شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (9) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس التاسع من سلسلة شرح كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يواصل الشيخ فيه عرض فوائد ذكر الله تعالى التي ساقها الإمام ابن القيم، وهي فوائد عظيمة تجمع بين صلاح القلب وحفظ اللسان وسعادة الدنيا والآخرة.
يتناول الدرس جملة من هذه الفوائد. فالذكر يشغل اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش. ومجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين. والذكر يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة، وهو غراس الجنة، وعليه رُتِّب من الأجر ما لم يُرتَّب على غيره من الأعمال. ويختم الشيخ ببيان أن نسيان الذكر يورث نسيان العبد نفسه، وأن الإعراض عن ذكر الله سبب للمعيشة الضنك.
أهداف الدرس: أن يدرك المسلم أثر الذكر في تهذيب اللسان والسلوك، وأن يعرف عظيم الأجر المترتب على الأذكار الصحيحة، وأن يميّز بين الثابت منها وما تُكُلِّم في إسناده، وأن يحذر من عاقبة الغفلة والإعراض عن ذكر الله وكتابه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الذكر يشغل اللسان عن الباطل
قرّر الإمام ابن القيم أن الذكر سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل. فاللسان لا يسكت أبدًا، فإما أن يكون لسانًا ذاكرًا، وإما أن يكون لسانًا لاغيًا. ولا سبيل إلى السلامة من آفات اللسان إلا بذكر الله تعالى، وهذا أمر تشهد به التجربة والمشاهدة. فمن عوّد لسانه ذكر الله صان الله لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله ترطّب بكل باطل ولغو وفحش.
وبيّن الشيخ أن من أخبث آفات اللسان ما يقع فيه بعض الناس من الطعن في الآخرين ونسبة الأقوال إليهم كذبًا. وذكر ما يُنسب إليه من أقوال لم يقلها، وتبرّأ منها، ونبّه إلى أن هذا من الكذب المحرّم والطعن بغير حق، وأن المسلم مسؤول عن كل كلمة يقولها أو ينقلها.
وضرب الشيخ أمثلة واقعية على أثر العادة في اللسان والقلب. فمن اعتاد كثرة الكلام في المجالس يصعب عليه الصمت. ومن اعتاد سماع الغناء يثقل عليه سماع كلام الله، ولا يصبر على تلاوة القرآن. ومن اعتاد في الأسواق الحلف بالطلاق أو السب صار ذلك يجري على لسانه بلا شعور. فالعادة تغلب صاحبها، ولذا كان تعويد اللسان على الذكر من أعظم أسباب حفظه.
المحور الثاني: مجالس الذكر ومجالس الغفلة وأثرها على الجليس
ومن فوائد الذكر أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين. فليتخيّر العبد أعجبهما إليه وأولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.
ومنها أن الذاكر يسعد بذكره، ويسعد به جليسه، وهذا هو المبارك أينما كان. أما الغافل اللاغي فيشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مجالسه. ولهذا ينبغي للمسلم أن يحسن اختيار من يجالس، فالجليس الصالح يدلك على الله، وجليس السوء يجرّك إلى المعصية.
ومنها أن الذكر يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة. فكل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وتِرَة يوم القيامة، يوم يرى أهل الذكر ما نالوه من الأجر.
المحور الثالث: الذكر في الخلوة وفضل الاشتغال به وتيسّره
ومن فوائد الذكر أن الذكر مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله تعالى العبد يوم الحرّ الأكبر في ظل عرشه، والناس في حرّ الشمس قد صهرتهم في الموقف. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الفضل خاص بذكر الخلوة، بعيدًا عن أعين الناس، لأنه أقرب إلى الإخلاص. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ... وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [متفق عليه]
ومنها أن الاشتغال بالذكر سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي السائلين. واستُدل لذلك بحديث:
«مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» [نبّه الشيخ إلى أن هذا الحديث مختلفٌ فيه من جهة الإسناد]
ومنها أن الذكر أيسر العبادات، وهو من أجلّها وأفضلها. فحركة اللسان أخف حركات الجوارح، ولو تحرك عضو آخر من أعضاء الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشقّ عليه ذلك غاية المشقة. فالذكر عبادة لا تحتاج إلى جهد ولا إلى مال، ويؤديها العبد قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وماشيًا، وفي كل حال.
المحور الرابع: الذكر غراس الجنة، وعظيم الأجر المرتّب عليه
ومن فوائد الذكر أنه غراس الجنة، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» [رواه الترمذي]
ومنها أن العطاء والفضل المرتّب على الذكر لم يُرتَّب على غيره من الأعمال، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» [متفق عليه]
«لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» [رواه مسلم]
«مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي وَإِذَا أَصْبَحَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» [رواه الترمذي من حديث ثوبان رضي الله عنه]
وأورد الإمام ابن القيم أحاديث أخرى، فبيّن الشيخ حالها من جهة الإسناد:
- حديث أنس رضي الله عنه في ذكر «اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ...» وعتق ربع الذاكر من النار بكل مرة: ذكر الشيخ أن في إسناده ضعفًا، وإن حسّنه بعض أهل العلم.
- حديث ذكر دخول السوق وما فيه من كتابة ألف ألف حسنة: بيّن الشيخ أنه متكلَّم فيه، وأن بعض أهل العلم حسّنه لغيره.
وفي هذا تنبيه لطالب العلم على التحري في نسبة الأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى تمييز صحيحها من ضعيفها.
المحور الخامس: الذكر حياة القلب، والإعراض عنه سبب المعيشة الضنك
ومن فوائد الذكر أن دوامه يوجب الأمان من نسيان العبد نفسه، وهذا النسيان سبب شقائه في معاشه ومعاده. فمن نسي الله أنساه نفسه ومصالحها، فأهملها حتى فسدت وهلكت. قال تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]
وبيّن أن منزلة الذكر من القلب كمنزلة الماء من السمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ فلا حياة للقلب ولا صلاح له إلا بذكر الله. ومن أعرض عن ذكر الله عوقب بالمعيشة الضنك في الدنيا، ونُسي في العذاب يوم القيامة، كما نسي آيات ربه في الدنيا فلم يتذكرها ولم يعمل بها. قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 124-126]
و«الذكر» في الآية يتضمن معنيين:
- الذكر المنزَّل: وهو كتاب الله، فالإعراض عنه يكون بترك قراءته وتدبره وفهمه والعمل به.
- ذكر العبد ربه: بأسمائه وصفاته وأوامره ونعمه، فالإعراض عنه يكون بالغفلة عن ذلك كله.
وقد فسّر بعض السلف المعيشة الضنك بعذاب القبر. والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ، فهو في ضنك وضيق في الحالين، وإن بدا للناس في سعة من العيش. وهذا عكس حال أهل السعادة والفلاح، الذين وعدهم الله الحياة الطيبة في الدارين. قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]
النقاط الرئيسية
- اللسان لا يسكت، فإما أن يشتغل بالذكر، وإما أن يشتغل بالغيبة والنميمة والكذب والباطل.
- مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، والذاكر مبارك يسعد به جليسه.
- كل مجلس خلا من ذكر الله يكون على صاحبه حسرة يوم القيامة.
- الذكر في الخلوة مع فيض الدمع من أسباب الاستظلال بظل العرش يوم القيامة.
- الذكر أيسر العبادات وأجلّها، وهو غراس الجنة، وعليه رُتّب من الأجر ما لم يُرتّب على غيره.
- ينبغي التحري في الأحاديث، وتمييز الصحيح من الضعيف والمتكلَّم فيه.
- نسيان الله يورث نسيان النفس، والإعراض عن ذكره وكتابه سبب للمعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ والآخرة.
الفوائد والعبر
- عوِّد لسانك الذكر: فالعادة تغلب صاحبها. اجعل التسبيح والتهليل يجري على لسانك في الطريق والعمل والسوق، يصُنْك الله عن اللغو والفحش.
- تخيَّر مجالسك وجلساءك: احرص على المجالس التي يُذكر فيها الله، واجتنب مجالس الغيبة والطعن في الناس ونقل الكلام بلا تثبّت.
- حافظ على الأذكار الصحيحة: كقول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له...» مائة مرة، و«سبحان الله وبحمده» مائة مرة، وذكر الرضا صباحًا ومساءً، لما فيها من الأجر العظيم.
- اجعل لك خلوة مع ربك: تذكره فيها بعيدًا عن أعين الناس، لعلك تكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
- لا تهجر كتاب الله: فالإعراض عن تلاوته وتدبره والعمل به سبب لضيق العيش وقسوة القلب، والإقبال عليه طريق الحياة الطيبة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات