شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (8) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
يتابع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري شرح كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله. والرسالة أول مصنَّف في أصول الفقه، كتبه إمامٌ لُقِّب بناصر السنة لدفاعه عنها وقمعه للبدعة. ويتناول هذا الدرس بابًا من أدقّ أبواب الأصول وأخطرها، وهو باب «الناسخ والمنسوخ»، الذي لا يصح لأحد أن يستنبط الأحكام الشرعية دون معرفته.
يبيّن الشيخ معنى النسخ في اللغة والاصطلاح، ثم يعرض الحِكَم الإلهية من وقوعه، وأنه من رحمة الله بعباده في التدرج بالتشريع والتخفيف عنهم. ويقف بعد ذلك عند مذهب الإمام الشافعي في أنواع النسخ، وعند قوله إن القرآن لا يَنسخه إلا القرآن، مع ذكر الأدلة التي استند إليها.
يهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم حقيقة النسخ، ويعرف أقسامه عند الأصوليين، ويدرك منزلة السنة من القرآن. ويهدف كذلك إلى أن يعظم في نفسه أمر الله، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، ولا مُعقِّب لحكمه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف النسخ لغةً واصطلاحًا
يأتي النسخ في اللغة بمعنيين: الأول الإزالة، تقول العرب: «نسخت الشمسُ الظلَّ» أي أزالته. والثاني النقل، تقول: «نسختُ الكتاب» أي نقلت ما فيه.
أما في اصطلاح الأصوليين فهو: رفع حكمٍ شرعي متقدم بدليل شرعي متراخٍ عنه. ومعنى ذلك أن يأتي حكم جديد بدليل متأخر في الزمن عن الحكم الأول، فيرفعه.
والأصل في إثبات النسخ قول الله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]
المحور الثاني: براعة استهلال الشافعي وإثبات أن الله يفعل ما يشاء
بدأ الإمام الشافعي الباب بقوله إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه من إرادته بهم، وإنه لا مُعقِّب لحكمه وهو سريع الحساب. ويسمّي علماء البلاغة هذا الصنيع «براعة الاستهلال»، فقد مهّد به لتقرير النسخ. فالله عز وجل يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، ولا رادّ لقضائه، ولا يجوز لأحد أن يعترض على ربه جل في علاه.
ثم ذكر الشافعي أن الله أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وجعله هدًى ورحمة. ومن هذه الرحمة أن يُثبت سبحانه من الأحكام ما يشاء، وأن ينسخ منها ما يشاء.
المحور الثالث: حِكَم النسخ ورحمة الله بعباده
من رحمة الله التدرج في التشريع. فالخمر كانت مباحة عند العرب، ثم جاء التشريع بالتدرج في تحريمها حتى حُرِّمت تحريمًا قاطعًا. وكذلك فُرض الصيام على مراحل متدرجة.
ومن حِكَم النسخ التخفيف والتوسعة على العباد. ومثال ذلك نسخ وجوب ثبات الواحد أمام عشرة من الكفار في القتال، إلى وجوب ثباته أمام اثنين:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]
وقد يأتي الحكم الناسخ أثقل من المنسوخ، فيكون ذلك زيادةً في الأجر، وهو مع ذلك داخل في استطاعة العبد:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
ومن أعظم الأمثلة على النسخ نسخ فرض الصلوات من خمسين صلاة إلى خمس في العمل، مع بقاء أجر الخمسين، كما في حديث المعراج: «هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ».
ثم استقرت أحكام الشريعة واكتملت بقوله تعالى يوم عرفة في حجة الوداع:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
فالأحكام كلها رحمة من الله: ما أثبته منها وما نسخه، والناسخ منها والمنسوخ، وله الحمد على نعمه.
المحور الرابع: أقسام النسخ ومذهب الإمام الشافعي
يذكر العلماء للنسخ أربعة أقسام:
- نسخ القرآن بالقرآن.
- نسخ القرآن بالسنة.
- نسخ السنة بالسنة.
- نسخ السنة بالقرآن.
وقرر الإمام الشافعي أن الله تعالى بيّن أن القرآن إنما يَنسخه القرآن، وأن السنة لا تنسخ الكتاب، بل هي تابعة له ومبيّنة لما أُجمل فيه. وأشار الشيخ إلى أنه لا يوجد في المسألة مثال صحيح صريح سالم من المعارضة يخالف ما قرره الشافعي.
المحور الخامس: أدلة الشافعي وأن النسخ من خصائص رب العالمين
استدل الشافعي بقول الله تعالى:
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: 15]
فقد أخبر الله أنه فرض على نبيه صلى الله عليه وسلم اتباع ما يوحى إليه، ولم يأذن له في تبديله من تلقاء نفسه. فكما أن الله هو المبتدئ بفرض الأحكام، فهو وحده الذي يُزيل منها ما يشاء ويُثبت ما يشاء. وليس ذلك لأحد من خلقه، ولا حتى لأكرمهم عليه محمد صلى الله عليه وسلم.
واستأنس الشافعي كذلك بقوله تعالى:
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]
ونقل عن بعض أهل العلم أقوالًا في تفسير هذه الآية. والمقصود من ذلك كله أن نسخ القرآن من خصائص الله وحده.
النقاط الرئيسية
- النسخ في اللغة الإزالة والنقل، وفي الاصطلاح رفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متراخٍ عنه.
- الأصل في إثبات النسخ قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾.
- افتتح الشافعي باب النسخ ببراعة استهلال تقرر أن الله يفعل ما يشاء ولا مُعقِّب لحكمه.
- النسخ من رحمة الله، ويظهر ذلك في التدرج في التشريع كتحريم الخمر وفرض الصيام، وفي التخفيف كتخفيف ثبات المسلمين في القتال وتخفيف الصلوات من خمسين إلى خمس.
- أقسام النسخ عند العلماء أربعة: القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، والسنة بالسنة، والسنة بالقرآن.
- يرى الشافعي أن القرآن لا ينسخه إلا القرآن، وأن السنة مبيّنة للكتاب لا ناسخة له.
- استدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ على أن تبديل القرآن من خصائص الله وحده.
الفوائد والعبر
- التسليم لأحكام الله وترك الاعتراض عليها، لأنه سبحانه الحكيم الذي لا يُسأل عما يفعل.
- استشعار رحمة الله في كل حكم شرعي، سواء جاء بالتخفيف أو بزيادة في التكليف مع زيادة في الأجر.
- ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ لكل من يتصدى للفتوى أو الاستنباط، حتى لا يعمل بحكم منسوخ.
- تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في اتباعه للوحي وتبليغه، ومعرفة منزلة السنة من القرآن بوصفها بيانًا له.
- الاقتداء بمنهج الإمام الشافعي في بناء الأصول على الأدلة الصحيحة الصريحة، والاعتناء بالأمثلة السالمة من المعارضة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات