شرح كتاب "السنن الأبين والمورد الأمعن"لابن رُشيد(1) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
هذا هو المجلس الأول في شرح كتاب «السَّنَن الأَبْيَن والمَوْرِد الأَمْعَن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن» للإمام ابن رُشَيْد الفِهْري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويأتي امتدادًا لسلسلة الشيخ في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم، إذ يُعدّ هذا الدرس الحادي عشر فيها. ويتناول الكتاب واحدة من أدق مسائل علوم الحديث وأشدها خطرًا، وهي مسألة الإسناد المعنعن، وما وقع فيها من خلاف بين الإمام مسلم ومن خالفه في اشتراط ثبوت اللقاء أو السماع.
يبدأ الشيخ بتلخيص الأدلة الأربعة التي احتج بها الإمام مسلم لمذهبه في الاكتفاء بالمعاصرة. ثم ينتقل إلى كلام ابن رُشَيْد، فيذكر سبب تأليفه للكتاب ومنهجه فيه، وبيانه للألفاظ الدالة على الاتصال، وتعريفه للإسناد المعنعن. ثم يشرع في عرض المذاهب المنقولة في المسألة، مبتدئًا بمذهب أهل التشديد.
أهداف التعلّم: أن يفهم الطالب حقيقة النزاع في السند المعنعن، وأن يميّز ألفاظ الأداء الصريحة في الاتصال من المحتملة، وأن يعرف موقع دعوى الإجماع عند الإمام مسلم ومناقشة ابن رُشَيْد لها، وأن يتدرّب على النظر العلمي المنصف في خلاف الأئمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة والتأسيس للدرس
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها تذكير بتقوى الله والقول السديد، وبأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل محدثة في الدين بدعة. ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الخاتمة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
وفي الحديث: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: تلخيص أدلة الإمام مسلم الأربعة
قرر الإمام مسلم أن الراوي الثقة إذا عاصر من روى عنه، ولم يُوصم بتدليس، ولم يُعلم أنه لم يلقه، فإن عنعنته تُحمل على الاتصال. واستدل لذلك بأربعة أدلة:
- الدليل الأول: دعوى الإجماع على قبول السند المعنعن بهذه الصفة، دون اشتراط ثبوت السماع ولو مرة واحدة، مع السلامة من التدليس. وهو عمدة أدلته، ويظهر في قوله لمخالفه: «اتفقنا وإياك على أن الحديث إذا رواه الثقة...».
- الدليل الثاني: دليل إلزامي، وهو أن المخالف إن ردّ العنعنة لاحتمال الإرسال، لزمه ألا يصحّح إسنادًا معنعنًا حتى يرى فيه السماع من أوله إلى آخره. فالراوي الذي ثبت سماعه من شيخه قد يرسل عنه أيضًا، ومثّل لذلك بأمثلة كرواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
- الدليل الثالث: الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض اكتفاءً بالمعاصرة، دون بحث عن لقاء أو سماع.
- الدليل الرابع: نظير الثالث في التابعين السالمين من التدليس، كأبي عمرو الشيباني وأبي عثمان النهدي، إذ قُبلت أحاديثهم عن الصحابة بمجرد المعاصرة.
ونبّه الشيخ إلى أن تعبيره بـ«ادّعاء الإجماع» لا يعني اتهام الإمام بالكذب. وإنما المقصود أن الدعوى تحتاج إلى إثبات، فإمّا أن تثبت وإمّا أن تُخالَف. وسيتبيّن أن المسألة محلّ خلاف، فالإجماع فيها منتقض.
المحور الثالث: سبب تأليف «السَّنَن الأَبْيَن» ومنهجه
ذكر ابن رُشَيْد أنه ناقش بعض أفاضل عصره في هذه المسألة. وكان في البداية مقتنعًا بمذهب الإمام مسلم، غير أن أمورًا كانت تحيك في صدره، حتى استبان له وجه الخطأ فيه، فكتب هذا الكتاب. وفي ذلك درس في الإنصاف والرجوع إلى ما يظهر من الحق.
ورتّب كتابه على ثلاثة أقسام:
- مقدمة: في بيان المتصل الذي لا إشكال في اتصاله.
- الباب الأول: في المذاهب الواردة في الإسناد المعنعن، وحججها، والمختار منها.
- الباب الثاني: في مناقشة الأدلة التي أوردها الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، والتنبيه على ما فيها.
ودعا الشيخ الطلاب إلى الصبر والجد والحرص على فهم هذه القضية الشائكة، التي ما زال الكلام فيها قائمًا إلى اليوم. وبيّن أن ابن رُشَيْد توفي سنة 721هـ، قبل شيخ الإسلام ابن تيمية بسبع سنين.
المحور الرابع: ألفاظ الاتصال وتعريف الإسناد المعنعن
بيّن ابن رُشَيْد أن من الألفاظ الصريحة في الاتصال لغةً وعرفًا: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، ونبّأنا، وقرأ علينا، وقرأنا عليه، وقال لنا، وذكر لنا، وشافهنا، وعرض علينا، وناولنا، وكتب إلينا. واشترط في المكاتبة أن يُعرف خطّ الكاتب، أو أن يكون حامل الكتاب ثقة. وهذه الألفاظ وإن تفاوتت درجاتها، إلا أن كلها تدل على التلقي عن الشيخ.
وأشار إلى أن هذا كان هو الحال قبل أن يشيع استعمال بعض هذه الألفاظ في الإجازة. فبعد ذلك اصطلح المتأخرون على تمييز صور التحمل، فخصّوا «حدّثنا» بالسماع من لفظ الشيخ مع جماعة، و«أخبرنا» بالقراءة على الشيخ، ونحو ذلك. وكان دافعهم إلى ذلك التحري وإظهار النزاهة في الرواية.
ثم عرّف الإسناد المعنعن بأنه ما يقال فيه: فلان عن فلان. ومثاله: «مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، و«مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة». وذكر أن المنقول فيه عن المتقدمين أربعة مذاهب، وأحدث المتأخرون مذهبًا خامسًا. وعلّق الشيخ بأن وجود الخلاف قبل مسلم يقدح صراحةً في دليله الأول القائم على دعوى الإجماع.
المحور الخامس: المذهب الأول – مذهب أهل التشديد ومناقشته
يرى أصحاب هذا المذهب أنه لا يُحكم بالاتصال إلا فيما نُصّ فيه على السماع، أو عُلم سماعه من طريق آخر. أما ما قيل فيه «فلان عن فلان» فهو عندهم من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبيّن اتصاله. وقد حكاه ابن الصلاح دون أن يسمّي قائله، وهو بعينه المذهب الذي ألزم به الإمام مسلم خصمه.
وذكر ابن رُشَيْد أن هذا المذهب، وإن قلّ القائل به، هو الأصل الذي يقتضيه الاحتياط لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ووجه ذلك أن لفظة «عن» لا تقتضي الاتصال لا لغةً ولا عرفًا، فهي في اللغة للمجاوزة. كما أن الرواة كثيرًا ما يستعملونها في مواضع الإرسال والانقطاع، ولو كانت تفيد الاتصال عرفًا لما وقع فيها هذا الخلاف الطويل. وقاعدتهم في ذلك أنه إذا أشكل الأمر حُمل على الأدنى، وهو الإرسال.
واستدرك ابن رُشَيْد عليهم بأن الأولى أن يقولوا بالتوقف حتى يتبيّن الاتصال، لا بالرد الجازم، لأن الاحتمال قائم في الجهتين. وأما حمل كلامهم على التوقف فيأباه أول كلامهم، إذ عدّوه من قبيل المرسل والمنقطع، أي من الضعيف.
ثم قرر أن هذا المذهب ردّه جمهور المحدثين بأجمعهم. فأئمة السلف كأيوب السختياني وابن عون ومالك وشعبة لم يكونوا يشترطون التصريح بالسماع في كل طبقات السند. ولو اشتُرط ذلك لضاق الأمر جدًّا، ولم يصح من السنة إلا النزر اليسير. فهو مذهب مجهول القائل، لا يُعرَّج عليه ولا يُلتفت إليه.
النقاط الرئيسية
- مذهب الإمام مسلم: قبول عنعنة الثقة المعاصر غير المدلس، دون اشتراط ثبوت اللقاء أو السماع.
- احتج مسلم بأربعة أدلة، عمدتها دعوى الإجماع، والثاني منها دليل إلزامي، والثالث والرابع في رواية الصحابة والتابعين.
- ألّف ابن رُشَيْد كتابه بعد أن تبيّن له خطأ مذهب مسلم، وكان قبل ذلك مقتنعًا به.
- ألفاظ مثل: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وكتب إلينا، صريحة في الاتصال، أما «عن» فمحتملة للاتصال والانقطاع.
- نُقل في السند المعنعن أربعة مذاهب عن المتقدمين ومذهب خامس عن المتأخرين، وهذا ينقض دعوى الإجماع.
- المذهب الأول (أهل التشديد) يشترط التصريح بالسماع في كل السند، وهو أحوط نظريًّا، لكنه مردود عند جمهور المحدثين.
- عبارة «ادّعاء الإجماع» لا تعني الطعن في الإمام، بل تعني أن الدعوى تحتاج إلى إثبات.
الفوائد والعبر
- الإنصاف والرجوع إلى الحق: كان ابن رُشَيْد مقتنعًا بقول إمام كبير، ثم رجع عنه لما ظهر له الصواب. فالحق أحق أن يُتّبع مع حفظ قدر الأئمة.
- الأدب مع العلماء عند مخالفتهم: يُناقَش الدليل لا الشخص، وتُحمل الألفاظ على أحسن محاملها.
- الاحتياط لسنة النبي صلى الله عليه وسلم: التثبت في الأسانيد صيانة للدين، مع الموازنة بين الاحتياط وعدم التضييق المفضي إلى رد الصحيح.
- التأني في دعوى الإجماع: لا ينبغي إطلاق الإجماع في مسائل ثبت فيها الخلاف.
- الصبر في طلب العلم: المسائل الدقيقة كمسألة العنعنة تحتاج إلى صبر وجد ومراجعة متكررة حتى تُفهم على وجهها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات