شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(12)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,411 مشاهدة
451 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي رحمه الله. ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بعد صلاة العشاء ليلة السبت الخامس عشر من ربيع الآخر سنة 1440هـ، الموافق للثاني والعشرين من ديسمبر سنة 2018م. ويتناول المجلس بابًا مهمًّا من أبواب أصول الدين، وهو «باب القول في وجوب العمل بخبر الواحد العدل».

وتظهر أهمية هذا الباب في أن أكثر السنة النبوية منقول بطريق الآحاد. فمن ردّ خبر الواحد فقد ردّ قسمًا عظيمًا من الدين، وفتح بابًا إلى إبطال سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولذلك عرض الشيخ أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على قبول خبر الواحد، ونقل كلام الإمام ابن القاصّ وكلام الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة»، ثم نقد شبهات أهل الكلام قديمًا ومن تبعهم من الطاعنين في السنة اليوم.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الأدلة الشرعية على حجية خبر الواحد، وأن يفهم وجه الاستدلال بالآيات والوقائع النبوية، وأن يقدر على الرد على من يشترط التواتر لقبول الأخبار، وأن يرى خطر هذا المذهب على الشريعة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: آية النَّفْر ودلالتها على قبول خبر الواحد

افتتح الخطيب البغدادي الباب بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. وبيّن الشيخ أن لفظ «الطائفة» يقع على الواحد وعلى الاثنين وعلى الكثير، فإذا رجع الواحد إلى قومه وأنذرهم قامت عليهم الحجة بكلامه. وأنكر الشيخ على من زعم أن الطائفة لا تُطلق على الواحد.

ثم ذكر الخطيب رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نسخت قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71] وقوله: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]. ونبّه الشيخ على أن إسنادها ضعيف، وأن الآيات ليست منسوخة، لأن تلك الآيات في الجهاد، وآية النفر في التفقه في الدين.

وأورد الخطيب أثر عكرمة بإسناد صحيح، وفيه أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] قال المنافقون: هلك من لم ينفر. وكان قوم قد تخلّفوا ليتفقهوا في الدين، فأنزل الله آية النفر، وأنزل في المنافقين: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 16].

وأما قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فمعناه إيجاب الحذر عليهم، كما في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. والحذر لا يجب إلا إذا قامت الحجة بخبر المنذِر.

المحور الثاني: آية التبيُّن والفرق بين خبر العدل وخبر الفاسق

استدل الخطيب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. فقد أمر الله بالتثبت في خبر الفاسق خاصة، وهذا يدل بمفهوم المخالفة على قبول خبر العدل. ولو كان خبر العدل وخبر الفاسق سواءً في وجوب التثبت لبيّن الله ذلك.

وأشار الشيخ إلى أن هذه الدلالة مأخوذة من فحوى الكلام ومفهومه، لا من منطوقه. وأن الله تعالى جعل الشهادات معدودة بأعداد محددة، كأربعة شهود في الزنا وشاهدين في غيره، وأطلق الأخبار ولم يقيدها بعدد. فدل ذلك على أن الخبر لا يُشترط فيه ما يُشترط في الشهادة.

المحور الثالث: كلام الإمام ابن القاصّ ونقض شبهة أهل الكلام

نقل الخطيب كلام أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاصّ: «لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد إذا عُدِّلت نقلته وسلم من النسخ حكمه، وإن كانوا متنازعين في شرائط ذلك». وبيّن أن الذي ردّ خبر الآحاد هم بعض أهل الكلام، لعجزهم عن علم السنن. فقد زعموا أنه لا يُقبل من الأخبار إلا ما تواتر بنقل من لا يجوز عليه الغلط والنسيان.

ورد ابن القاصّ هذا القول من وجهين. الأول: أنهم اشترطوا في الناقلين صفة الأمة المعصومة، والأمة إذا اتفقت على شيء وجب القول به ولو لم يأتِ فيه خبر، وذلك هو الإجماع. الثاني: أنه لو طولب أحدهم بسنة تواترت بنقل قوم سلموا من النسيان والخطأ لم يجد إليها سبيلًا.

وكانت شبهتهم أن آخر الإسناد هو النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز عليه الغلط، فأرادوا أن يكون أول الإسناد ووسطه كذلك. فبيّن ابن القاصّ أن هذا يلزمهم ألا يقبلوا إلا ما رواه الأنبياء، وهذا محال. واستدل أيضًا بأن اسم «الطائفة» يقع على القليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2].

وشبّه ابن القاصّ الأمر بالإنذار بالأمر بالإشهاد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. فكما يدل الأمر بالإشهاد على وجوب قبول الشهادة، يدل الأمر بالإنذار على وجوب قبول خبر المنذِر. ونظيره قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3].

المحور الرابع: أدلة الإمام الشافعي من الوقائع النبوية

نقل الخطيب كلام الإمام الشافعي رحمه الله في «الرسالة». وذكر الشيخ أن الشافعي أعظم من تكلم في حجية خبر الواحد، وأن الناس بعده تبعٌ له في هذا الباب. ومن أدلته:

  • تحويل القبلة: جاء رجل واحد إلى أهل قباء وهم في الصلاة، فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا». فاستداروا إلى الكعبة وهم في صلاتهم، وأقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
  • تحريم الخمر: كان أبو طلحة وجماعة يشربون الفضيخ، فأتاهم رجل واحد فأخبرهم أن الخمر قد حُرِّمت. فأمر أنس بن مالك رضي الله عنه بكسر الجرار وإراقة الشراب، ولم يقولوا: ننتظر حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم. وهم بذلك حرّموا ما كان حلالًا وأتلفوا المال بخبر واحد.
  • حديث أم سلمة رضي الله عنها: أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تُعلم المرأة السائلة أنه يقبّل وهو صائم، ولولا أن خبرها حجة لما أمرها بذلك.
  • قصة العسيف: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». فأُقيم الحد بخبر رجل واحد.
  • بعث الآحاد في المهمات: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهما في مهمات تتعلق بالدماء، وكلٌّ منهما رجل واحد.

وبيّن الشافعي أنه لو كان خبر الواحد لا تقوم به الحجة لأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولقال لهم: كيف تحوّلتم عن قبلتكم وأرقتم أموالكم بخبر واحد؟ فلما سكت وأقرّهم كان إقراره سنة في قبول خبر الواحد.

المحور الخامس: بعث العمال والرسل آحادًا وإجماع الصحابة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عماله ورسله إلى البلدان والملوك آحادًا، فبعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعليًّا رضي الله عنهم إلى اليمن. وقال لمعاذ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». وهذا في أصل العقيدة، والمبعوث واحد. فبطل قول من زعم أن خبر الواحد لا يُحتجّ به في العقائد، وشدد الشيخ النكير على قائله.

وكان هؤلاء العمال يخبرون الناس بشرائع دينهم، ويأخذون منهم ما أوجب الله عليهم، ويقيمون الحدود، وينفذون الأحكام. وولّى النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على الحج، ثم بعث عليًّا رضي الله عنه بأول سورة براءة فقرأها على الناس في الموسم. فنقض عهودًا وأمضى مُدَدًا، ونهى عن أمور وأمر بأخرى، ولم يقل له أحد من المسلمين ولا من المشركين: أنت واحد ولا تقوم بك الحجة حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فدل ذلك على أن قبول خبر الواحد ثابت بأمر الله، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبإجماع الأمة في زمن الصحابة رضي الله عنهم.

النقاط الرئيسية

  • العمل بخبر الواحد العدل واجب، ودلّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم.
  • لفظ «الطائفة» في آية النفر يقع على الواحد فما فوقه، وبإنذار الواحد تقوم الحجة على قومه.
  • الأمر بالتثبت في خبر الفاسق يدل بمفهومه على قبول خبر العدل دون تثبت.
  • ردّ خبر الآحاد بدأ عند بعض أهل الكلام لعجزهم عن علم السنن، وهو ذريعة إلى إبطال أكثر السنة النبوية.
  • من يشترط في النقلة عدم جواز الغلط والنسيان يلزمه ألا يقبل إلا ما رواه الأنبياء، وهذا محال.
  • تحويل القبلة في قباء، وإراقة الخمر عند تحريمها، وإقامة الحد بخبر أنيس، كلها وقائع عمل فيها الصحابة بخبر واحد وأقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم.
  • بعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله وعماله آحادًا حتى في الدعوة إلى التوحيد، فبطل القول بأن خبر الواحد لا يُقبل في العقيدة.

الفوائد والعبر

  • المسارعة إلى امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم متى بلغ الخبر الصحيح، كما فعل أهل قباء وأبو طلحة وأصحابه، دون تردد أو طلب مزيد من الأدلة.
  • الحذر من دعاوى الطاعنين في السنة الذين يتذرّعون باشتراط التواتر و«القطعية»، فغايتها ردّ أعظم الدين.
  • العناية بالأسانيد، والتمييز بين الصحيح والضعيف من الآثار، كما نبّه الشيخ على ضعف رواية النسخ عن ابن عباس وصحة أثر عكرمة.
  • التثبت في أخبار الفُسّاق، وقبول أخبار العدول الثقات، وهذا منهج يحفظ المجتمع من الظلم والندم.
  • الرجوع إلى كتب الأئمة الكبار كـ«الرسالة» للشافعي و«الفقيه والمتفقه» للخطيب لفهم أصول الاستدلال وبناء العلم على أساس متين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات