شرح كتاب "السنن الأبين والمورد الأمعن"لابن رُشيد(4) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
يتابع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس شرح كتاب «السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن» للإمام ابن رُشَيد الفهري رحمه الله. وموضوع الكتاب مسألة دقيقة من مسائل علم الحديث، وهي الحكم على الإسناد المعنعن. فقد اشترط بعض الأئمة ثبوت اللقاء أو السماع بين الراوي ومن روى عنه، واكتفى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. والإسناد المعنعن هو الذي يُروى بلفظ «عن» دون التصريح بالسماع.
ويقف الشيخ في هذا الدرس عند الأمثلة التي استدل بها الإمام مسلم على مخالفه. فقد ذكر أحاديث رُويت مرة بإسناد عالٍ معنعن، ومرة بإسناد نازل زِيد فيه راوٍ أو راويان مع التصريح بالسماع. ثم يعرض تعقبات ابن رشيد على هذه الأمثلة، ويبيّن هل تصلح دليلًا لمسلم أو حجة عليه.
ومن أهداف الدرس: التدرب على طريقة المحدثين في الموازنة بين الروايات المختلفة، وفهم قاعدة «المزيد في متصل الأسانيد»، ومعرفة كيف يُرجَّح بين الرواة بحسب كثرة العدد أو قوة الحفظ أو طول ملازمة الشيخ. كما يتناول الدرس دراسة حال بعض الرواة المختلف فيهم جرحًا وتعديلًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة وتذكير بالمثال السابق
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه، وفيها الآيات الآمرة بالتقوى والقول السديد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. وفي الخطبة أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
ثم ذكّر الشيخ بالمثال الذي سبق شرحه، وهو رواية هشام بن عروة. فقد جاءت مرة عن أبيه عروة، ومرة عن أخيه عثمان. والغالب أن هشامًا سمعها من أخيه ولعله لم يسمعها من أبيه، فيكون المثال حالة خاصة لا قاعدة عامة. ويحتمل أيضًا أنه سمعها من الاثنين، ونزل في الإسناد طلبًا للمعالي لا للعوالي. وذكر الشيخ كذلك الاختلاف على ابن شهاب الزهري بين الليث ومالك، وأن رواية الليث أرجح، وهي التي صححها البخاري والترمذي.
المحور الثاني: حديث تقبيل الصائم واختلاف الرواة على أبي سلمة
استدل الإمام مسلم بحديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ». رواه الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة. وخالفهما يحيى بن أبي كثير، فرواه عن أبي سلمة عن عمر بن عبد العزيز عن عروة بن الزبير عن عائشة، وصرّح بالإخبار في كل طبقات الإسناد. فزاد يحيى في الإسناد رجلين.
ويقول مسلم لمخالفه: إنك اعتمدت رواية يحيى لأنه زاد في الإسناد، والحكم عندك لمن زاد، فيلزمك أن تحكم على رواية أبي سلمة عن عائشة بالإرسال. وقد ذكر العلائي في «جامع التحصيل» أن ظاهر كلام مسلم ترجيح الحكم بالإرسال على الرواية الناقصة.
وردّ ابن رشيد على ذلك بأمور:
- سماع أبي سلمة من عائشة معروف ثابت، فقد سمع منها كثيرًا.
- الزهري ويحيى إمامان كبيران، فلا يصح توهيم الزهري لمجرد مخالفة يحيى له.
- تابع صالحُ بن أبي حسان الزهريَّ، فقوي جانبه بكثرة العدد.
ونقل ابن حبان في صحيحه أن أبا سلمة سمع الخبر من عمر بن عبد العزيز، وسمعه من عائشة نفسها. واستدل على ذلك برواية معمر عن الزهري عن أبي سلمة قال: «قلت لعائشة...». وقال العلامة المعلمي: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه نازلًا توقيرًا لعمر بن عبد العزيز وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس.
المحور الثالث: حال صالح بن أبي حسان
عرض الشيخ أقوال العلماء في صالح بن أبي حسان المدني:
- قال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، ونقله عنه ابن الجوزي.
- قال النسائي: مجهول.
- ونقل الترمذي في كتاب اللباس من جامعه عن البخاري أنه وثّقه. وفرّق البخاري بينه وبين صالح بن حسان، فقال في الأخير: منكر الحديث.
- روى عنه جماعة، منهم: ابن أبي ذئب، وبكير بن الأشج، ويزيد بن أبي حبيب، وخالد بن أبي عمران. وأثبت البخاري في «التاريخ الكبير» سماعه من سعيد بن المسيب وأبي سلمة.
ورجّح الشيخ أنه صدوق حسن الحديث، وهو ما قاله الحافظ ابن حجر في «التقريب». وبيّن أن جهالته عند النسائي لا تضره، لأن من عرفه حجة على من لم يعرفه. ثم نبّه إلى قاعدة مهمة: قد يوثّق الإمام راويًا مقارنةً بغيره، أي أنه أوثق منه أو أصح حديثًا، ولا يلزم من ذلك التوثيق المطلق.
وخلاصة هذا المثال أن كفة الترجيح متقاربة. فإن رجّحنا بكثرة العدد فرواية الزهري وصالح أقوى، وإن رجّحنا بالتصريح بالسماع فرواية يحيى أقوى. والأولى أن يُحمل الحديث على الوجهين، وحينئذ لا يصلح حجة لمسلم ولا حجة عليه. ولهذا لم يخرّج البخاري هذا الطريق في صحيحه، وإنما أخرج في باب القبلة للصائم رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
المحور الرابع: حديث لحوم الخيل وتقديم ابن عيينة في عمرو بن دينار
والمثال الثاني حديث جابر رضي الله عنه: «أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ». رواه سفيان بن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر. ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر. فألزم مسلم مخالفه بأنه قدّم رواية حماد على رواية سفيان.
وتعقّبه ابن رشيد بأن حماد بن زيد لا يُقدَّم على ابن عيينة في عمرو بن دينار. فسفيان أوثق الناس فيه، وقد نص على ذلك يحيى بن معين حين قال: ابن عيينة أحب إليّ في عمرو بن دينار من سفيان الثوري، وهو أعلم به منه ومن حماد بن زيد. وقد جالس سفيان عمرَو بن دينار سنين طويلة.
ووقع خلاف في مدة هذه المجالسة. فالمشهور عن سفيان أنه جالسه ثنتين وعشرين سنة، لكن الخطيب البغدادي خطّأ ذلك. وعمدته أن سفيان قال: سمعت من عمرو بن دينار وأنا ابن ست عشرة سنة، ومات عمرو وأنا ابن تسع عشرة سنة.
ومع ذلك فقد تابع الحسينُ بن واقد سفيانَ على روايته، ذكر ذلك النسائي. فالترجيح لرواية ابن عيينة، أو يُحمل الأمر على أنه من المزيد في متصل الأسانيد. وعلى كلا الوجهين لا دليل فيه لمسلم.
ومحمد بن علي المذكور في الإسناد هو أبو جعفر الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وذكر الشيخ لطيفة إسنادية، هي اجتماع خمسة أئمة من آل البيت في نسق واحد: جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين السبط، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
المحور الخامس: قاعدة المزيد في متصل الأسانيد وختام كلام مسلم
تكرر في الدرس تقرير قاعدة «المزيد في متصل الأسانيد». ومعناها أن الحديث قد يكون عند الراوي عاليًا ونازلًا، فيرويه مرة هكذا ومرة هكذا. وقد ينزل الراوي في الإسناد لغرض صحيح، كتوقير شيخ أو طلب المعالي، فلا تكون الزيادة دليلًا على انقطاع الرواية الناقصة.
ثم ختم الشيخ بقول مسلم: «وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منه كفاية لذوي الفهم». ومراد مسلم أن الأئمة الذين نقلوا الأخبار كانت لهم أحوال، فتارة يرسلون الحديث، وتارة يسندونه. وبهذا يتهيأ الكلام للانتقال إلى المسألة التالية في الكتاب.
النقاط الرئيسية
- استدل الإمام مسلم بأمثلة رُويت مرة بإسناد عالٍ معنعن، ومرة بإسناد نازل مع التصريح بالسماع، ليُلزم مخالفه بالحكم على الرواية الناقصة بالإرسال.
- في حديث تقبيل الصائم: ترجح رواية الزهري وصالح بكثرة العدد، وترجح رواية يحيى بن أبي كثير بالتصريح بالسماع. والأولى حمله على الوجهين.
- سماع أبي سلمة من عائشة ثابت. ويُحمل نزوله في الإسناد على توقير عمر بن عبد العزيز، كما قال المعلمي، لا على التدليس.
- صالح بن أبي حسان صدوق حسن الحديث على الراجح، ويجب التفريق بينه وبين صالح بن حسان المنكر الحديث.
- سفيان بن عيينة أوثق الناس في عمرو بن دينار، فلا تُقدَّم عليه رواية حماد بن زيد عند الاختلاف.
- قد يوثّق الإمام الراوي مقارنةً بغيره، ولا يلزم من ذلك التوثيق المطلق.
- المثالان اللذان ذكرهما مسلم لا يصلحان حجة له ولا عليه، كما قرر ابن رشيد.
الفوائد والعبر
- الجمع بين الروايات أولى من الترجيح متى أمكن، وحمل الأئمة الثقات على السلامة أولى من اتهامهم بالوهم أو التدليس.
- الحكم على الرواة لا يصح إلا بعد جمع أقوال الأئمة كلها وفهم مرادهم وسياق كلامهم، والانتباه إلى تشابه الأسماء.
- من أدب العلماء توقير الأكابر والرواية عنهم ولو بإسناد نازل، تقديمًا للمعالي على العوالي.
- طول ملازمة الشيخ وكثرة الأخذ عنه من أقوى أسباب الترجيح عند اختلاف الرواة، وفي ذلك حث لطالب العلم على ملازمة أهل العلم.
- من عرف حجة على من لم يعرف، وهذا منهج في الإنصاف والتثبت ينبغي أن يتحلى به طالب العلم في البحث والنقد.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات