شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (3) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,233 مشاهدة
351 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد صلاة العشاء ليلة التاسع من شهر ربيع الآخر سنة 1438هـ، الموافق التاسع من شهر يناير سنة 2017م. ويستكمل الشيخ فيه الكلام على مسألة القدر، وكيف يدفع العبدُ القدرَ بالقدر، ثم ينتقل إلى موضوع خطير يقع فيه كثير من الناس، وهو الاغترار ومغالطة النفس في باب المعاصي والتوبة.

وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يكشف مداخل الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء التي تُزيّن للعبد المعصية، وتُهوّن عليه الذنب. فتارةً تُوهمه بسعة الرحمة، وتارةً تدفعه إلى تسويف التوبة، وتارةً تحمله على فهم النصوص الشرعية على غير وجهها، حتى يجترئ على محارم الله وهو يظن أنه على خير.

أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد الأمرين اللذين تقوم عليهما سعادة العبد وفلاحه، وأن يتعرّف على صور الاغترار وأنواع المغرورين التي ذكرها ابن القيم، وأن يفهم الرد العلمي على من يستدل بنصوص الرجاء استدلالًا خاطئًا، وأن يفرّق بين حسن الظن بالله الصادق والغرور الكاذب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأمران اللذان تقوم عليهما سعادة العبد

بيّن الشيخ أن الفقيه كل الفقيه هو الذي يردّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر. وأن هذه المسألة العظيمة تقوم على أمرين تتم بهما سعادة العبد وفلاحه. الأمر الأول: أن يعرف تفاصيل أسباب الخير والشر، ويكون على بصيرة منها. وأعظم ما يعين على ذلك تدبّر القرآن الكريم والسنة النبوية.

الأمر الثاني: أن يحذر العبد من مغالطة نفسه له. فكثير من الناس يعرف أن المعصية والغفلة من أسباب الضرر في الدنيا والآخرة، ولكن نفسه تغالطه. فتارةً تغالطه بالاتكال على عفو الله ومغفرته، وتارةً بالتسويف في التوبة، وتارةً بالاستغفار باللسان وحده. وتارةً تغالطه بفعل المندوبات مع الإصرار على المحرمات، أو بالاحتجاج بالقدر، أو بالاحتجاج بالأشباه والنظراء والاقتداء بالأكابر.

وأكّد الشيخ أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه سبحانه لا يُعجزه شيء. لكن من عدله وحكمته أنه لا يسوّي بين المسلم المطيع والمجرم المحارب لدينه.

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

[القلم: 35-36]

المحور الثاني: الاستغفار باللسان وخطورة حقوق العباد

نبّه الشيخ على أن كثيرًا من الناس يظن أنه إذا ارتكب المحرمات ثم قال: «أستغفر الله» زال أثر الذنب. وهذا من الغرور، لأن التوبة النصوح لها شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه. فإن تعلّق الذنب بحقوق الآدميين وجب ردّ الحقوق إلى أصحابها.

وأشار الشيخ إلى أن حقوق العباد ديوانٌ لا يُترك منه شيء. ففي يوم القيامة لا درهم ولا دينار، وإنما هي الحسنات والسيئات، يُؤخذ من حسنات الظالم فتُعطى للمظلوم. فلا يكفي أن يقول الإنسان: «أستغفر الله» وهو قد أكل أموال الناس وظلمهم.

كما ذكر ما أورده ابن القيم عن بعض المغرورين. فمنهم من يقول: أفعل ما أفعل ثم أقول «سبحان الله وبحمده» مائة مرة فيُغفر لي. ومنهم من يقول: إذا فعل أحدنا ذنبًا اغتسل وطاف بالبيت أسبوعًا (أي سبعة أشواط) فيُمحى عنه. وبيّن الشيخ أن هذا من الجهل والتلاعب بالشرع.

«مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»

[متفق عليه]

المحور الثالث: أصناف المغرورين كما ذكرهم ابن القيم

عدّد الشيخ أصنافًا من المغرورين ذكرهم الإمام ابن القيم رحمه الله:

  • من تعلّق بنصوص الرجاء وحدها واتكل عليها، وإذا عوتب على الخطايا سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله.
  • من اجترأ على الذنوب ثقةً بمغفرة الله، فاستصغر الذنب وتجرّأ على مولاه. ونقل الشيخ عن أبي محمد ابن حزم رحمه الله أنه رأى بعض هؤلاء يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من العصمة»!
  • من تعلّق بمذهب الجبر وزعم أن العبد لا فعل له ولا اختيار، وأنه مجبور على المعاصي.
  • من اغترّ بمذهب الإرجاء وزعم أن الإيمان مجرد التصديق، وأن الأعمال لا تدخل في مسمّاه، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل.
  • من اغترّ بمحبة الطرق والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرع إليهم، والاستشفاع والتوسل بهم إلى الله، وسؤاله بحقهم وحرمتهم عنده.
  • من اغترّ بآبائه وأسلافه وظن أن لهم عند الله مكانة يخلّصونه بها، كما يشفع خواص الملوك لأبنائهم وأقاربهم.
  • من اغترّ بأن الله غني عن عذابه وأن عذابه لا يزيد في ملكه شيئًا. والجواب: أن عقاب المذنبين من عدله سبحانه، وإن كان لا يزيد في ملكه شيئًا.

وعلّق الشيخ على المرجئة بأنهم من أخبث الفرق، لأنهم هوّنوا على الناس أمر المعاصي، وجرّؤوهم على حدود الله.

المحور الرابع: الرد على من فهم النصوص الشرعية على غير وجهها

حديث العبد الذي أذنب ثم استغفر: استدل به بعضهم على جواز الإصرار على الذنب. وبيّن الشيخ أن الحديث في عبدٍ يقع في الذنب عن ضعفٍ لا عن إصرار، ثم يتوب صادقًا. وردّ الشيخ هذا الاستدلال السخيف بأنه لو صحّ لجاز لأحدٍ أن يقتل مائة نفس ثم يحتج بحديث قاتل المائة!

«أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ»

[متفق عليه]

قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾: قال بعضهم: إن النبي ﷺ لا يرضى أن يكون أحد من أمته في النار. وهذا من أقبح الجهل، فإنه ﷺ يرضى بما يرضى به ربه، والله يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرّين على الكبائر.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: هذه الآية في حق التائبين بلا خلاف، لأن الشرك داخل فيها، والله لا يغفره إلا بالتوبة. ولو كانت في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها. وأما آية سورة النساء فهي في حق غير التائبين، ولذلك فرّقت بين الشرك وما دونه.

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾

[الزمر: 53]

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾

[النساء: 48]

قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: قال بعضهم: غرّني كرمه. وهذا جهل قبيح، فإنما غرّه الغَرور وهو الشيطان، ونفسه الأمّارة بالسوء، وجهله وهواه. وأتى سبحانه بلفظ «الكريم» وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه.

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[الانفطار: 6]

قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾: بيّن الشيخ أن هذه نار مخصوصة من دركات جهنم، وأن «الصَّلْي» أخص من مطلق الدخول. ثم إن الآية التي بعدها تدل على أن المجتنَب لها هو الأتقى، فمن لم يكن من المتقين لم يُضمن له ذلك.

﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ۝ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ۝ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ۝ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾

[الليل: 14-17]

المحور الخامس: الاغترار بالأعمال المكفّرة، وحقيقة حسن الظن بالله

من الناس من اغترّ بصوم يوم عاشوراء ويوم عرفة، حتى قال بعضهم: «يوم عاشوراء يكفّر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر»! ولم يدرِ هذا المغرور أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم من صيام عرفة وعاشوراء. ومع ذلك فهي إنما تكفّر ما بينها إذا اجتُنبت الكبائر.

فإذا كانت هذه الأعمال العظيمة لا تقوى على تكفير الصغائر إلا مع اجتناب الكبائر، فكيف يكفّر صوم يومٍ تطوعًا كلَّ كبيرة أصرّ عليها العبد ولم يتب منها؟ هذا محال. وقرّر الشيخ أن نصوص الوعد لها شروط وموانع، وأن الإصرار على الكبائر من موانع التكفير. وكلما قويت أسباب التكفير واجتمعت كان التكفير أقوى وأتم.

﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾

[النساء: 31]

«الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»

[رواه مسلم]

ومنهم من اغترّ بحديث: «أنا عند ظن عبدي بي». وبيّن الشيخ أن حسن الظن إنما يكون مع حسن العمل والإحسان، لا مع الإساءة والإصرار. فالمحسن يحسن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده. أما المسيء المصرّ فإن وحشة المعاصي تمنعه من حسن الظن. ومثّل الشيخ لذلك بالعبد الآبق من سيده، فإنه لا يحسن الظن به. وكذلك الولد العاق الذي ترك الدراسة والعمل، فإنه حين يعود إلى بيته يخاف أن يُطرد ولا يحسن الظن بأبيه.

«أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ»

[رواه أحمد وغيره]

ونقل الشيخ قول الحسن البصري رحمه الله: «إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل». ثم بيّن أنه لا يحسن الظن بالله من بارزه بالمعاصي، ووالى أعداءه وعادى أولياءه. وكذلك لا يحسن الظن بالله من جحد صفات كماله، أو عطّلها كما فعلت الجهمية وأشباههم. وأورد في ذلك قوله تعالى:

﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[فصلت: 23]

النقاط الرئيسية

  • تقوم سعادة العبد على أمرين: معرفة تفاصيل أسباب الخير والشر، والحذر من مغالطة النفس.
  • للنفس صور كثيرة في المغالطة، منها: الاتكال على العفو، والتسويف، والاستغفار باللسان وحده، والاحتجاج بالقدر، والاقتداء بالنظراء.
  • الاستغفار بلا إقلاع ولا ندم لا يمحو أثر الذنب، وحقوق العباد لا تسقط إلا بردّها إلى أصحابها.
  • من أصناف المغرورين: الجبرية والمرجئة، والمتعلقون بالقبور والمشايخ، والمغترّون بالآباء والأنساب.
  • آية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ في حق التائبين، وآية النساء في حق غير التائبين.
  • نصوص الوعد لها شروط وموانع، والإصرار على الكبائر يمنع عموم التكفير.
  • حسن الظن بالله يقترن بحسن العمل، وأما مع الإساءة والإصرار فهو غرور وتسويل من الشيطان.

الفوائد والعبر

  • محاسبة النفس: على المسلم أن يراقب حيل نفسه وتبريراتها، ولا يركن إلى الأماني، بل يبادر بالتوبة قبل فوات الأوان.
  • الجمع بين الخوف والرجاء: لا يغلّب نصوص الرجاء حتى يأمن مكر الله، ولا نصوص الوعيد حتى يقنط من رحمته.
  • التحلل من المظالم: يبادر المسلم بردّ الحقوق إلى أهلها في الدنيا، قبل يومٍ لا درهم فيه ولا دينار.
  • طلب العلم الصحيح: يتلقّى المسلم فهم النصوص على منهج الصحابة والسلف الصالح، فإن الجهل بمعانيها باب عظيم من أبواب الاغترار.
  • اجتناب الكبائر: لا ينبغي الاتكال على الطاعات المكفّرة مع الإصرار على الكبائر، فاجتنابها شرط في تكفير الصغائر.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات