شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (20) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,002 مشاهدة
398 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العشرون من شرح كتاب «الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب» للإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ في هذا المجلس شرح فصول الأذكار المتعلقة بأحوال المسلم اليومية وعباداته، فيبيّن ما صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وما لم يصح.

يتناول المجلس عدة فصول: الذكر عند دخول الخلاء والخروج منه، والذكر عند الوضوء وبعد الفراغ منه، والأدعية الواردة في صلاة الجنازة، وكفارة الكلام اللاغي والحلف بغير الله، وكفارة الغيبة وهل يُشترط إعلام المغتاب، ثم ما يُقال ويُفعل عند كسوف الشمس وخسوف القمر.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم الأذكار الثابتة في هذه المواطن فيحفظها ويعمل بها، وأن يميّز صحيحها من ضعيفها، وأن يدرك أن الأذكار مبنية على التوقيف، فلا يُتعبَّد الله فيها إلا بما شرعه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أذكار دخول الخلاء والخروج منه

بيّن الشيخ أن المسلم يستعيذ بالله عند دخول الخلاء، لأن هذه الأماكن تحضرها الشياطين، ولأن العبد لا يذكر الله فيها. والثابت في ذلك حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».

وفي سنن أبي داود من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، ومعنى «محتضرة» أي تحضرها الجن والشياطين. ونبّه الشيخ على أن رواية «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» إسنادها ضعيف. وذكر حديث علي رضي الله عنه: «سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ»، وهو مما تكلم أهل العلم في إسناده وله شواهد.

وعند الخروج يقول المسلم ما رواه أهل السنن عن عائشة رضي الله عنها: «غُفْرَانَكَ». ومن حِكَم ذلك أن العبد لم يذكر الله في ذلك المقام. أما حديث «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» عند ابن ماجه فإسناده ضعيف.

المحور الثاني: الذكر عند الوضوء وبعده

تُشرع التسمية عند الوضوء، ودليلها حديث أنس رضي الله عنه حين وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الإناء وقال: «تَوَضَّؤُوا بِسْمِ اللَّهِ». وبيّن الشيخ أن التسمية ليست شرطًا ولا ركنًا، فمن نسيها صح وضوؤه.

وأما الذكر بعد الفراغ من الوضوء فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».

وأشار الشيخ إلى أن زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» تكلم فيها أهل العلم. وذكر ما رواه النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». والصواب فيه الوقف، لكن له حكم الرفع لأنه مما لا يُقال بالرأي.

ونبّه الشيخ على أن ما يذكره بعض الناس من أدعية خاصة عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة. وقرر أن الأذكار مبنية على التوقيف، وأن الخير كله في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

المحور الثالث: الدعاء للميت في صلاة الجنازة

ذكر الشيخ حديث عوف بن مالك رضي الله عنه في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فحفظ من دعائه:

«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ».

وقال عوف بعد ذلك: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وتوقف الشيخ عند قوله «وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ»، فبيّن أن الزوجين الصالحين يجتمعان في الجنة، وأن الخيرية المقصودة هي خيرية في الصفات، إذ يُذهب الله ما كان في الدنيا من نقص وأخطاء.

ومن الأدعية الواردة كذلك ما في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ». ومنها حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». ومنها كذلك: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ».

وشرح الشيخ معنى فتنة القبر، وهي سؤال الملكين واختباره، وعذاب النار. ودعا المسلم إلى الاجتهاد في الدعاء للميت، فهو آخر ما يُخرج به من الدنيا من دعوات الصالحين.

المحور الرابع: كفارة الكلام اللاغي والغيبة

من جرى على لسانه كلام محرم أو لغو، شُرع له أن يأتي بما يكفّره. وذكر الشيخ حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين حلف باللات والعزى وكان عهده قريبًا بالجاهلية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:

«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» ثلاثًا، «وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَا تَعُدْ».

وأما كفارة الغيبة، فالحديث الوارد فيها «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» ضعيف. وقد اختلف العلماء في اشتراط إعلام المغتاب واستحلاله. ورجّح الشيخ ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، أنه لا يُشترط إعلامه، ويكفي أن يستغفر له ويدعو له ويذكر محاسنه في المجالس التي اغتابه فيها.

وفرّق ابن القيم بين الحقوق المالية والغيبة، فالحقوق المالية ينتفع صاحبها بردها، أما الغيبة فإعلام صاحبها يُحدث العداوة ويوغر الصدور ولا يحقق مقصودًا شرعيًا. ومبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها لا على تكثيرها.

المحور الخامس: ما يُقال ويُفعل عند الكسوف والخسوف

بيّن الشيخ أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يرسلهما الله تخويفًا لعباده، ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا».

وصلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجودان، مع إطالة القيام والقراءة. والمشروع عند هذه الآية الفزع إلى الصلاة والذكر والدعاء والصدقة والاستغفار، لا الانشغال عنها بالتفسيرات الدنيوية وحدها.

النقاط الرئيسية

  • الأذكار مبنية على التوقيف، فلا يُشرع منها إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يُشرع عند دخول الخلاء قول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، وعند الخروج: «غُفْرَانَكَ».
  • التسمية في الوضوء مشروعة لكنها ليست شرطًا، ومن نسيها صح وضوؤه.
  • من أسبغ الوضوء ثم تشهّد فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
  • ما يُقال من أذكار عند غسل كل عضو في الوضوء لا أصل له في السنة.
  • الراجح أن كفارة الغيبة تكون بالاستغفار للمغتاب وذكر محاسنه، دون اشتراط إعلامه.
  • الكسوف والخسوف آيتان للتخويف، يُشرع عندهما الصلاة والدعاء والتكبير والصدقة.

الفوائد والعبر

  • احرص على حفظ أذكار الخلاء والوضوء الثابتة والمواظبة عليها، فهي حصن من الشيطان وسبب لدخول الجنة.
  • تحرَّ الصحيح من الأذكار والأدعية، واترك ما لا أصل له، فالخير كله في الاتباع.
  • اجتهد في الدعاء لإخوانك الأموات في صلاة الجنازة بالأدعية المأثورة، فهو من أعظم ما تنفعهم به.
  • إذا زلّ لسانك بكلام محرم فبادر إلى كفارته بالتوحيد والاستعاذة. وإن اغتبت أحدًا فاستغفر له واذكر محاسنه حيث ذكرته بسوء.
  • اجعل من الآيات الكونية كالكسوف والخسوف موعظة تردك إلى الله بالصلاة والتوبة والصدقة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات