شرح كتاب "السنن الأبين والمورد الأمعن"لابن رُشيد(2) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.
المقدمة
يتابع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا المجلس شرح كتاب «السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن» للحافظ ابن رُشَيد السبتي رحمه الله. والكتاب من أنفس ما صُنّف في مسألة الإسناد المعنعن، وهي من أدقّ مسائل علم مصطلح الحديث وأخطرها أثرًا. فالحكم على السند المعنعن بالاتصال أو الانقطاع يترتب عليه قبول أحاديث كثيرة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو ردّها، ويتعلق به ما اشتهر من الخلاف بين الإمام مسلم من جهة، والإمامين البخاري وعلي ابن المديني من جهة أخرى.
يبدأ الدرس بمراجعة تحرير محل النزاع وأدلة الإمام مسلم الأربعة على مذهبه. ثم يعرض المذاهب الأربعة التي ذكرها ابن رُشيد في المسألة، ويناقش ما نُقل عن الحاكم والقابسي وأبي عمرو الداني، مع الوقوف على اختلاف نسخ «معرفة علوم الحديث» للحاكم وأثره في تحديد مذهبه. ويختم بالنظر العقلي والفقهي في المسألة، وبيان سبب قبول العنعنة عند ثبوت اللقاء، وحكم مراسيل الصحابة رضي الله عنهم.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم مذاهب الأئمة في اشتراط اللقاء أو الاكتفاء بالمعاصرة، وأن يُحسن التعامل مع عبارات المتقدمين ومخطوطاتهم. كما يرسّخ الأدب مع الأئمة الكبار، فيُحمل كلام بعضهم في بعض على أحسن المحامل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحرير محل النزاع وأدلة الإمام مسلم الأربعة
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ومنها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
ثم حرّر الشيخ محل الخلاف: إذا روى الراوي الثقة غير الموصوف بالتدليس عن شيخ عاصره، ولم يُعلم أنه سمع منه، فالإمام مسلم يحمل روايته على الاتصال ويحكم بصحة الحديث، ما دام اللقاء ممكنًا ولم تقم قرينة على عدمه.
واستدل الإمام مسلم على مذهبه بأربعة أدلة:
- الإجماع على قبول السند المعنعن دون اشتراط ثبوت السماع، وقد نصّ مسلم على أن هذا الشرط لم يقل به أحد قبل مخالفه.
- الإلزام: من ردّ المعنعن لاحتمال الإرسال لزمه ألّا يقبل إلا ما صُرّح فيه بالتحديث، وهذا لم يقل به إلا المتشددون، والإجماع على خلافه.
- الإجماع على قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض دون بحث عن اللقاء والسماع، اكتفاءً بالمعاصرة.
- الإجماع على قبول روايات التابعين بعضهم عن بعض وعن الصحابة، اكتفاءً بالمعاصرة كذلك.
المحور الثاني: المذاهب الأربعة في المسألة ومن قصده مسلم بالردّ
ذكر ابن رُشيد رحمه الله أربعة مذاهب في الإسناد المعنعن:
- مذهب المتشددين الذين يشترطون التصريح بالسماع في كل حديث، ولا يقبلون «عن» أصلًا، وهو مذهب مردود بالإجماع.
- مذهب أبي المظفر السمعاني الذي يقبل عنعنة الراوي إذا طالت صحبته لشيخه.
- مذهب من يشترط ثبوت السماع ولو مرة واحدة، وهو المنسوب إلى البخاري وابن المديني.
- مذهب الإمام مسلم الذي يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء.
ورأى ابن رُشيد أن مراد البخاري وابن المديني باللقاء هو السماع. فلم يجد نصًّا صريحًا يعتمد عليه في ذلك، لكن اللقاء المحقَّق يُبنى عليه السماع في الغالب، لأن العلماء إذا التقوا تذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون اللقاء والسماع عندهم بمعنى واحد. واستأنس لذلك بأن مسلمًا نفسه عطف «التشافه» على «الاجتماع» بالواو في مواضع، وردّد العبارة بـ«أو» في مواضع أخرى.
ورجّح الشيخ أن الإمامين الكريمين قصدا بكلامهما الردّ على أصحاب القول المتشدد جدًّا. وهذا هو اللائق بمنزلة مسلم وتقديره لشيخه البخاري إمام أهل الصنعة في عصره. فحُسن أخلاقهم ودينهم يمنع من حمل كلام مسلم على الطعن في شيخه، وإن كانت المسألة محتملة.
المحور الثالث: أقوال الحاكم والقابسي والداني وإشكال المخطوطات
نقل ابن رُشيد قول الحاكم في «معرفة علوم الحديث»: إن المعنعن بغير تدليس متصل بإجماع أهل النقل، بشرط أن يكون رواته بريئين من التدليس. وعلّق الشيخ بأن في نقل هذا الإجماع نظرًا، ولعل الحاكم قلّد فيه الإمام مسلمًا. ونقل كذلك قول أبي الحسن القابسي: إن المعنعن متصل إذا عُرف أن الناقل أدرك المنقول عنه «إدراكًا بيّنًا»، والأظهر أن هذه العبارة تفيد اللقاء. وتبنّى أبو عمرو الداني قول القابسي ممزوجًا بكلام الحاكم.
ثم وقف الشيخ عند إشكال دقيق في نص الحاكم عن المسند، فقد اختلفت المخطوطات فيه:
- في بعضها: «يظهر سماعه منه بِسِنٍّ يحتمله»، فيكون مذهب الحاكم موافقًا لمذهب مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة.
- وفي بعضها: «يظهر سماعه منه ليس يحتمله»، أي لا يحتمل عدم السماع، فيكون مذهبه اشتراط ثبوت السماع، مخالفًا لمسلم.
ورجّح ابن رُشيد الرواية الثانية بقرينتين: سياق العبارة الذي أثبت ظهور السماع ثم أكّده، والمثال الذي ساقه الحاكم. فقد ساق بإسناده إلى الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد دَينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى كشف سِجف حجرته فقال: «يَا كَعْبُ، ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا»، وأشار إليه: أي الشطر. ثم بيّن الحاكم أن السماع معروف بين كل راوٍ وشيخه في هذا الإسناد إلى الصحابي، وهذا يدل على أنه أراد ثبوت السماع لا مجرد احتماله.
وضرب الشيخ مثالًا يبيّن أن المعاصرة وحدها لا تكفي إذا امتنع اللقاء: راوٍ خراساني لم يخرج من بلده إلا بعد العشرين، روى عن عالم مصري لم يحجّ في سنواته الأخيرة ومات والخراساني في نحو الثانية عشرة. فهذه رواية منقطعة بلا شك مع وجود المعاصرة، لأن اللقاء غير ممكن.
المحور الرابع: النظر في المسألة وسبب قبول العنعنة عند ثبوت اللقاء
انتقل ابن رُشيد من النقل إلى النظر، أي إعمال الفكر في فقه المسألة. فالأصل الذي يقتضيه الاحتياط لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ألّا يُقبل إلا ما صُرّح فيه بالسماع حديثًا حديثًا، كما رُدّ المرسل لاحتمال الانقطاع. لكن علماء الحديث رأوا أن تتبع اللفظ الصريح في كل رواية يعزّ وجوده ويشقّ مشقة بالغة. ورأوا أيضًا أن اللقاء إذا ثبت غلب على الظن معه السماع.
وقد جرى عرف الصحابة والتابعين ومن بعدهم على وضع «عن» موضع «سمعت» و«حدثنا» و«أخبرنا» اختصارًا. ولا يضع الراوي «عن» في موضع الانقطاع عمّن سمع منه بقصد الإيهام إلا المدلس، كمن يريد العلوّ في الإسناد أو غير ذلك من الأغراض المكروهة. فحُملت العنعنة مع ثبوت اللقاء على الاتصال، واستُثني المدلس وحده.
وأجاب ابن رُشيد عن اعتراض متوقَّع، وهو أن غير المدلس قد يقول «عن» في موضع الإرسال. وجوابه أن غير المدلس لا يفعل ذلك إلا فيما يُعلم أنه لم يسمعه لعدم المعاصرة، كقول التابعي: «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهذا معلوم الإرسال ولا يوهم السماع. ولا يزعم أحد أن الحسن البصري سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كذّاب كأحمد بن عبد الله الجويباري.
المحور الخامس: مراسيل الصحابة رضي الله عنهم وحكمها
بيّن الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم منزَّهون عن قصد التدليس. وإرسال صغارهم أمر واقع، فابن عباس رضي الله عنهما من أكثر الصحابة رواية، ولم يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أحاديث معدودة، وأغلب رواياته أخذها عن الصحابة. ومثله النعمان بن بشير وسهل بن سعد رضي الله عنهم.
وإنما قُبلت مراسيلهم لأن الخوف من الإرسال هو أن يكون الساقط ضعيفًا أو كذّابًا، وهذا مأمون هنا، فالساقط صحابي عدل. وكان بعضهم يصرّح بمن أخذ عنه أحيانًا، كقول ابن عباس رضي الله عنهما: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ».
واستدل لذلك بما رواه أبو خيثمة في «تاريخه» بإسناده عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل: أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدّثهم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغضب غضبًا شديدًا وقال: «وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلَا يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا».
النقاط الرئيسية
- محل النزاع هو عنعنة الراوي الثقة غير المدلس عن شيخ عاصره ولم يثبت سماعه منه، والإمام مسلم يحملها على الاتصال مع إمكان اللقاء.
- استدل مسلم بأربعة أدلة: الإجماع، والإلزام بردّ كل معنعن، وقبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض، وقبول روايات التابعين بالمعاصرة.
- في المسألة أربعة مذاهب: المتشددون، والسمعاني (طول الصحبة)، واشتراط السماع ولو مرة، والاكتفاء بالمعاصرة.
- الأليق بمكانة مسلم أن يُحمل ردّه على أصحاب القول المتشدد لا على شيخه البخاري.
- اختلاف حرف واحد في مخطوطات الحاكم («بسن» أو «ليس») يغيّر مذهبه كليًّا، ورجّح ابن رُشيد «ليس يحتمله» بدلالة السياق والمثال.
- المعاصرة لا تكفي إذا قام الدليل على استحالة اللقاء، وتُحمل العنعنة مع ثبوت اللقاء على الاتصال إلا من المدلس.
- مراسيل الصحابة مقبولة لعدالتهم جميعًا وأمن الخوف من الساقط، كما يدل عليه قول أنس رضي الله عنه.
الفوائد والعبر
- التأدب مع الأئمة وحمل كلام بعضهم في بعض على أحسن المحامل، كما في توجيه كلام مسلم في مسألة اشتراط اللقاء.
- أهمية تحقيق النصوص ومقابلة المخطوطات، فقد يتغير الحكم والمذهب بتغير حرف واحد.
- الجمع في دراسة مسائل العلم بين النقل والنظر، أي بين أقوال الأئمة وإعمال الفكر في فقه المسألة.
- إدراك عظم احتياط المحدّثين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوازنهم بين الاحتياط والتيسير بما لا يضيع السنة.
- ترسيخ عقيدة عدالة الصحابة رضي الله عنهم، والثقة بنقلهم بعضهم عن بعض، وأن ذلك أصل تقوم عليه الرواية.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات