شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (13) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة شرح كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. وكتاب «الرسالة» أول مصنَّف مستقل في علم أصول الفقه، وضع فيه الإمام الشافعي قواعد فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما.
يتناول هذا الدرس باب «الناسخ والمنسوخ في السنة». ويقف فيه الشيخ عند مثال تطبيقي أورده الإمام الشافعي، وهو النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ثم الرخصة فيه. ويبيّن من خلاله كيف تتعدد روايات الصحابة رضي الله عنهم للحديث الواحد، فيحفظ بعضهم المنسوخ، ويحفظ آخرون الناسخ، ويجمع بعضهم الأمرين مع سبب الورود.
ومن أهداف هذا الدرس:
- تعظيم السنة النبوية ووجوب اتباعها.
- فهم طريقة العلماء في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.
- معرفة أحكام الأكل من الأضاحي والهدي والنذور وتوزيعها.
- التمهيد لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قضاء الصلوات الفائتة يوم الخندق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: وجوب اتباع السنة وخطورة مخالفتها
ابتدأ الشيخ من قول الإمام الشافعي: «ومن خالف ما قلتُ فيها فقد جمع الجهالة بالسنة والخطأ في الكلام فيما يجهل». فبيّن أن اتباع سنة رسول الله ﷺ فرض، وأن مخالفتها حرام، وأنه لا يجوز لمن علم السنة أن يعطّلها. ومن خالفها جمع بين جهلين: جهله بسنة النبي ﷺ، وقوله على الله بغير علم.
ثم أشار إلى ما سبق تقريره من أن السنة تبيّن القرآن وتخصّص عمومه. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، فهو من العام المخصوص. فليس كل بيع حلالًا، فقد حرّم النبي ﷺ بيوعًا كبيع النَّجْش وبيع الغَرَر.
المحور الثاني: أحاديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي والرخصة فيه
أورد الإمام الشافعي بأسانيده عدة روايات في هذا الباب:
- حديث ابن عمر رضي الله عنهما من طريق عبد الله بن واقد: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ».
- حديث علي رضي الله عنه: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ نُسُكِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ».
- قول أنس بن مالك رضي الله عنه: «إِنْ كُنَّا لَنَذْبَحُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ضَحَايَانَا، ثُمَّ نَتَزَوَّدُ بَقِيَّتَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ».
ثم جاءت رواية عمرة بنت عبد الرحمن عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالقصة كاملة. فقد دفّ ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمن النبي ﷺ، فقال: «ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ».
وفسّر الشيخ «الدافّة» بأنهم القوم يسيرون جماعة سيرًا غير سريع، فينزلون ضيوفًا محتاجين. فلما كان بعد ذلك ذكر الصحابة للنبي ﷺ أنهم كانوا ينتفعون بضحاياهم، فيَجمُلون منها الوَدَك (أي يذيبون الشحم ويستخرجون دهنه)، ويتخذون الأسقية من جلودها. فقال ﷺ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا».
وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما نحوه، وفيه قوله ﷺ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا».
المحور الثالث: فقه اختلاف الرواة وأن كل واحد أدّى ما حفظ
استنبط الإمام الشافعي من هذه الروايات قاعدة عظيمة. فعليّ رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنهما في رواية عبد الله بن واقد، سمعا النهي ولم تبلغهما الرخصة، ولو بلغتهما لما حدّثا بالنهي المنسوخ. وأنس رضي الله عنه حدّث بالرخصة، ويحتمل أنه لم يسمع النهي قبلها، ويحتمل أنه سمعه وعلم نسخه فلم يذكره.
أما عائشة رضي الله عنها فحفظت المنسوخ والناسخ وسبب الورود جميعًا. ولذلك قال الشافعي: «وحديث عائشة من أبين ما يوجد في الناسخ والمنسوخ من السنة».
وقرّر الشافعي أن الحديث قد يُختصر، فيُحفظ بعضه دون بعض: يُحفظ أوله ولا يُحفظ آخره، أو يُحفظ آخره ولا يُحفظ أوله، فيؤدي كل راوٍ ما حفظ. والواجب على من سمع شيئًا من رسول الله ﷺ أن يقول بما سمع حتى يعلم غيره. فإذا بلغه الناسخ وجب عليه أن يترك المنسوخ إليه.
ونبّه الشيخ على حسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم، وأن اختلاف رواياتهم ليس تعارضًا. وإنما مردّه إلى تفاوت ما بلغ كل واحد منهم من العلم.
المحور الرابع: توجيه النهي بين النسخ والتعليل بالسبب
ذكر الإمام الشافعي أن الحديث يحتمل معنيين:
- الأول: أن النهي معلّق بسببه؛ فإذا دفّت الدافّة ثبت النهي عن الادخار فوق ثلاث، وإذا لم تدفّ فالرخصة ثابتة في الأكل والتزود والادخار والصدقة.
- الثاني: أن النهي منسوخ في كل حال، فيمسك الإنسان من أضحيته ما شاء ويتصدق بما شاء.
ونقل الشيخ عن العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله أن الشافعي تردد في هذه المسألة: فمرة يذهب إلى النسخ، ومرة إلى أن النهي على الاختيار لا على الفرض، ومرة إلى أنه لمعنى إذا وُجد وُجد النهي.
ورجّح الشيخ أحمد شاكر أن النهي كان تصرفًا من النبي ﷺ بوصفه إمامًا وحاكمًا ينظر في مصلحة الناس، لا تشريعًا عامًّا. واستدل لذلك بأن النبي ﷺ لما راجعه الصحابة بيّن لهم علة النهي ولم يقل إنه نُسخ. فيؤخذ منه أن لولي الأمر أن يأمر بمثل هذا لمصلحة عامة، وتجب طاعته فيه.
وعلّق الشيخ أبو حفص على ذلك تعليقًا مهمًّا: طاعة ولاة الأمور مقيدة بطاعة الله ورسوله ﷺ، فلا طاعة لهم في تحريم ما أحل الله أو إسقاط ما أوجبه.
المحور الخامس: أحكام الأكل من الهدي والأضاحي والنذور، ومدخل حديث الخندق
نقل الشيخ كلام الشافعي في كتاب «اختلاف الحديث»، واستدلاله بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]. ومن الأحكام المستفادة:
- هدي التطوع: يجوز لصاحبه الأكل منه.
- الهدي الواجب: لا يأكل منه صاحبه شيئًا، كما لا يأكل من زكاته وكفارته.
- معنى الآية: القانع هو السائل، والمعترّ هو الزائر المارّ بلا سؤال.
- القسمة المستحبة: يطعم ثلثًا، ويهدي ثلثًا، ويدخر ثلثًا.
- عند المجاعة: إن أصاب الناس جوع وحاجة استُحب ألا يدخر أحد أكثر من ثلاث.
وطبّق الشيخ ذلك على مسألة معاصرة، وهي من نذر ذبيحة لله: هل يأكل منها؟ فالأمر يرجع إلى نيته:
- إن نوى إخراجها كلها لم يجز له الأكل منها.
- إن نوى أخذ جزء منها، كفخذ مثلًا، فله ذلك.
- إن لم ينوِ شيئًا أنزل نفسه منزلة أحد الفقراء، فيأخذ لأهل بيته مثل نصيب أحدهم.
وختم الدرس بالشروع في مثال آخر للناسخ والمنسوخ، وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا». وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]. فأمر النبي ﷺ بلالًا فأقام لكل صلاة، فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء، يحسن كل صلاة كما كان يصليها في وقتها.
النقاط الرئيسية
- اتباع السنة فرض، ومخالفتها جمعٌ بين الجهل بها والقول على الله بغير علم.
- السنة تخصّص عموم القرآن وتبيّنه، كتخصيص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ بالنهي عن بيوع محرمة.
- نهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافّة، ثم رخّص في الأكل والادخار والصدقة.
- حديث عائشة رضي الله عنها من أبين أحاديث الناسخ والمنسوخ، لجمعه المنسوخ والناسخ وسبب الورود.
- الراوي قد يحفظ بعض الحديث دون بعض، والواجب أن يعمل كل أحد بما بلغه حتى يبلغه الناسخ.
- تردّد الشافعي بين النسخ والتعليل بالسبب، ورجّح أحمد شاكر أن النهي كان تصرفًا بالإمامة لمصلحة الناس.
- لا يأكل صاحب الهدي الواجب أو النذر منه إلا بحسب نيته، ويستحب تقسيم الأضحية أثلاثًا.
الفوائد والعبر
- التثبّت قبل الحكم: على طالب العلم أن يجمع روايات الحديث وطرقه قبل الحكم بالتعارض، فكثير مما يبدو متعارضًا يزول بمعرفة الناسخ أو سبب الورود.
- حسن الظن بالصحابة والعلماء: اختلاف رواياتهم وأقوالهم راجع إلى تفاوت ما بلغهم، لا إلى تقصير أو هوى.
- التكافل والمواساة: الشريعة تراعي حاجة الفقراء في أوقات الشدة، فيُستحب ألا يدخر المسلم من أضحيته عند المجاعة ما يحتاجه إخوانه.
- ضبط النية في العبادات المالية: النية تحدد حكم الأكل من الذبائح المنذورة، فينبغي للمسلم أن يحدد نيته عند النذر.
- طاعة ولي الأمر في المعروف: طاعته واجبة فيما يحقق المصلحة العامة، مع تقييدها بطاعة الله ورسوله ﷺ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات