شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(15)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس عشر من شرح "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة" من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس بعد صلاة العشاء يوم الجمعة الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة 1440هـ، الموافق للثامن من فبراير سنة 2019م.
يتناول الدرس باب قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وما أمر به النبي ﷺ من لزوم الجماعة، وهم أهل العلم. فيبيّن الشيخ المعنى الصحيح للوسطية، وأنها ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم. ويشرح المراد بالجماعة، ويفرّق بين العلماء الربانيين وعلماء السوء. ثم ينتقل إلى باب "إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود".
ويهدف الدرس إلى ترسيخ منهج الاتباع، والتحذير من الغلو والتفريط ومن التحزب والفرقة. كما يبيّن أن كل قول أو عمل يخالف هدي النبي ﷺ مردود على صاحبه كائنًا من كان. ويُختم المجلس بالشروع في ترجمة سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى الوسطية الحقة
بيّن الشيخ أن الوسط في أغلب الأمور يقع بين طرفين مذمومين: الإفراط والتفريط، أو التشدد والتساهل، أو الغلو والتخلي. فمن الناس من يتشدد حتى يهلك نفسه، ومنهم من يتساهل حتى يكاد ينخلع من دين الله عز وجل. والوسط هو العدل والخيار والأفضل.
ونبّه إلى كثرة الحديث عن "الإسلام الوسطي" في هذا الزمان. فإن أُريد به ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وإن أُريد به غير ذلك فهو عين الضلال. وذلك لأن الصراط المستقيم هو ما جاء به النبي ﷺ، ومن اعتقد أن أحدًا جاء بأفضل منه أو أكمل فقد طعن في الشريعة.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
المحور الثاني: الجماعة هم أهل العلم، والفرق بين العلماء الربانيين وعلماء السوء
قرر الإمام البخاري أن الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها هم أهل العلم. والعلماء قسمان:
- علماء ربانيون، وهم الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله.
- علماء الدنيا وعلماء السوء، وهم الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.
وفي علماء السوء قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: 175-176]. فعالم السوء يلهث وراء الدنيا كما يلهث الكلب.
وذكر الشيخ أن عبد الله بن المبارك سُئل عن الجماعة فقال: أبو بكر وعمر. فقيل له: قد ماتا، فذكر فلانًا وفلانًا. فقيل: قد ماتوا، فقال: أبو حمزة السكري جماعة، وهو محمد بن ميمون من علماء الحديث. وعلّق ابن القيم رحمه الله على هذا الأثر بأن العالم الرباني الواحد قد يكون أمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120].
واستشهد الشيخ بثبات الإمام أحمد في المحنة أمام المأمون والمعتصم والواثق، حتى خرج منها ذهبًا خالصًا. ثم ذكر فتنة الدنيا التي أعقبتها لما رُفعت المحنة وأُرسلت إليه الأموال، فقال رحمه الله: إنها أشد عليه من ضرب السياط. وقرر الشيخ قاعدة جامعة: لا يُعطى أحد من الدنيا من غير أئمة الهدى إلا أُخذ من دينه بقدرها.
وذكر كذلك عزة نفس الأعمش رحمه الله، وأنه ردّ عطايا الأمراء وقال: لو أن أهل العلم صانوه لصانهم. وقد رفعه الله بالعلم مع ما كان فيه من ضعف الحال والهيئة.
المحور الثالث: شهادة الأمة الوسط يوم القيامة
شرح الشيخ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الباب، قال: قال رسول الله ﷺ:
«يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قَالَ: «عَدْلًا»، ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
ونبّه الشيخ على أن أهل الكذب يستمرون في كذبهم حتى في الآخرة، إذ يظنون أنهم يكذبون على رب العالمين كما كانوا يلبّسون على الناس في الدنيا بالترغيب والترهيب. فيختم الله على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65].
والشاهد لا بد أن يكون عدلًا صادقًا، فأما الكذّابون فتُردّ شهادتهم. ونحن نشهد للأنبياء جميعًا أنهم بلّغوا الرسالة وأدّوا الأمانة ونصحوا لأممهم، وذلك بخبر الصادق المصدوق ﷺ.
المحور الرابع: لزوم الجماعة وحجية الإجماع وذم التحزب
نقل الشيخ كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في أن الخطاب في الآية من العام الذي أريد به الخاص، لأن أهل الجهل وأهل البدع ليسوا عدولًا. فالمراد بالوسط أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي، ومن سواهم فانتسابه إلى العلم انتساب صوري.
وذكر من الأحاديث الآمرة بلزوم الجماعة حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، وفيه:
«وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَالجِهَادُ، وَالهِجْرَةُ، وَالجَمَاعَةُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ».
وذكر أيضًا خطبة عمر رضي الله عنه بالجابية، وفيها:
«عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الجَمَاعَةَ».
وأكد الشيخ أن هذه النصوص تُبطل الأحزاب والجماعات والفرق التي تفرّق المسلمين، قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].
وقد احتج أهل الأصول بهذه الآية على حجية الإجماع، فعلماء الأمة إذا أجمعوا على شيء فهو الحق. أما إذا اختلفوا فعلى طالب العلم أن ينظر فيما يعضده الدليل، وفيما هو أقرب إلى مرضاة الله.
المحور الخامس: رد ما خالف هدي النبي ﷺ، والتحذير من الاستدراج
شرح الشيخ باب "إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود"، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فكل قول أو فعل أو تشريع أو حكم أو قصد أو نية تخالف ما جاء به النبي ﷺ فهي مردودة، سواء صدرت من حاكم أو سلطان أو كبير أو صغير.
ولا يجوز لأحد أن يُلزم الناس بالترغيب أو الترهيب بما يخالف السنة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
وحذّر من أن يظن المخالف لأمر الله أن إمهاله والإنعام عليه علامة رضا، بل هو استدراج، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: 44-45].
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
ثم شرع الشيخ في ترجمة سيد التابعين سعيد بن المسيب القرشي المخزومي رحمه الله. وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وكان من أبرز أهل زمانه علمًا وعملًا. ومن أخباره:
- كان يقول: "ما أذّن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد".
- قال الإمام أحمد: "مرسلات سعيد بن المسيب صحاح".
- عُرف بعزة النفس والصدع بالحق؛ فنفى ما أُشيع عنه من نذره الدعاء على عبد الملك بن مروان، وأعرض عن عطائه في بيت المال.
النقاط الرئيسية
- الوسطية الحقة هي العدل والخيار بين الإفراط والتفريط، وهي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وما سوى ذلك ضلال.
- الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها هم أهل العلم الشرعي من أهل السنة، وقد يكون العالم الرباني الواحد جماعة.
- العلماء قسمان: ربانيون يخشون الله وحده، وعلماء سوء يبيعون دينهم بالدنيا، ومثلهم في القرآن كمثل الكلب يلهث.
- هذه الأمة تشهد يوم القيامة للأنبياء بالبلاغ، ويكون الرسول ﷺ عليها شهيدًا، ولا تُقبل إلا شهادة العدل الصادق.
- نصوص لزوم الجماعة تُبطل التحزب والفرقة، والإجماع حجة، وعند الخلاف يُتّبع الدليل.
- كل قول أو عمل أو حكم يخالف هدي النبي ﷺ مردود على صاحبه كائنًا من كان.
- إمهال الظالم والمخالف والإنعام عليه استدراج وليس علامة رضا من الله.
الفوائد والعبر
- أن يزن المسلم كل دعوة تُرفع باسم "الوسطية" بميزان ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فلا يُخدع بالشعارات.
- أن يحرص على أخذ العلم عن العلماء الربانيين الصادعين بالحق، ويحذر ممن يتخذ العلم وسيلة للدنيا.
- أن يقتدي بالإمام أحمد والأعمش وسعيد بن المسيب في عزة النفس والزهد، ويعلم أن فتنة المال قد تكون أشد من فتنة الأذى.
- أن يتجنب التحزب والانتماء إلى الفرق المفرِّقة للأمة، ويلزم جماعة المسلمين وأهل السنة.
- ألا يغتر بنعم الله مع الإقامة على المعصية ومخالفة السنة، وأن يسارع إلى التوبة قبل أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات