شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (6) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,181 مشاهدة
17 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السادس من سلسلة شرح كتاب «الرسالة» لناصر السنة الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. وكتاب «الرسالة» أول مصنَّف وصل إلينا في علم أصول الفقه، وضع فيه الإمام الشافعي قواعد فهم نصوص الكتاب والسنة، وبيّن فيه أنواع «البيان» التي يُفهم بها مراد الله تعالى من كلامه.

بعد أن تناولت الدروس السابقة ما نزل من الكتاب عامًّا يُراد به العام، وما نزل عامًّا يدخله الخصوص، وما نزل عامًّا يُراد به الخاص، وكيف يُستفاد ذلك من القرآن نفسه أو من لغة العرب، ينتقل هذا الدرس إلى باب بالغ الأهمية هو: «باب ما نزل عامًّا دلّت السنة خاصّةً على أنه يُراد به الخاص»، أي تخصيص السنة النبوية لعموم القرآن الكريم.

ويهدف الدرس إلى أن يدرك طالب العلم منزلة السنة من القرآن، وأنها مبيِّنة له ومفسِّرة لمراده، وأنه لا يمكن فهم كثير من أحكام القرآن فهمًا صحيحًا بمعزل عنها. ويتجلى ذلك من خلال أمثلة تطبيقية ساقها الإمام الشافعي في أبواب المواريث والوصايا والطهارة والحدود.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مفهوم العام والتخصيص، وموقع هذا الباب من كتاب الرسالة

استهلّ الشيخ الدرس بالتذكير بتعريف العام كما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله: هو اللفظ المستغرِق لجميع ما يصلح له بحسب وضعٍ واحد دفعةً، ومثّل له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، فلفظ «الناس» يستغرق جميع أفراده.

أما التخصيص فهو إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصِّص، أو هو قصر العام على بعض مسمّياته. وقد كان الحديث في الأبواب السابقة عن العام الذي يُخصّ بالقرآن أو يُفهم تخصيصه من لسان العرب، أما هذا الباب فموضوعه أن يأتي اللفظ القرآني عامًّا في ظاهره، ثم تأتي السنة المطهرة لتبيّن أن المراد به بعض أفراده دون بعض.

ونبّه الشيخ إلى أن التخصيص نوعٌ من أنواع البيان، وليس معارضةً للقرآن، بل هو كشفٌ لمراد الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

المحور الثاني: تخصيص السنة لعموم آيات المواريث والوصية

أول الأمثلة التي ذكرها الإمام الشافعي آيات المواريث؛ فقد جاءت عامّة في الوالدين والأولاد والأزواج، فظاهرها أن كل والد يرث ولده، وكل زوج يرث زوجه، دون تفريق. قال تعالى:

﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]

فجاءت السنة فخصّت هذا العموم، فبيّنت أن اختلاف الدين مانع من التوارث بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى»، و«لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»، وبيّنت أن القاتل لا يرث، وأن المملوك لا يرث. ومثّل الشيخ بالمسلم المتزوج من نصرانية عفيفة، فلا يتوارثان لاختلاف الدين، وبالمرأة تقتل زوجها أو الولد يقتل أباه، فيُحرم القاتل من الميراث.

وكذلك قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ عامٌّ في كل وصية، فبيّنت السنة في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن الوصية لا تنفذ إلا في الثلث فما دونه: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، وأن الثلثين لأهل الميراث. وبيّنت أيضًا أن الدَّين مقدَّم على الوصية والميراث، فلا وصية ولا ميراث حتى يستوفي أهل الدَّين حقوقهم. قال الشافعي: ولولا دلالة السنة ثم إجماع المسلمين على ذلك لاحتمل أن تُقدَّم الوصية على الدين، أو أن يكونا سواء.

المحور الثالث: تخصيص السنة لآية الوضوء بالمسح على الخفين

المثال الثاني آية الوضوء، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]

قال الإمام الشافعي: فقصد جلّ ثناؤه القدمين بالغسل كما قصد الوجه واليدين، فكان ظاهر الآية أنه لا يُجزئ في القدمين إلا الغسل كما في الوجه، أو المسح كما في الرأس، وأن ذلك عامٌّ في كل متوضئ.

فلمّا مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين، وأمر به من أدخل رجليه فيهما وهو كامل الطهارة، دلّت السنة على أن المراد بغسل القدمين بعضُ المتوضئين دون بعض؛ فمن كانت قدماه مكشوفتين وجب عليه غسلهما، ومن لبس الخفين على طهارة مسح على أعلاهما. وأوضح الشيخ أن مسح القدمين المكشوفتين لا يُجزئ، وأن المسح خاصٌّ بالخفين الملبوسين على طهارة.

المحور الرابع: تخصيص السنة لآية السرقة في السارق وفي اليد

المثال الثالث قوله تعالى:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]

ففي الآية لفظان عامّان: لفظ «السارق» ولفظ «اليد». أما السارق فظاهره كل من أخذ شيئًا ولو حبلًا أو شيئًا يسيرًا من طعام أو فاكهة، فبيّنت السنة أنه لا قطع إلا فيما بلغ ربع دينار فصاعدًا، وأن يكون المسروق من حِرْزٍ، كأن يكسر قفلًا أو بابًا أو يدخل بستانًا مغلقًا، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ»، والكَثَر جُمّار النخل.

ونبّه الشيخ إلى أن نفي القطع لا يعني نفي العقوبة مطلقًا، فقد يُعزَّر السارق أو يُغرَّم، وإنما الكلام في حدّ القطع خاصة. وأما لفظ «اليد» فيطلق في اللغة على العضو من أطراف الأصابع إلى العضد، ولذلك قيّد الله تعالى غسلها في الوضوء بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فجاءت السنة مبيّنةً أن القطع يكون من مفصل الكف (الرسغ)، لا من المرفق ولا من العضد.

المحور الخامس: تخصيص آية حدّ الزنا بالقرآن والسنة والقياس

المثال الرابع قوله تعالى:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]

فظاهره عامٌّ في كل زانٍ وزانية، لكن القرآن نفسه خصّ منه الإماء بقوله تعالى:

﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]

وأُلحق العبدُ بالأمة بالقياس الصحيح الذي هو في معنى الأصل، فحدّهما خمسون جلدة. وبيّن الشيخ أن التنصيف لا يكون إلا في الجلد، لأن الرجم لا يتنصّف. ثم جاءت السنة فدلّت على أن الثيّب المحصن الحر يُرجم ولا يُجلد، كما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية، فلم يبقَ داخلًا في آية الجلد إلا الحرّان البكران، فهما المراد بجلد المائة.

النقاط الرئيسية

  • العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد، والتخصيص قصر العام على بعض أفراده، وهو نوع من أنواع البيان.
  • السنة النبوية تخصّص عموم القرآن وتبيّن مراد الله تعالى منه، وهذا هو موضوع الباب الذي عقده الإمام الشافعي.
  • آيات المواريث عامة، وخصّتها السنة بأنه لا توارث مع اختلاف الدين، ولا يرث القاتل ولا المملوك.
  • الوصية لا تنفذ إلا في الثلث فما دونه، والدَّين مقدَّم على الوصية والميراث بدلالة السنة والإجماع.
  • غسل القدمين في الوضوء واجب على من كانت قدماه مكشوفتين، والمسح خاصٌّ بمن لبس الخفين على طهارة.
  • لا قطع في السرقة إلا في ربع دينار فصاعدًا ومن حرز، ولا قطع في ثمر ولا كَثَر، والقطع يكون من مفصل الكف.
  • جلد المائة خاصٌّ بالحرّين البكرين، والمحصن الحر يُرجم، والعبد والأمة عليهما نصف الحد خمسون جلدة.

الفوائد والعبر

  • تعظيم السنة النبوية: فهي شقيقة القرآن ومبيِّنته، ومن أعرض عنها بدعوى الاكتفاء بالقرآن ضلّ عن فهم كثير من أحكامه كالوضوء والمواريث والحدود.
  • التأني في الاستدلال: لا يصح الأخذ بظاهر عموم آية قبل النظر فيما ورد من السنة في تخصيصها، وهذا منهج أهل العلم الراسخين.
  • فائدة عملية في الوضوء: المسح لا يُجزئ على القدمين المكشوفتين، وإنما يُشرع على الخفين الملبوسين على طهارة كاملة.
  • فائدة عملية في المواريث والوصايا: ينبغي للمسلم أن يبادر بسداد ديونه أو التوصية بها، وألا يتجاوز في وصيته الثلث حفظًا لحقوق الورثة.
  • إدراك حكمة الشريعة وعدلها: في ضبط الحدود بشروط دقيقة كالنصاب والحرز والإحصان، مما يدل على أن الشريعة جاءت بالعدل والرحمة لا بالتشفّي.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات