شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (2) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني من شرح كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، ناصر السنة وقامع البدعة. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس «باب كيف البيان»، وهو من أهم أبواب أصول الفقه؛ لأنه يوضح الطرق التي بيّن الله بها أحكامه لعباده، والعلاقة بين الكتاب والسنة والاجتهاد في الوصول إلى مراد الله تعالى.
يبدأ الشيخ بتعريف المجمل والمبيَّن في اللغة والاصطلاح، ويعرض خلاف الأصوليين في تعريف البيان. ثم يشرح عبارة الإمام الشافعي: «البيان اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع». بعد ذلك يفصّل وجوه البيان التي ذكرها الإمام، ويوضح كل وجه منها بأمثلة من القرآن والسنة.
والمقصود من الدرس أن يفهم طالب العلم مراتب البيان الشرعي، وأن يعرف مكانة السنة النبوية في بيان القرآن واستقلالها بالتشريع، وأن يدرك أن الاجتهاد للوصول إلى الحق مما فرضه الله وابتلى به عباده. كما يتضمن الدرس ردًّا على من ينكر حجية السنة ويزعم الاكتفاء بالقرآن.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: المجمل والبيان، ومعنى قول الشافعي «البيان اسم جامع»
المجمل في اللغة هو المجموع. وفي الاصطلاح هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجيح لواحد منهما. فإذا جاء في دليلٍ إجمال، جاء دليل آخر يبيّنه ويوضحه. والبيان في اللغة مصدر «بيّن يبيّن تبيينًا وبيانًا»، ومعناه الإيضاح والإظهار.
واختلف العلماء في تعريف البيان. فمنهم من اشترط أن يسبقه خفاء، فعرّفه بأنه «إظهار ما كان فيه خفاء». ومنهم من لم يشترط ذلك، فجعل كل ما يزيل الإشكال بيانًا، وكل إيضاح وإظهار بيانًا.
ويرى الإمام الشافعي أن البيان «اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع». فالبيان كالشجرة: أصلها واحد وفروعها كثيرة. وهذه المعاني بيانٌ واضح لمن نزل القرآن بلسانهم، فهي عندهم متقاربة الاستواء، وإن كان بعضها أشد تأكيدًا في البيان من بعض. أما من جهل لسان العرب فقد يظن فيها اختلافًا وتعارضًا. ولهذا يحرص الشافعي على أن يكون طالب العلم متمكنًا من العربية حتى يفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
المحور الثاني: الوجه الأول من البيان، ما أبانه الله لخلقه نصًّا
هذا أعلى وجوه البيان وأوضحها، وهو النص. والنص عند الأصوليين ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا ولا يدخله التأويل. ومن أمثلته فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنا والخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وتحريم نكاح المحارم والجمع بين الأختين، وفرض الوضوء للصلاة.
ومن أوضح أمثلته قوله تعالى في صيام من لم يجد الهدي: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]. فلفظ «عشرة» نصٌّ لا يحتمل تسعة ولا أحد عشر.
ومن الآيات التي استشهد بها الشيخ:
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]
- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]
- ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]
- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3]
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]
المحور الثاني (تابع): ما أحكم الله فرضه في كتابه وبيّن كيفيته على لسان نبيه
هذا هو الوجه الثاني من البيان. يأتي أصل الفرض في القرآن مجملًا، ثم تبيّن السنة تفاصيله وكيفيته. ومثاله عدد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة وأوقاتها، وغير ذلك من الفرائض التي ذكرها الله في كتابه. فتحريم الربا ثابت في القرآن، أما ما يدخل فيه الربا وما لا يدخل، وكيفية وقوعه، فقد جاء بيانه في السنة المطهرة.
فالخلاصة أن أصل الفرض ثابت في الكتاب، وتفصيله من عدد وهيئة ووقت يُعرف من السنة. وهذا من أجلّ وظائف السنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].
المحور الثالث: ما سنّه النبي صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص كتاب، والرد على منكري السنة
الوجه الثالث من البيان ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص في القرآن، فأوجب أمورًا وحرّم أمورًا وأباح أمورًا. ومن أمثلته تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا». ومن أمثلته أيضًا أن القرآن حرّم الميتة والدم، وجاءت السنة باستثناء بعضها: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ».
والدليل على وجوب قبول ذلك أن الله فرض في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل، ومن ردّ على رسول الله فقد ردّ على الله عز وجل. وفي كلام الشافعي هنا إشارة لطيفة إلى الرد على الطائفة التي تسمي نفسها «القرآنيين». والصحيح أنهم ليسوا متبعين للقرآن، بل هم أتباع أهواء وشهوات؛ لأن القرآن الذي يدّعون اتباعه يفرض عليهم طاعة النبي صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة. ولو كانوا متبعين للقرآن حقًّا لاتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم صدقًا.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]
- ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51]
- ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]
- ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]
المحور الرابع: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه
الوجه الرابع من البيان ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلاهم بذلك كما ابتلاهم بسائر الفرائض. ومن هنا قيل إن أصول أهل السنة تُختصر في ثلاث كلمات: الكتاب والسنة والاجتهاد. والإجماع داخل في الاجتهاد، وكذلك القياس الصحيح؛ لأنه إعمال للنصوص.
ومثّل الإمام الشافعي لذلك باستقبال القبلة. فمن كان عند الكعبة وجب عليه استقبال عينها، ومن بَعُد عنها وجب عليه أن يولّي وجهه جهتها، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاجتهاد بالنظر في الأمارات والعلامات. فإذا اجتهد وغلب على ظنه أن القبلة في جهة معينة لزمه استقبالها. قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، وقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: 150].
واستدل الشافعي على أن الاجتهاد ابتلاء واختبار بآيات الابتلاء: هل يبذل العبد وسعه في طلب الحق أم يقصّر؟
- ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]
- ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: 154]
- ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]
النقاط الرئيسية
- المجمل ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجيح، والبيان هو الإيضاح والإظهار. واختلف العلماء في اشتراط تقدّم الخفاء لتسمية الإيضاح بيانًا.
- البيان عند الشافعي اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، وهي واضحة لمن يعرف لسان العرب، وقد يظن الجاهل بالعربية أن بينها اختلافًا.
- أعلى وجوه البيان ما أبانه الله نصًّا، كفرض الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنا والخمر والميتة.
- من البيان ما أحكم الله أصل فرضه في كتابه وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته، كعدد الصلوات ومقادير الزكاة وأوقاتها.
- من البيان ما سنّه النبي صلى الله عليه وسلم استقلالًا مما ليس فيه نص كتاب، وقبوله واجب لأن الله فرض طاعة رسوله.
- من ردّ السنة فقد ردّ القرآن، ومن يزعمون الاكتفاء بالقرآن مخالفون له في الحقيقة.
- من البيان ما فرض الله على عباده الاجتهاد في طلبه، كاستقبال القبلة لمن بَعُد عن الكعبة، وهذا الاجتهاد ابتلاء من الله لعباده.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يتعلم من العربية ما يفهم به كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فالجهل بها باب إلى سوء الفهم وتوهّم التعارض.
- لا يُكتفى بالقرآن عن السنة، فالسنة مبيّنة للقرآن ومستقلة بالتشريع، وتعظيمها من تعظيم كتاب الله.
- ينبغي الحذر من دعاوى منكري السنة، ومعرفة الحجج القرآنية التي تبطلها، كآيات وجوب طاعة الرسول والتحاكم إليه.
- على المسلم أن يجتهد في طلب الحق فيما لا نص فيه، كتحرّي القبلة في السفر، ويبذل وسعه ولا يقصّر، فهذا ابتلاء يُثاب عليه.
- منهج الشافعي في الجمع بين التأصيل وكثرة الأمثلة منهج نافع في التعلم والتعليم، ويحسن بطالب العلم أن يسلكه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات