شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 109) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,278 مشاهدة
367 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس التاسع بعد المائة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يقع الدرس في كتاب التفسير، ويتناول ما أورده الإمام البخاري في تفسير سور الليل والضحى والشرح والتين، ثم يبدأ بسورة العلق بحديث بدء الوحي.

يشرح الشيخ تفسير الصحابة والتابعين لألفاظ هذه السور، ويقف عند أحاديث القدر والعمل، وأسباب نزول سورة الضحى، وبداية نزول الوحي على النبي ﷺ. ويبيّن طريقة الإمام البخاري في تراجم الأبواب وسياق الأسانيد، ويدافع عن صحيح البخاري ويردّ على من يطعن فيه، ثم يذكر مكانة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وثناء العلماء عليه.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم معاني هذه السور كما فهمها السلف، وأن يعرف الصلة بين الإيمان بالقدر والاجتهاد في العمل، وأن يعرف قدر الصحيحين ومنزلة أئمة السنة، وأن يتدرّب على طريقة البخاري في الاستنباط والفقه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تفسير سورة الليل وحديث القدر والعمل

نقل الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى ﴿بِالْحُسْنَىٰ﴾ هو «بالخَلَف»، أي يصدّق بأن الله يُخلف على المنفق ما أنفق. ونقل عن مجاهد أن معنى ﴿تَرَدَّىٰ﴾ «مات»، وأن معنى ﴿تَلَظَّىٰ﴾ «توهَّج». وتفسير السلف بهذه الألفاظ القصيرة يدلّ على دقة فهمهم للقرآن.

ثم أورد البخاري حديث علقمة، وفيه أنه دخل الشام مع نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسمع منهم أبو الدرداء رضي الله عنه، فقرأ علقمة عليه: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى». فقال أبو الدرداء إنه سمعها هكذا من في النبي ﷺ. وهي قراءة نُقلت عن ابن مسعود وأبي الدرداء، والقراءة المتواترة التي في المصحف هي: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾.

ثم ساق البخاري حديث علي رضي الله عنه من طرق متعددة كلها ترجع إلى الأعمش، وفيه أن النبي ﷺ كان في جنازة في بقيع الغرقد، فجلس ومعه مِخْصَرة ينكت بها في الأرض، وذكر أن مقعد كل إنسان من الجنة أو من النار مكتوب. فقال الصحابة: أفلا نتكل على كتابنا؟ فأمرهم بالعمل، وأخبرهم أن كل إنسان ميسّر لما خُلق له. وفي هذا ردّ على من يحتج بالقدر ليترك العمل.

قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾.

المحور الثاني: الدفاع عن صحيح البخاري ومكانة أئمة السنة

ذكر الشيخ أن البخاري ساق الحديث الواحد بأسانيد كثيرة، وأن هذا يدل على سعة حفظه وإتقانه، فقد روى عن نحو ألف شيخ. وبيّن أن صحيح البخاري كتاب صحيح كله، وأن ذلك ليس لأن البخاري معصوم، بل لأن الأمة أجمعت على صحته وتلقّته بالقبول منذ أكثر من ألف ومائتي سنة، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة.

وحذّر الشيخ من الذين يطعنون في هذا الكتاب في زماننا، وبيّن أن الطعن في الصحيح طعن في السنة النبوية، والطعن في السنة طعن في الدين. فالعصمة ثابتة لاثنين: للنبي ﷺ بشخصه، ولمجموع الأمة إذا أجمعت.

ثم ذكر الشيخ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله، المولود سنة 661هـ والمتوفى سنة 728هـ في سجنه. ونقل ثناء الأئمة عليه، ومنه قول ابن دقيق العيد: «ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك». ونقل كذلك شهادة الإمام الذهبي له بالإمامة مع أنه خالفه في بعض المسائل. وذكر أنه أمضى سنوات في دراسة كتب المنطق والكلام حتى بيّن خطأها. ومن علامات القبول أن خصومه نُسيت أسماؤهم وبقي ذكره وعلمه.

المحور الثالث: تفسير سورة الضحى وسبب نزولها

أورد البخاري حديث جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه في سبب نزول السورة. فقد اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، وأبطأ عنه جبريل عليه السلام، فشمتت به امرأة من المشركين. وذكر الشيخ أنها قيل إنها أم جميل، امرأة أبي لهب، وهي حمّالة الحطب التي ذكرها القرآن، فأنزل الله السورة تسلية لنبيه ﷺ وتكريمًا له.

قال جندب رضي الله عنه: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَىٰ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ۝ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.

وذكر البخاري أن ﴿وَدَّعَكَ﴾ تُقرأ بالتشديد وبالتخفيف، والمعنى في القراءتين واحد: ما تركك. ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الآية: ما تركك وما أبغضك. وتوقف الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾، وبيّن أن العائل هو الفقير صاحب العيال، وأن الله هو الذي يغني من يشاء من فضله.

المحور الرابع: تفسير سورتي الشرح والتين

في سورة الشرح نقل البخاري تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿وِزْرَكَ﴾ أنه ما كان في الجاهلية، ولقوله: ﴿أَنقَضَ﴾ أنه أثقل. ونقل عن ابن عيينة في قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أن العسر واحد واليسر اثنان، فلن يغلب عسرٌ يسرين. وفسّر مجاهد قوله تعالى: ﴿فَانصَبْ﴾ بأن ينصب العبد في حاجته إلى ربه. ونُقل عن ابن عباس أن معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شرح الله صدره للإسلام.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۝ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾. ونبّه الشيخ إلى أن من نزل به همّ أو ضيق فعليه بالإكثار من الاستغفار والطاعات، فبها يجعل الله له فرجًا.

وفي سورة التين نقل البخاري عن عكرمة أن التين والزيتون هما اللذان يأكلهما الناس، وأن ﴿تَقْوِيمٍ﴾ معناه الخَلْق. ثم أورد حديث البراء رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وبيّن الشيخ أن البخاري يقول أحيانًا «قال لنا» في الأحاديث التي أخذها عن شيوخه في مجالس المذاكرة، ويقول «حدثنا» فيما سمعه في مجلس التحديث، وهذا من دقته وورعه.

المحور الخامس: سورة العلق وبدء الوحي وختم النبوة

افتتح البخاري تفسير سورة العلق بحديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي. قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ.

وبيّن الشيخ أن الرؤيا الصادقة كانت تمهيدًا للوحي، وأن من توفيق الله لنبيه ﷺ أنه لم يشارك قومه في ما كانوا عليه من الباطل والفجور، بل كان يخلو بربه ويتعبّده، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود مثلها.

وأكد الشيخ أن النبوة خُتمت بمحمد ﷺ فلا نبي بعده، ورد على أحد الدجالين الذي سمّى نفسه «لا نبي» ليحتال بذلك على قوله ﷺ: «لا نبي بعدي». وشبّه ذلك بتحريف الرافضة لقوله ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، وبيّن أن هذا كله تلاعب بالألفاظ لا يغيّر الحق.

النقاط الرئيسية

  • تفسير الصحابة والتابعين لألفاظ القرآن، كتفسير «الحسنى» بالخَلَف و«تردّى» بمات، هو الأصل في فهم كتاب الله.
  • الإيمان بالقدر لا يتعارض مع العمل، فقد قال النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».
  • صحيح البخاري صحيح كله لأن الأمة أجمعت على قبوله، والطعن فيه طعن في السنة.
  • نزلت سورة الضحى تسلية للنبي ﷺ بعد أن تأخر عنه الوحي وشمت به المشركون.
  • العسر الواحد يأتي بعده يسران، ولن يغلب عسرٌ يسرين.
  • كان أول الوحي الرؤيا الصادقة، ثم حُبّب إلى النبي ﷺ الخلوة والتعبد في غار حراء.
  • النبوة ختمت بمحمد ﷺ، وكل من ادعاها بعده دجال مهما احتال بالألفاظ.

الفوائد والعبر

  • على المسلم أن يجتهد في العطاء والتقوى والتصديق، ولا يحتج بالقدر ليترك العمل الصالح.
  • على المسلم أن يتمسك بالصحيحين وكتب السنة، وأن يحذر من الطاعنين فيها.
  • من نزل به همّ أو ضيق فليُكثر من الاستغفار والطاعات، وليثق بأن الفرج قريب.
  • على المسلم أن يجعل له وقتًا يخلو فيه بربه للعبادة والذكر، ويبتعد عن مجالس الباطل والغفلة.
  • على المسلم أن يعرف قدر العلماء الربانيين ويحفظ لهم مكانتهم، فمن نصر السنة أبقى الله ذكره.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات