شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (7) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,859 مشاهدة
99 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس فصلاً مهماً من الكتاب في فضل الصدقة وثمراتها في الدنيا والآخرة، ويبيّن الإمام فيه أن الصدقة من أعظم أسباب النجاة من النار، وانشراح الصدر، وسعة القلب.

ويقف الشيخ مع النصوص التي ساقها ابن القيم، فيشرح مثل البخيل والمتصدق، وحقيقة السخاء وأنواعه، وذم الشح، ثم يبيّن قاعدة عظيمة في معاملة الله لعباده، وهي أن الجزاء من جنس العمل، وأن الله سبحانه يحب من عباده أن يتخلّقوا بما يناسب أسماءه وصفاته من الكرم والرحمة والعفو.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المسلم منزلة الصدقة، وأن يرغب في البذل والجود، وأن يعالج داء الشح في نفسه، وأن يفهم أن ما يبذله من خير يعود عليه بأضعافه من الله الكريم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضل الصدقة وأثرها في النجاة من النار

يقرر ابن القيم أن الصدقة لها أثر عجيب في دفع البلاء، حتى لو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن الله يدفع بها عنه أنواعاً من البلاء. وهي تطفئ غضب الرب، وتمحو الخطايا كما يطفئ الماء النار.

ومن ذلك وصية النبي ﷺ للنساء يوم العيد بالصدقة، لأنهن أكثر أهل النار، فجعل الصدقة سبباً للوقاية منها. ويبيّن الشيخ أن أبواب الصدقة واسعة، فكفّ الأذى عن الناس صدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة الضعيف كلها من الصدقات التي يتقرب بها العبد إلى ربه.

قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (رواه الترمذي من حديث معاذ رضي الله عنه).

وقال ﷺ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» (رواه الترمذي).

وقال ﷺ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» (متفق عليه).

وقال ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (متفق عليه).

المحور الثاني: مثل البخيل والمتصدق وانشراح الصدر بالبذل

ذكر ابن القيم الحديث الذي ضرب فيه النبي ﷺ مثل البخيل والمتصدق برجلين عليهما جُبّتان من حديد. فكلما همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه جبّته حتى تغطيه كله، وكلما همّ البخيل بصدقة انقبضت ولزمت كل حلقة مكانها.

وبيّن الإمام أن هذا مثل لحال القلب: فالمتصدق ينشرح صدره ويتسع قلبه وتطيب نفسه، والبخيل ضيّق الصدر صغير النفس، قليل الفرح كثير الهم والغم، لا يكاد يقضي لأحد حاجة. ولذلك كان جزاء البخيل من جنس عمله، فمن منع الخير مُنع انشراح الصدر.

ونبّه الشيخ إلى أن المتصدق يجد في نفسه بعد الصدقة راحة وطمأنينة، ولو كانت صدقته قليلة، وهذا أمر يعرفه كل من جرّبه.

قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ...» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

المحور الثالث: ذم الشح وأن الفلاح في الوقاية منه

الشح أشد من البخل، فهو حرص النفس على ما ليس عندها وإمساكها لما عندها. وقد جعل الله الفلاح في الوقاية منه. ولذلك كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف بالبيت ويقول: «رب قِني شُحّ نفسي»، لعلمه أن من وُقي شح نفسه فقد أفلح.

ويشير الشيخ إلى أن البخل يثمر خصالاً قبيحة، وأن السخاء يستر العيوب. فالكريم يغفر الناس زلته، والبخيل لا تنفعه محاسنه، وكان السلف يقولون: «تغطَّ بأثواب السخاء، فإني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه».

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

المحور الرابع: حقيقة السخاء ونوعاه وكرم الله ورسوله ﷺ

يقسّم ابن القيم السخاء إلى نوعين، وأشرفهما سخاء النفس عمّا في أيدي الناس، وهو الزهد فيما عندهم والتعفف عن التطلع إليه. والنوع الثاني بذل المال والإحسان به إلى الخلق. ويذكر الشيخ أن من العلماء من بلغ الغاية في النوع الأول، فترفّع عن أموال الدنيا وعطايا السلاطين.

والله سبحانه كريم جواد يحب الكرماء، وقد كان النبي ﷺ أجود الناس، وما سُئل شيئاً قط فقال: لا. ومن صور الكرم في القرآن ضيافة إبراهيم عليه السلام لأضيافه، إذ أسرع إلى أهله فجاء بعجل سمين، وقرّبه إليهم بنفسه، وعرض عليهم الطعام بلطف.

قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍۢ سَمِينٍۢ ۝ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 26-27].

وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» (رواه الطبراني والحاكم).

وعن جابر رضي الله عنه قال: «مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا» (متفق عليه).

المحور الخامس: الجزاء من جنس العمل

يقرر ابن القيم أن الله سبحانه رحيم يحب الرحماء، عفوّ يحب من يعفو عن عباده، ستّير يحب من يستر عليهم. ويعامل عبده بمثل ما يعامل به خلقه: فمن عفا عفا الله عنه، ومن سامح سامحه، ومن رفق رفق به، ومن رحم رحمه، ومن ستر ستره، ومن تتبّع العورات تتبّع الله عورته وفضحه.

ومن هذا الباب أن المنافقين لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، أظهر الله لهم يوم القيامة نوراً على الصراط ثم أطفأه، فكان جزاؤهم من جنس عملهم. وينبّه الشيخ إلى أن من أعظم ما يُرجى به عفو الله أن يعفو العبد عمّن أساء إليه، فالله أولى بالعفو والكرم.

قال النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَٰنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود والترمذي).

النقاط الرئيسية

  • الصدقة تطفئ غضب الرب، وتمحو الخطايا، وتدفع البلاء وميتة السوء.
  • الصدقة من أعظم أسباب النجاة من النار، ولذلك أمر النبي ﷺ النساء بالإكثار منها.
  • أبواب الصدقة واسعة، ومنها كفّ الأذى، والأمر بالمعروف، وإعانة المحتاج.
  • المتصدق منشرح الصدر واسع القلب، والبخيل ضيّق الصدر كثير الهم.
  • الفلاح معلّق بالوقاية من الشح، والسخاء يستر العيوب.
  • أشرف السخاء سخاء النفس عمّا في أيدي الناس، ويليه بذل المال في وجوه الخير.
  • الجزاء من جنس العمل، والله يعامل العبد بمثل ما يعامل به عباده.

الفوائد والعبر

  • المداومة على الصدقة ولو بالقليل، فإن أثرها في الراحة وانشراح الصدر يجده المتصدق في نفسه سريعاً.
  • الدعاء بما كان يدعو به عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «رب قِني شح نفسي»، ومجاهدة النفس على البذل.
  • التعفف عمّا في أيدي الناس، وتربية النفس على الاستغناء بالله والقناعة.
  • العفو عن المسيء والستر على الناس والرفق بهم، رجاء أن يعامله الله بمثل ذلك.
  • الاقتداء بكرم النبي ﷺ وإبراهيم عليه السلام في إكرام الضيف وقضاء حوائج الناس.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات