شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (19) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

5,143 مشاهدة
314 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع عشر من شرح كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب الرسالة أول مصنَّف في أصول الفقه، وفيه وضع الإمام الشافعي القواعد التي يُعرف بها كيف تُفهم نصوص الوحي وكيف يُستدلّ بها. ومن أعظم مباحثه مبحث «خبر الواحد» وحجيته، وهو مبحث تقوم عليه أكثر أحكام الشريعة، لأن أغلب السنة النبوية نُقلت إلينا من طريق الآحاد.

يفتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم يواصل قراءة كلام الإمام الشافعي وشرحه. ومن موضوعات المجلس: اعتذار الإمام عن إيراد بعض الأحاديث منقطعة، وبيان عمل الصحابة رضي الله عنهم بخبر الواحد، وتوجيه ما ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طلب شاهد آخر مع المخبر أحيانًا، ثم شروط المخبر الذي يُقبل خبره.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يرسّخ عند طالب العلم أن السنة الثابتة حجة بنفسها، وأن يبيّن له الفرق بين ردّ الخبر وبين الاحتياط في قبوله وطلب الطمأنينة، وأن يعرّفه بمنهج الأئمة في التثبت من الرواة وصيانة السنة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خطبة الحاجة وافتتاح مجالس العلم بها

يبدأ الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه ويقدّمها بين يدي حاجاته وخطبه. وهي تشتمل على حمد الله والاستعانة به والاستغفار، والاستعاذة من شرور النفس وسيئات الأعمال، والشهادتين.

وتتضمن الخطبة ثلاث آيات يجمعها الأمر بتقوى الله تعالى. وفي ذلك تنبيه إلى أن العلم الشرعي يُطلب للعمل، وأن التقوى أساسه وثمرته.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

المحور الثاني: اعتذار الإمام الشافعي عن إيراد بعض الأحاديث منقطعة

يقف الشيخ عند قول الإمام الشافعي إن بعض ما كتبه من الأحاديث منقطعًا قد سمعه متصلًا أو مشهورًا عن العامة من أهل العلم. وسبب ذلك أن بعض كتبه ضاعت عنه، فلم يتمكن من تحرير أسانيدها كما حفظها، فاكتفى بما يعرفه أهل العلم ويحفظونه، واختصر خشية الإطالة.

ويبيّن الشيخ أن هذا اعتذار علمي يدل على أمانة الإمام. فمن نظر في الكتاب ووجد بعض الأحاديث منقطعة الإسناد ظاهرًا لم يجز له أن يحكم بضعفها مطلقًا، لأن صاحب الكتاب نصّ على أنه سمعها متصلة. ويستفاد من ذلك أن جمع طرق الحديث ضروري لمعرفة حاله.

المحور الثالث: عمل الصحابة بخبر الواحد

يسوق الإمام الشافعي شواهد من عمل الصحابة رضي الله عنهم بخبر الواحد في أمور الدين. ومن أشهرها أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقّف في أخذ الجزية من المجوس، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيهم: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ»، فأخذ عمر بخبره وهو خبر واحد.

وهذا يدل على أن الصحابة كانوا يرجعون عن اجتهادهم إلى خبر الثقة الواحد إذا بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشترطون فيه التواتر. وفي ذلك أبلغ ردّ على من يردّ أخبار الآحاد في العقائد أو الأحكام.

المحور الرابع: توجيه طلب عمر رضي الله عنه شاهدًا مع المخبر

يورد الإمام الشافعي قصة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يُؤذن له فرجع. فسأله عمر عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» [متفق عليه]. فطلب منه عمر من يشهد معه.

ويوضح الإمام أن عمر لم يطلب ذلك لأنه يرى أن خبر الواحد لا تقوم به الحجة، وإنما فعله احتياطًا وزيادة في التثبت. وقد قال عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم». فالحجة قائمة بخبر الواحد، وطلب الزيادة إنما هو لطمأنينة النفس.

ويضرب الإمام لذلك مثلًا بالقاضي الذي يكون عنده شاهدان عدلان فيطلب شاهدًا ثالثًا. فهو لا يطلبه لأن الحكم لا يصح إلا به، وإنما يطلبه احتياطًا لنفسه، ولو لم يأته الثالث لحكم بالشاهدين.

ثم ذكر الإمام احتمالًا آخر، وهو أن عمر لم يكن يعرف حال المخبر معرفة تامة فتوقّف حتى يتبيّن له حاله، لأن الخبر لا يُقبل إلا ممن عُرفت عدالته وضبطه.

المحور الخامس: شروط قبول خبر المخبر

يقرر الإمام الشافعي أن الخبر لا يُقبل إلا عن معروف بالصدق والعدالة والضبط. فكون الخبر خبر واحد لا يمنع قبوله، وإنما الذي يمنعه جهالة حال راويه أو الطعن في عدالته أو حفظه.

وبهذا يجمع الإمام بين أمرين: إثبات حجية خبر الواحد الثقة، ووجوب التثبت من حال الرواة. وعلى هذا الأصل قام علم الجرح والتعديل الذي حفظ الله به السنة النبوية من الدخيل.

النقاط الرئيسية

  • افتتاح مجالس العلم بخطبة الحاجة سنة نبوية، ومحورها الأمر بتقوى الله تعالى.
  • اعتذر الإمام الشافعي عن إيراد بعض الأحاديث منقطعة بضياع بعض كتبه، مع أنه سمعها متصلة أو مشهورة عند أهل العلم.
  • عمل الصحابة رضي الله عنهم بخبر الواحد، كأخذ عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس.
  • طلب عمر رضي الله عنه شاهدًا مع أبي موسى كان احتياطًا وتثبتًا، لا ردًّا لخبر الواحد.
  • زيادة القاضي في عدد الشهود طلبًا لطمأنينة النفس لا تعني أن الحكم لا يقوم بالبيّنة الأصلية.
  • قد يتوقف المجتهد في الخبر لعدم معرفته بحال المخبر، لا لكونه خبر واحد.
  • لا يُقبل الخبر إلا ممن عُرف بالصدق والعدالة والضبط.

الفوائد والعبر

  • تعظيم السنة النبوية والعمل بما صحّ منها، ولو جاءت من طريق راوٍ واحد ثقة، اقتداءً بالصحابة رضي الله عنهم.
  • التثبت في نقل الأخبار، ولا سيما ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحذر من التقوّل عليه.
  • التحلي بالأمانة العلمية والاعتذار عن التقصير، كما فعل الإمام الشافعي حين بيّن سبب انقطاع بعض الأسانيد في كتابه.
  • التفريق بين ردّ الحق وبين الاحتياط له، فالاحتياط محمود ما دام لا يؤدي إلى إبطال حجة شرعية ثابتة.
  • العناية بمعرفة أحوال الرواة والناقلين، والتأني في الحكم على الأحاديث حتى تُجمع طرقها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات