشرح الشيخ في هذا المجلس حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأبو بكر رضي الله عنه رديفه، وما وقع لسراقة بن مالك، وفرح الأنصار باستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، ونزوله في دار أبي أيوب الأنصاري، وقصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه وبهتان اليهود له. ثم يشرح أحاديث أخرى، منها حديث خبّاب في إخلاص المهاجرين، وحديث فرض عمر للمهاجرين الأولين، وحديث البراء بن عازب عن أبي بكر في طريق الهجرة.

ومن أهداف الدرس أن يعرف المتعلم أحداث الهجرة كما وردت في أصح الكتب بعد كتاب الله، وأن يأخذ منها الدروس العقدية والمنهجية. ومن هذه الدروس خطر اتباع الهوى، والتحذير من تبديع المخالف في مسائل الاجتهاد، ومعرفة منهج أهل السنة ومباينته لمنهج الخوارج، وفضل الإخلاص في العمل، إلى جانب فوائد في صناعة الإسناد عند الإمام البخاري.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقصة سراقة بن مالك

ساق الإمام البخاري حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأبو بكر رضي الله عنه رديفه. وكان أبو بكر شيخًا معروفًا عند الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم شابٌّ لا يُعرف. فكان الرجل يلقى أبا بكر فيسأله عن الذي بين يديه، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. فيظن السائل أنه يقصد هداية الطريق، وإنما يقصد أبو بكر سبيل الخير والجنة. وفي هذا مثال على المعاريض التي تحفظ النفس من غير كذب.

ثم التفت أبو بكر فإذا فارس قد لحق بهما، وهو سراقة بن مالك. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه فصرعه فرسه، ثم قامت الفرس تُحَمْحِم. فطلب سراقة الأمان، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف مكانه ويرد عنهما من يطلبهما. فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مَسْلَحةً له، أي حارسًا يدفع عنه.

وقد جاء في الحديث:

«يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ، لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا»

ثم ذكر الحديث فرح الأنصار بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم واستقبالهم له قائلين: اركبا آمنين مطاعين، ثم نزوله في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه من بني النجار، إذ قال: «هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي».

المحور الثاني: إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه وبهتان اليهود

جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان من أحبار اليهود وعلمائهم، إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجتني من الثمر، فعرف فيه صفة النبي المذكورة عندهم. وبيّن الشيخ أن التوراة والإنجيل وقع فيهما التحريف، لكن بقيت فيهما بقية من الحق، ومنها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فقامت بها الحجة على أهل الكتاب.

«فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ»

وكان عبد الله بن سلام يعرف قومه، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عنه قبل أن يعلموا بإسلامه. فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. فلما خرج إليهم وشهد بالحق قالوا: شرّنا وابن شرّنا، ووقعوا فيه. وهذا هو البهتان واتباع الهوى، إذ تغيّر حكمهم على الرجل نفسه لمّا خالف ما هم عليه.

ونبّه الشيخ على أن عداوة أهل الكتاب للإسلام أمر ثابت لا يزول إلا باتباع ملتهم، كما قال تعالى:

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]

المحور الثالث: التحذير من اتباع الهوى ومن التبديع بغير حق

استنبط الشيخ من موقف اليهود من عبد الله بن سلام أن في المسلمين من يشبههم. فمن الناس من يرفع الرجل إلى أعلى المنازل ما دام موافقًا له، فإذا خالفه في مسألة واحدة جعله أجهل الناس وشرّهم. وهذا من التشبه باليهود في اتباع الهوى، ومن الظلم في الحكم على الناس.

وبيّن الشيخ أن المبتدع هو من خالف أصلًا من أصول أهل السنة ودعا إلى مخالفته، كالدعوة إلى الحزبية ومناهج أهل البدع. أما من أخطأ في مسألة اجتهادية مع سلامة أصله، فلا يجوز تبديعه. وجعل الشيخ التبديع بالظنون والأخطاء الفرعية من سمات منهج الخوارج، وأحال على كلام أهل العلم في مباحث الإمامة وأحوال الخوارج.

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]

المحور الرابع: فضل المهاجرين الأولين والإخلاص في الهجرة

أورد البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لكل واحد من المهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف وخمسمائة. فلما قيل له إنه من المهاجرين، قال: إنما هاجر به أبواه. وفي هذا دليل على عدل عمر رضي الله عنه وورعه في أموال المسلمين، وعلى تقديمه أهل السابقة.

وأورد حديث خبّاب بن الأرت رضي الله عنه في إخلاص المهاجرين، وأن منهم من مات ولم يأخذ من أجره في الدنيا شيئًا، ومنهم من أينعت له ثمرته فهو يجنيها:

«هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ»

وذكر الشيخ حديث أبي بردة مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفيه أن عمر رضي الله عنه تمنى أن يسلم له عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينجو مما عمل بعده كفافًا لا له ولا عليه. وهذا من شدة خوف الصحابة من الله وقلة اغترارهم بأعمالهم. وبيّن الشيخ أن هذا الخوف خوف الكمّل من التقصير، وليس شكًّا في الدين كما يزعم الطاعنون.

المحور الخامس: حديث البراء بن عازب عن أبي بكر في طريق الهجرة، وفوائد إسنادية

روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن أبا بكر حدّث أباه عازبًا عن مسيرهما في الهجرة. فقد سارا ليلتهما ويومهما حتى قام قائم الظهيرة، فرُفعت لهما صخرة لها ظل، ففرش أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ليرتاح. ثم لقي راعيًا فحلب له لبنًا، وصبّ عليه الماء حتى برد، ثم سقى النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي هذه القصة صورة من حب الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على راحته وخدمته. ووقف الشيخ عند حال الناس في ذلك الزمان وقلة ما بأيديهم، وقابله بما أنعم الله به على الناس اليوم من وسائل الراحة التي تستوجب الشكر.

وتعرّض الشيخ لمسائل من صناعة الإسناد عند البخاري. منها روايته الحديث الواحد من طريقين، كرواية حديث خبّاب عن محمد بن كثير عن سفيان، وعن مسدد عن يحيى عن الأعمش، وما في ذلك من فوائد كالتصريح بالسماع وتقوية الطرق. وفي ذلك بيان لدقة الإمام البخاري ومنزلته في هذا العلم.

النقاط الرئيسية

  • استعمل أبو بكر رضي الله عنه المعاريض في قوله: «هذا الرجل يهديني السبيل»، فحفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكذب.
  • جاء سراقة بن مالك أول النهار طالبًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وصار آخر النهار حارسًا له، وفي ذلك آية من آيات النبوة.
  • عرف عبد الله بن سلام رضي الله عنه صفة النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم، فأسلم، فبهته اليهود بعد أن كانوا يمدحونه.
  • من يمدح الرجل حين يوافقه ويذمه حين يخالفه يتبع هواه، وفي ذلك تشبه باليهود.
  • التبديع يكون لمن خالف أصول أهل السنة، لا لمن أخطأ في مسألة اجتهادية، والتبديع بالظنون من منهج الخوارج.
  • عدل عمر رضي الله عنه في العطاء، وقدّم المهاجرين الأولين على ابنه.
  • هاجر الصحابة يبتغون وجه الله، وكانوا يخافون على أعمالهم مع عظيم ما قدّموا.

الفوائد والعبر

  • أن يزن المسلم الرجال بميزان الشرع لا بميزان الهوى، وأن يعدل مع من خالفه كما يعدل مع من وافقه.
  • أن يتثبت قبل أن يحكم على أحد بالبدعة، وأن يحذر منهج الغلو في التبديع والتفسيق.
  • أن يخلص نيته لله في كل عمل، وألا يغتر بعمله، وأن يجمع بين الخوف والرجاء كما كان الصحابة.
  • أن يقتدي بأبي بكر رضي الله عنه في محبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه والتضحية في سبيله.
  • أن يشكر نعم الله التي يعيش فيها اليوم، ويتذكر ما صبر عليه السلف من الشدة في سبيل هذا الدين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات