شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (10) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,439 مشاهدة
329 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

يُعدّ كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أول مصنَّف مستقل في علم أصول الفقه. وضع فيه الإمام قواعد فهم الكتاب والسنة وبيّن صلة كلٍّ منهما بالآخر، فصار عمدةً لطلاب العلم في معرفة طرق الاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية.

في هذا الدرس العاشر من شرح الكتاب يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله الشرح. ويفتتح المجلس بخطبة الحاجة، ثم يتناول باب «الفرائض المنصوصة التي سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم معها»، وهو باب يكشف دور السنة النبوية في بيان ما أجمله القرآن الكريم. ومن أمثلته فريضة الوضوء والغسل من الجنابة، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم لصفتهما وموجباتهما.

ويهدف الدرس إلى أن يدرك المتعلم:

  • العلاقة التكاملية بين القرآن والسنة.
  • الفرق بين القدر المجزئ من العبادة والقدر الأكمل الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أن السنة مصدر تشريعي يبيّن ويفصّل، ويأتي أحيانًا بأحكام لم يُنصّ عليها في الكتاب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة والتأسيس للمجلس العلمي

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه، وفيها حمد الله والاستعانة به والاستغفار، والاستعاذة من شرور النفس وسيئات الأعمال، وشهادة التوحيد والرسالة، والتحذير من محدثات الأمور.

وفي هذا الافتتاح إحياء لسنة نبوية، وتذكير بأن طلب العلم عبادة تبدأ بتعظيم الله وتقواه والاعتصام بالكتاب والسنة. ثم دعا الشيخ للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الختام، وأن يجنّبهم الله الفتن ما ظهر منها وما بطن.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

المحور الثاني: باب الفرائض المنصوصة التي سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم معها

يقرر الإمام الشافعي في هذا الباب أن من أنواع البيان أن ينصّ الله تعالى على فريضة في كتابه، ثم يسنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم معها ما يبيّن كيفيتها، ويوضّح قدرها، ويحدد ما يوجبها.

ومثّل الشافعي لذلك بالطهارة. فقد فرض الله الوضوء والغسل في كتابه، وجاءت السنة ببيان صفة الوضوء وعدد مرات الغسل فيه، وصفة الغسل من الجنابة، وما يجب منه الوضوء، وما يكون جنابةً موجبة للغسل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]

المحور الثالث: الغسل من الجنابة بين القدر المجزئ والهدي الأكمل

بيّن الشيخ أن الله تعالى فرض الغسل من الجنابة، ولم يحدد فيه أعضاءً بعينها كما حدد أعضاء الوضوء. فالفرض فيه أن يعمّ الماءُ الجسدَ كاملًا، وبهذا تزول الجنابة إن شاء الله.

ويترتب على ذلك أن من بدأ في غسله بأسفل بدنه أو بأعلاه، أو بالأيمن أو بالأيسر، أو بدأ بالوضوء، فغسله مجزئ صحيح ما دام قد عمّ جسده بالماء.

لكن السنة والأفضل والأحب أن يغتسل المسلم كما اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن اختار غير ذلك فقد ترك الأكمل مع صحة غسله. وهذا تفريق مهم بين ركن العبادة الذي لا تصح إلا به، وكمالها الذي يُثاب عليه المتّبع.

عن عائشة رضي الله عنها قالت:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ...» [متفق عليه]

وقال تعالى:

﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]

المحور الرابع: بيان السنة لموجبات الوضوء والغسل

أوضح الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّ لأمته ما يجب منه الوضوء، وبيّن الجنابة التي يجب بها الغسل.

فالجنابة تشمل الاحتلام مع خروج الماء، كما في حديث «الماء من الماء». وتشمل الجماع مع الإنزال، وتشمل الجماع وإن لم يُنزل. فكل ذلك من الجنابة التي يُغتسل منها.

وتفصيل هذه الصور لم يأتِ منصوصًا في القرآن الكريم بعينه، وإنما جاءت به السنة. وهذا دليل ظاهر على أن الحجة قائمة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله أوجب طاعته فيما بيّنه من أمور لم يرد نصها في الكتاب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» [رواه مسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» [متفق عليه]، وزاد مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».

المحور الخامس: مكانة السنة في التشريع ووجوب الأخذ بها

يرسّخ هذا الباب أصلًا عظيمًا من أصول الإمام الشافعي: السنة شارحة للقرآن ومبيّنة لمجمله، وقد تستقل بأحكام لم ترد في الكتاب. وكل ذلك داخل في طاعة الله، لأن الله أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن ثَمّ فلا يصح الاكتفاء بالقرآن عن السنة، إذ لا تُعرف كيفية كثير من العبادات كالوضوء والغسل والصلاة إلا ببيانه صلى الله عليه وسلم. وهذا ردٌّ عملي على من يزهّد في السنة أو يدّعي الاستغناء عنها.

قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

النقاط الرئيسية

  • افتتاح مجالس العلم بخطبة الحاجة سنة نبوية تذكّر بالتقوى والاعتصام بالكتاب والسنة.
  • من أنواع البيان عند الشافعي: فرائض نصّ عليها القرآن، وسنّ النبي صلى الله عليه وسلم معها ما يبيّن صفتها وقدرها.
  • فرض الغسل من الجنابة هو تعميم الجسد بالماء، دون تحديد أعضاء معينة كما في الوضوء.
  • الغسل يجزئ بأي ترتيب كان ما دام الماء قد عمّ البدن، والأفضل اتباع صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم.
  • السنة بيّنت صور الجنابة الموجبة للغسل: الاحتلام مع الإنزال، والجماع مع الإنزال، والجماع وإن لم يُنزل.
  • السنة النبوية حجة مستقلة قد تأتي بأحكام لم يُنص عليها في القرآن، وطاعتها من طاعة الله.
  • التفريق بين القدر المجزئ في العبادة والقدر الأكمل أصلٌ فقهي مهم في فهم الأحكام.

الفوائد والعبر

  • الحرص على الكمال مع معرفة الإجزاء: يطمئن المسلم إلى صحة طهارته متى أتى بالفرض، ويحرص مع ذلك على الهدي النبوي الكامل لينال أجر الاتباع.
  • تصحيح العبادة بالعلم: معرفة موجبات الغسل والوضوء تحفظ على المسلم صلاته، فلا يصلي وهو على غير طهارة جهلًا منه.
  • تعظيم السنة النبوية: لا يمكن فهم القرآن وتطبيق أحكامه إلا بالسنة، فيزداد المسلم تمسكًا بها ودفاعًا عنها.
  • التيسير ورفع الحرج: بيان أن الغسل يصح بأي ترتيب يرفع الوسوسة والتشدد عن المسلم، ويُظهر سماحة الشريعة.
  • منهجية طلب العلم: دراسة كتب الأصول ككتاب «الرسالة» تبني لدى طالب العلم ملكة الاستدلال، وتربطه بمنهج السلف في فهم النصوص.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات