شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 21) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,776 مشاهدة
179 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الحادي والعشرون من الدورة الحديثية في شرح «جزء أبي عمرو الداني» في مصطلح الحديث، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ بخطبة الحاجة، ثم يراجع ما شُرح في الدرس السابق عن قول الصحابي: «كنا نفعل كذا»، و«أُمرنا»، و«نُهينا»، و«من السنة كذا»، وبيان حكم هذه الألفاظ من حيث الرفع والاتصال.

بعد ذلك ينبّه الشيخ إلى أخطاء وقعت في تخريج بعض الآثار في إحدى طبعات الكتاب المحققة، وغرضه النصيحة والتعليم، ويشرح من خلالها قواعد مهمة في التخريج والمتابعات وتمييز الرواة. ثم ينتقل إلى كلام الإمام الداني في صيغ الأداء الدالة على الاتصال، وشروط المسند والألفاظ التي تُخرج الحديث عن حدّ المسند.

وأهداف الدرس أن يعرف طالب العلم صيغ التحمل والأداء ومراتبها، وأن يميّز الأصل من الاستثناء الذي تدل عليه القرائن، وأن يتدرّب على النقد العلمي للتخريج وعلى معرفة الفرق بين المتابعة التامة والمتابعة القاصرة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مراجعة حكم قول الصحابي «كنا نفعل» و«من السنة»

ذكّر الشيخ بما نقله الإمام الداني عن الحاكم من أن قول الصحابي: «كنا نفعل كذا»، و«أُمرنا بكذا»، و«نُهينا عن كذا»، و«من السنة كذا»، و«من الفطرة كذا»، يُعدّ حديثًا مسندًا متصلًا. وبيّن أن في بعض هذه الألفاظ خلافًا، وشرح الراجح فيه وطريقة الترجيح.

وأشار إلى أن جمهور العلماء يفرّقون بين ما أضافه الصحابي إلى زمن النبي ﷺ وما لم يُضِفه إليه. واستدل الداني على ذلك بثلاثة أحاديث، منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما في التفاضل بين الصحابة:

«كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ».

ومنها حديث أنس رضي الله عنه: «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ»، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».

المحور الثاني: وقفات نقدية مع تخريج أثر ابن عمر رضي الله عنهما

نبّه الشيخ إلى أخطاء في تخريج الشيخ أبي عبيدة لهذا الأثر، وأولها عزوه إلى مصنف ابن أبي شيبة على أنه من الطريق نفسه. والصحيح أن ابن أبي شيبة رواه من طريق وكيع عن هشام بن سعد عن عمر بن أسيد، ومن طريق أبي معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وكلاهما عن ابن عمر. فلا يصح أن يُجعل محمد بن حاتم بن بزيع، وهو عند البخاري، متابعًا لابن أبي شيبة، لأنهما لا يلتقيان إلا في الصحابي.

ومن هنا شرح الشيخ معنى المتابعة: فالمتابعة التامة أن يشارك الراوي غيرَه في الرواية عن الشيخ نفسه، والمتابعة القاصرة أن يلتقيا فيمن فوقه. أما أن يكون الالتقاء في الصحابي وحده فهذا من قبيل الشواهد، وليس متابعة بالمعنى المقصود.

وبيّن كذلك أن الراوي الذي ورد في مسند أبي يعلى باسم «ابن الماجشون» هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، وأبوه يعقوب من تلاميذ ابن عمر. وليس في كتب الرجال راوٍ اسمه «يوسف بن عبد العزيز بن أبي سلمة». وأشار إلى أن الحافظ ابن حجر عزا متابعة ابن الماجشون إلى خيثمة، ولم ينتبه إلى أنها في مسند أبي يعلى، وعزوها إليه أولى. ثم بيّن أن «شاذان» هو نفسه الأسود بن عامر، فلا يصح أن يُذكرا كأنهما راويان مختلفان، وختم بقوله: «ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة».

المحور الثالث: صيغ الأداء الدالة على الاتصال وما يُستثنى منها

قال الإمام الداني، أخذًا من كلام القابسي في مقدمة «تلخيص الموطأ»: ما قال فيه ناقلوه: «حدثنا»، أو «أخبرنا»، أو «أنبأنا»، أو «أعلمناه»، أو «سمعناه قراءةً عليه»، أو «قرأه علينا»، فذلك كله متصل لا إشكال فيه. وعلّق الشيخ بأن هذا هو الأصل، إلا إذا كان للراوي اصطلاح خاص، أو دلّت قرينة على أن الصيغة لا تعني السماع المباشر.

ومن أمثلة ذلك:

  • الحسن البصري رحمه الله كان يقول: «حدثنا» أو «خطبنا»، ويريد أن الشيخ حدّث أهل بلده أو خطبهم.
  • أبو نعيم الأصبهاني كان يقول: «أخبرنا» فيما أخذه بالإجازة، وهذا اصطلاح خاص به عابه عليه بعض الحفاظ.
  • وفي المقابل، تورّع الإمام النسائي، فقد طرده الحارث بن مسكين من مجلسه، فكان يسمع من خلف سارية، ثم روى عنه في نحو مئة وأربعين موضعًا بقوله: «أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع»، ولم يقل «أخبرنا» مطلقة، لأن الشيخ لم يكن يقصد إسماعه.

واستشهد الشيخ بقول الرجل الصالح للدجال في الصحيحين: «أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ». فمعنى «حدثنا» هنا: حدّث الأمة التي أنا منها، وقد نزّل الرجل نفسه منزلة من سمع مباشرة لقوة يقينه بصحة الخبر. وبيّن الشيخ أن ما نُقل في هذا الموضع من أن هذا الرجل هو الخضر ليس من كلام الإمام مسلم، وإنما هو بلاغ لبعض الرواة. ومثله قول أبي هريرة رضي الله عنه: «افتتحنا خيبر»، وهو إنما وصل بعد الفتح، فمراده: افتتحها المسلمون الذين هو منهم.

المحور الرابع: شروط المسند والألفاظ التي تُخرجه عن حدّه

قال الداني، أخذًا من كلام الحاكم في «معرفة علوم الحديث»: من شرائط المسند ألا يكون في إسناده «أُخبرت عن فلان»، ولا «حُدِّثت عن فلان»، ولا «بلغني عن فلان». فهذه الصيغ لا يُعرف فيها المخبِر، فهي منقطعة، والجهل بالواسطة يعني الجهل بعدالته وضبطه، واتصالُ السند أول شروط الصحيح الخمسة، ولو كان الراوي معاصرًا لمن روى عنه. وذكّر الشيخ بأن الإدراك لا يستلزم السماع، بل اللقاء نفسه لا يستلزم السماع.

واستثنى من ذلك بلاغات الإمام مالك في الموطأ، لأن عامتها موصولة صحيحة إلا شيئًا يسيرًا جدًا. فالأصل في «بلغني» الانقطاع، وقد يُستثنى من القاعدة ما قامت الأدلة على اتصاله.

ثم استشكل الشيخ قول الداني: «ولا رفعه فلان»، لأن قول الراوي «رفعه» أو «يرفعه» أو «يبلغ به» من صيغ الرفع إلى النبي ﷺ عند المحدثين، فجعلها مما يُخرج الحديث عن حدّ المسند مخالف للصواب في هذه المسألة.

النقاط الرئيسية

  • قول الصحابي «كنا نفعل» و«من السنة» و«أُمرنا» حكمه حكم المسند عند الحاكم والداني، مع تفريق الجمهور بين ما أُضيف إلى زمن النبي ﷺ وما لم يُضَف إليه.
  • المتابعة التامة تكون في شيخ الراوي نفسه، والقاصرة فيمن فوقه، أما الالتقاء في الصحابي وحده فليس متابعة بالمعنى المقصود.
  • دقة تمييز الرواة أساس في التخريج: فابن الماجشون في مسند أبي يعلى هو يوسف بن يعقوب، وشاذان هو الأسود بن عامر.
  • صيغ «حدثنا» و«أخبرنا» و«سمعت» الأصل فيها السماع والاتصال، ما لم تدل قرينة على غير ذلك.
  • بعض الرواة لهم اصطلاحات خاصة، كالحسن البصري في «حدثنا» و«خطبنا»، وأبي نعيم في استعمال «أخبرنا» للإجازة.
  • صيغ «أُخبرت عن فلان» و«حُدِّثت» و«بلغني» تدل على الانقطاع لجهالة الواسطة، ويُستثنى من ذلك غالب بلاغات مالك.
  • قول الراوي «رفعه فلان» من صيغ الرفع، فلا يصح جعله مما يُخرج الحديث عن حدّ المسند.

الفوائد والعبر

  • النقد العلمي القائم على الأدب والنصيحة من منهج أهل الحديث، ولا يُنقص من قدر العلماء، فلكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
  • على طالب العلم أن يتحقق بنفسه من الأسانيد والطرق قبل أن يعزو حديثًا أو يحكم بالمتابعة، ولا يكتفي بالنقل.
  • ورع الإمام النسائي في التزام الصيغة المطابقة لحاله في السماع درس في الأمانة العلمية والصدق في النقل.
  • فهم القرائن وسياق الكلام ضروري لتفسير صيغ الأداء، فلا تُحمل الألفاظ على ظاهرها في كل حال.
  • اليقين بصحة ما ثبت عن النبي ﷺ يجعل المؤمن يشهد به كأنه سمعه منه، كما فعل الرجل الصالح مع الدجال، وهذا يدعونا إلى العناية بالأسانيد الصحيحة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات