شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (23 و الأخير ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث والعشرون والأخير من شرح كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، ناصر السنة وقامع البدعة. يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في مسجد التوحيد بمدينة المنصورة، يوم السبت غرة المحرم سنة 1433هـ الموافق 26 نوفمبر 2011م. وفي هذا المجلس يختم الشيخ الكتاب الذي يُعدّ أول مصنَّف مستقل في علم أصول الفقه.
يتناول الدرس جانبًا من باب الاختلاف، ويبيّن فيه الإمام الشافعي طريقته في الترجيح بين أقوال الصحابة رضي الله عنهم. فإذا وُجدت سنة صريحة حُسم بها النزاع. وإذا لم توجد سنة رُجِّح من الأقوال ما كان أشبه بدلالة القرآن وظاهره واللغة والمعقول. ويضرب لذلك مثالين فقهيين: الأول عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها، والثاني مسألة الإيلاء.
أهداف التعلم من هذا الدرس: أن يعرف طالب العلم كيف تحسم السنة النبوية الخلاف المعتبر، وأن يرسخ عنده أنه لا حجة لأحد مهما بلغت منزلته في مخالفة السنة، وأن يتعلم قاعدة حمل نصوص القرآن على ظاهرها حتى يأتي دليل يصرفها عنه، وأن يتدرب على منهج الاستدلال بسياق الآيات ودلالة اللغة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: اختلاف الصحابة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
ذكر الإمام الشافعي ثلاث آيات في العِدد. الأولى في عدة المطلقة ذات الحيض، وهي ثلاثة قروء. والثانية في عدة الآيسة والصغيرة التي لم تحض، وهي ثلاثة أشهر، وفيها أن عدة الحامل وضع حملها. والثالثة في عدة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشر.
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]
وقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]
ذهب بعض الصحابة إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بالعدتين معًا، أي تنتظر أبعد الأجلين. فإن وضعت حملها قبل تمام أربعة أشهر وعشر انتظرت تمامها، وإن تمت الأربعة الأشهر والعشر قبل الوضع انتظرت الوضع. وحجتهم أن وضع الحمل لم يُذكر انقضاءً للعدة إلا في الطلاق، وأنه اجتمع عليها حقّان من وجهين فلا يُسقط أحدهما الآخر. وقال آخرون من الصحابة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حلّت، ولو كان زوجها على السرير لم يُدفن بعد.
المحور الثاني: السنة تحسم الخلاف بحديث سبيعة الأسلمية
بيّن الإمام الشافعي أن الآيات تحتمل المعنيين، وأن الأشبه بظاهرها والمعقول منها أن يكون وضع الحمل نهاية العدة. ثم جاءت السنة فقطعت النزاع، وبيّنت أن وضع الحمل آخر العدة في الوفاة كما هو في الطلاق. فكلاهما إنهاء للعشرة الزوجية، يحلّ بعده للمرأة أن تتزوج غير زوجها.
روى الإمام الشافعي بسنده عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليالٍ. فمرّ بها أبو السنابل بن بعكك فقال: قد تصنّعتِ للأزواج، إنها أربعة أشهر وعشر. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، أَوْ: لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ، قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
ونبّه الشيخ إلى أن أهل الحجاز يستعملون كلمة «كذب» بمعنى «أخطأ»، أي أخبر بخلاف الواقع. ويُفهم منه كذلك أنه ما كان ينبغي له أن يتكلم في هذه المسألة بغير علم.
المحور الثالث: قاعدة «لا حجة في أحد خالف قولُه السنة»
قرّر الإمام الشافعي أصلًا عظيمًا: ما دلت عليه السنة فلا حجة في أحد خالف قوله السنة. وأكد الشيخ أن هذا يشمل قول الصحابي، مع أن الصحابة أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ، ولا يساويهم أحد ممن جاء بعدهم من التابعين والأئمة كسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأحمد والبخاري ومسلم. فإذا لم يكن قول الصحابي حجة إذا خالف السنة، فقول من بعده من المعاصرين أولى بألّا يُقدَّم على الكتاب والسنة والإجماع.
وشدّد الشيخ على أن هذه القاعدة يجب ألّا تبقى حبيسة الكتب تُدرَّس ثم تُترك عند التطبيق. فتقديم أقوال الرجال على النصوص الصريحة وعلى الإجماع العلمي والعملي انحراف عن منهج السلف. ودعا إلى الثبات على منهج أهل السنة في التعامل مع النوازل والأحداث العامة، والتحذير من الانسياق وراء الأهواء والشعارات المخالفة للنصوص.
المحور الرابع: مسألة الإيلاء والترجيح بدلالة القرآن واللغة
الإيلاء أن يحلف الرجل ألّا يقرب امرأته. قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]
وفي المسألة قولان للصحابة. قال أكثرهم: إذا مضت الأربعة الأشهر وُقِف المُولي، فإما أن يفيء أي يجامع، وإما أن يطلّق. وقال غيرهم: عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، فيقع الطلاق بمجرد مضيّها. ولم يُحفظ عن النبي ﷺ في المسألة شيء.
اختار الشافعي القول الأول، وهو أن المُولي لا يلزمه طلاق بمضيّ المدة، بل يُخيَّر بعدها بين الفيئة والطلاق. وعلّل ذلك بأنه أشبه بمعنى كتاب الله وبالمعقول. فالله تعالى ذكر الحكمين، الفيئة وعزم الطلاق، معًا بلا فصل بعد ذكر المدة، فدلّ ذلك على أنهما يقعان في وقت واحد على التخيير. ومثّل له بقول المرتهن للراهن: إما أن تفدي الرهن وإما أن نبيعه عليك.
وإن فاء الرجل قبل انقضاء المدة فهو محسن لا يُلام، كمن قضى دَينه قبل حلول أجله.
المحور الخامس: حمل القرآن على ظاهره، والعبرة بالفعل لا بمجرد العزم
قرّر الإمام الشافعي قاعدة أصولية مهمة: القرآن على ظاهره حتى تأتي دلالة منه، أو من السنة، أو من الإجماع، بأنه أُريد به معنى آخر غير الظاهر. وبيّن الشيخ أن مراد الشافعي بالباطن هنا المعنى المراد بدليل صارف، كتخصيص العام وتقييد المطلق، وليس ما يدّعيه أهل الباطن من تأويلات منحرفة.
ثم ناقش الشافعي مناظره بإلزامات عقلية دقيقة. فلو أن المُولي كان عازمًا على الفيئة كل يوم ولم يجامع، لم يخرج من الإيلاء بمجرد نيّته. ولو كان عازمًا على ألّا يفيء ثم جامع قبل مضيّ المدة ولو بطرفة عين، خرج من الإيلاء. فالعبرة بالجماع نفسه لا بالعزم. فكيف يُلزم بالطلاق بمضيّ المدة وهو لم يعزم عليه ولم يتلفظ به؟ هذا قول لا يستقيم في العقول.
النقاط الرئيسية
- عدة المطلقة ذات الحيض ثلاثة قروء، وعدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، وعدة الحامل وضع حملها، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.
- الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، بدلالة حديث سبيعة الأسلمية رضي الله عنها.
- إذا دلّت السنة على حكم فلا حجة في قول أحد خالفها، ولو كان من الصحابة رضي الله عنهم.
- عند غياب النص النبوي يُرجَّح من أقوال الصحابة ما كان أشبه بظاهر القرآن ودلالة اللغة والمعقول.
- المُولي يُخيَّر بعد مضيّ أربعة أشهر بين الفيئة والطلاق، ولا يقع الطلاق بمجرد انقضاء المدة على ما اختاره الشافعي.
- القرآن يُحمل على ظاهره حتى يأتي دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع يصرفه عنه.
- العلم الشرعي يُراد للعمل والتطبيق، لا ليُحفظ في الكتب ويُترك عند الوقائع.
الفوائد والعبر
- تعظيم السنة النبوية: أن يجعل المسلم قول رسول الله ﷺ فوق كل قول، وأن يرجع إليه عند الاختلاف.
- الورع في الفتوى: قصة أبي السنابل تعلّم ألّا يتكلم المرء في دين الله بغير علم، وأن يسأل أهل العلم فيما يجهل.
- منهجية الترجيح: يتعلم طالب العلم كيف يوازن بين الأقوال بالنص أولًا، ثم بظاهر القرآن وسياقه ودلالة اللغة والعقل السليم.
- ربط العلم بالعمل: القواعد الأصولية ينبغي أن تُطبَّق على أرض الواقع، فيُحكَم بها على المواقف والأقوال، ولا يُكتفى بدراستها نظريًا.
- معرفة أحكام الأسرة: يستفيد المشاهد أحكام العِدد والإيلاء، وهي من المسائل التي تمس حياة الأسر المسلمة مباشرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات