شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (6) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,845 مشاهدة
412 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس من سلسلة شرح كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويُعدّ هذا الكتاب من أنفع ما صُنّف في أعمال القلوب وفضل ذكر الله تعالى، إذ يجمع فيه الإمام ابن القيم بين التأصيل الشرعي والتحليل الدقيق لأحوال النفس البشرية وما يعرض لها من أمراض وآفات.

يتناول هذا المجلس أصلًا عظيمًا من أصول التزكية، وهو حقيقة المعركة الدائرة في قلب العبد بين جند الإيمان وجند الشيطان، وكيف يكون العبد منصورًا أو مخذولًا بحسب ما معه من عُدّة الإيمان وما يعتصم به من ذكر الله وطاعته. ويقف الشرح كذلك عند أثر ذلك في عبادة العبد، وفي مقدمتها الصلاة التي هي ميدان من أعظم ميادين هذه المجاهدة.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم عدوه وطرائق كيده، وأن يدرك أسباب النصر عليه، وأن يحرص على صيانة قلبه وحفظ صلاته، حتى يخرج من مجاهدته غانمًا لا مغبونًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: القلب ميدان المعركة بين الإيمان والشيطان

يقرر الإمام ابن القيم أن القلب هو ملك الأعضاء، وأنه الحصن الذي يسعى الشيطان إلى اقتحامه والاستيلاء عليه. فإذا صلح القلب صلحت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت. ولهذا كان الشيطان حريصًا على أن يجد فيه ثغرة يدخل منها، من شهوة أو شبهة أو غفلة.

ويبيّن الشيخ أن العبد لا يخلو في كل لحظة من هذه المدافعة، فهي حرب دائمة لا هدنة فيها، وأن الغافل عنها قد أسلم حصنه لعدوه وهو لا يشعر.

قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (متفق عليه).

وقال ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» (متفق عليه).

المحور الثاني: عُدّة الإيمان سبب النصر على الشيطان

يوضح الشرح أن العبد إذا كان معه من الإيمان عُدّة تقاوم ما يرد عليه من كيد الشيطان وتزيد عليها، انتصر على عدوه وقهره. وإذا ضعفت عُدّته وقلّ زاده من الإيمان، تسلّط عليه الشيطان وغلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فالنصر إذن ليس بقوة البدن، بل بقوة الإيمان واليقين، والاعتصام بالله، ودوام ذكره. ومن أعرض عن ذكر الله تولّاه الشيطان، ومن تولّاه الله فلا سلطان للشيطان عليه.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

المحور الثالث: عداوة الشيطان وضعف كيده أمام أولياء الله

يؤكد الشيخ أن الشيطان عدو مبين للإنسان، يدعوه إلى ما يهلكه في دنياه وآخرته، ويزيّن له الباطل، ويقعد له بكل طريق من طرق الخير. لكن كيده مع ذلك ضعيف أمام من استعان بالله وتحصّن بذكره.

فالواجب على المسلم أن يتخذ الشيطان عدوًا حقيقيًا، فلا يأمنه ولا يستسلم لوساوسه، بل يقابل كل خاطرة سوء بالاستعاذة والذكر والعمل الصالح.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

المحور الرابع: الصلاة ميدان المجاهدة وتفاوت الناس فيها

من أعظم مواطن هذه المدافعة الصلاة، إذ يحرص الشيطان على أن يحول بين العبد وبين حضور قلبه فيها، فيذكّره بما لم يكن يذكر، حتى يخرج منها وقد ضاع عليه أكثر أجرها.

ويتفاوت الناس في صلاتهم تفاوتًا عظيمًا بحسب ما يحضرهم من الخشوع، فمنهم المضيّع لها، ومنهم المجاهد لوساوسه، ومنهم من أقبل على ربه بقلبه كله. وأجر كل مصلٍّ بقدر ما عقل من صلاته.

قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].

وقال النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (رواه أبو داود).

النقاط الرئيسية

  • القلب ملك الأعضاء وحصنها، وهو الميدان الأول للمعركة بين الإيمان والشيطان.
  • المجاهدة بين العبد وعدوه دائمة لا تنقطع ما دام في الدنيا.
  • النصر على الشيطان يكون بقدر ما مع العبد من عُدّة الإيمان والتقوى والذكر.
  • إذا ضعف الإيمان تسلّط الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
  • كيد الشيطان ضعيف أمام عباد الله المخلصين المتحصّنين بذكره.
  • الصلاة من أعظم مواطن المجاهدة، والشيطان يسعى لصرف القلب عنها.
  • أجر المصلي بحسب حضور قلبه وخشوعه، والناس في ذلك متفاوتون تفاوتًا عظيمًا.

الفوائد والعبر

  • تعاهَد قلبك بالمحاسبة الدائمة، فإنه موضع نظر الله ومحل صلاح العمل كله.
  • أكثِر من ذكر الله والاستعاذة به، فهما الحصن الحصين من كيد الشيطان ووساوسه.
  • احرص على تقوية إيمانك بالطاعات والعلم النافع، فهي العُدّة التي تنتصر بها في معركتك.
  • جاهِد نفسك على الخشوع في الصلاة، وتدبّر ما تقرأ، فإنما لك من صلاتك ما عقلت منها.
  • إذا مسّك طائف من الشيطان فبادِر بالتذكّر والتوبة، ولا تستسلم لخطواته.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات