شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (18) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن عشر من شرح كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، أول كتاب صُنِّف في علم أصول الفقه. يشرح فيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بابًا من أعظم أبواب الكتاب، وهو باب «الحجة في تثبيت خبر الواحد». وقد عقده الشافعي ردًّا على المعتزلة وأهل البدع الذين لا يقبلون خبر الواحد في العقائد، وعلى من يشكك في حجيته إذا صحّ سنده.
يتناول الدرس الأدلة التي ساقها الشافعي من السنة النبوية ومن عمل الصحابة رضي الله عنهم. وهي أدلة تبيّن أن الحجة تقوم بخبر الرجل الواحد الصادق، وأن الصحابة تركوا ما كان عندهم يقينًا لأجل خبر واحد ثقة، في الصلاة وفي الأموال وفي الحدود وفي الصيام. وتخلّل الشرح استطراد مهم في حجية الإجماع، وفي التفريق بين الإجماع الصحيح ودعاوى الإجماع الباطلة.
أهداف التعلم: أن يفهم المشاهد منهج الإمام الشافعي في الاستدلال على حجية خبر الواحد، وأن يعرف الأحاديث والوقائع التي اعتمد عليها ووجه الدلالة منها. وأن يدرك خطر رد السنة الصحيحة بدعوى الاكتفاء بالقرآن، وأن يعرف مكانة الإجماع وضوابط الاحتجاج به.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حديث «نضّر الله عبدًا» ودلالته على حجية خبر الواحد
افتتح الشافعي الباب بسؤال مفترض: إن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع. فأجاب بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الدعاء بالنضارة لمن سمع مقالة النبي ﷺ فحفظها وأداها. وبيّن الشيخ أن «النضرة» هي حسن الوجه وبريقه ولمعانه.
ووجه الدلالة عند الشافعي أن النبي ﷺ ندب إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها، وجعل ذلك لـ«امرئ» أو «عبد» واحد. فدلّ على أنه ﷺ لا يأمر أن يُؤدّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه. والذي يؤديه الواحد عنه ﷺ هو أمر ونهي، وحلال وحرام، وحدود، وأحكام في الأموال، ونصيحة في الدين والدنيا. فلو لم تقم الحجة بخبره لما كان لهذا الندب معنى.
ونبّه الشيخ إلى أن الحديث يدل على أن حامل الحديث قد لا يكون فقيهًا. فليس كل حافظ فقيهًا، ولا كل فقيه حافظًا، وللاستنباط أهله وشروطه وضوابطه. والأكمل من جمع بين الأمرين، فكان محدّثًا أصوليًّا فقيهًا.
قال رسول الله ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ».
المحور الثاني: لزوم جماعة المسلمين وحجية الإجماع
استنبط الشافعي من قوله ﷺ «ولزوم جماعتهم» أن إجماع المسلمين حجة لازمة، سواء أكان في زمن الصحابة أم بعده. وأكد الشيخ أن الإجماع الثابت لا يجوز لمؤمن ولا مؤمنة أن يخالفه، وأن مخالفه آثم. ولا يُترك الإجماع بدعوى المصالح أو خشية الناس، لأن الشريعة من عند الله، وهو أعلم بما يصلح خلقه.
وحذّر الشيخ من الخلط بين الإجماع الصحيح وبين ما يتوارد عليه أهل الأهواء. فمن الغفلة أن يُدّعى الإجماع في مسائل مختلف فيها، كما أن اتفاق أهل الباطل على باطلهم لا يسمى إجماعًا. وضرب لذلك مثلًا باتفاق الروافض على الطعن في الصحابة، واتفاق النصارى على إنكار نبوة محمد ﷺ.
وذكر الشيخ من أمثلة الإجماع المنقول ما حكاه إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، أحد كبار فقهاء الشافعية وأصولييهم، في كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم». وقد نقل فيه الإجماع على اشتراط الذكورة في الإمامة العظمى. ورأى الشيخ أن هذا مما جرى عليه عمل الأمة قرونًا متطاولة، فلا تصح مخالفته بالفتاوى المستحدثة.
المحور الثالث: حديث الأريكة ووجوب العمل بالسنة وإن لم يوجد لها نص في القرآن
ساق الشافعي حديث أبي رافع رضي الله عنه في التحذير ممن يرد سنة النبي ﷺ بقوله: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. وفيه تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ، وإعلام الأمة أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نصًّا في كتاب الله تعالى.
وأشار الشيخ إلى فائدة حديثية: روى الشافعي الحديث موصولًا، ثم رواه من طريق محمد بن المنكدر مرسلًا. والمرسل هنا لا يُعلّ الموصول، بل هو شاهد يقويه، لأنه جاء من طريق آخر.
قال رسول الله ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».
المحور الرابع: قصة القُبلة للصائم وتحويل القبلة في قباء
روى الشافعي عن عطاء بن يسار قصة رجل قبّل امرأته وهو صائم، فحزن لذلك حزنًا شديدًا. فأرسل امرأته تسأل أم سلمة رضي الله عنها، فأخبرتها أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم. فقال الرجل: لسنا مثل رسول الله ﷺ، يُحلّ الله لرسوله ما شاء، وظن أن ذلك من خصائصه. فلما علم النبي ﷺ قال لأم سلمة: «أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟»، ثم غضب وقال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ».
ووجه الدلالة أن النبي ﷺ ما كان ليحثّ أم سلمة على الإخبار عنه لولا أن خبرها تقوم به الحجة. وكذلك خبر امرأة الأنصاري لزوجها إن كانت صادقة عنده. ونبّه الشيخ إلى أن هذا رواية لا شهادة، فلا يشترط فيه العدد ولا الذكورة. وأشار إلى أن من فوائد تعدد أزواج النبي ﷺ نقل أحواله داخل بيته.
ثم ساق الشافعي حديث ابن عمر رضي الله عنهما في أهل قباء. وبيّن الشيخ أن أهل قباء كانوا على يقين من أن قبلتهم بيت المقدس، واليقين لا يزول بالشك، فلما جاءهم رجل واحد استداروا وهم في صلاتهم. فدلّ ذلك على أن خبر الواحد الصادق عندهم يقين تقوم به الحجة، ولم يذهبوا إلى النبي ﷺ ليستوثقوا، ولم يُنكر عليهم ﷺ ذلك.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ».
المحور الخامس: تحريم الخمر، وبعث أنيس، ونداء عليّ بمنى
روى أنس رضي الله عنه أنه كان يسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأُبيّ بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، والفضيخ شراب من البُسر المفضوخ. فجاءهم رجل واحد فأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة أنسًا بكسر الجرار. وبيّن الشيخ تدرّج التحريم: فقد كان المنهي عنه أولًا قربان الصلاة حال السكر، ثم نزل التحريم القاطع.
ووجه الدلالة أن إضاعة المال حرام، وتحريم ما أحل الله حرام. ومع ذلك أراق هؤلاء الأكابر الشراب بخبر واحد، ولم يقولوا: نبقى على حِلّه حتى نلقى رسول الله ﷺ، مع قربه منهم. ولو لم يكن الخبر حجة عندهم لأنكر عليهم أُبيّ بن كعب، وهو الذي أنكر على عمر رضي الله عنه في قصة الاستئذان.
ومن الأدلة كذلك أن النبي ﷺ بعث أُنيسًا الأسلمي وحده في قصة العسيف لإقامة حدّ الرجم بعد الاعتراف. وبعث عليًّا رضي الله عنه وحده بمنى ينادي بالنهي عن صيام أيام التشريق. وقد كان ﷺ قادرًا على أن يبعث جمعًا، فبعث واحدًا يعرفون صدقه. فدلّ ذلك على أن الحجة تقوم على المبعوث إليهم بخبر الواحد الصادق.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]
وفي حديث أنس رضي الله عنه: «إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ، قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا».
وقال ﷺ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
ونادى عليّ رضي الله عنه بمنى عن رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ أَيَّامُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَلَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ».
النقاط الرئيسية
- عقد الإمام الشافعي باب تثبيت خبر الواحد ردًّا على المعتزلة وأهل البدع الذين يردّونه في العقائد، وعلى من يشكك فيه بعد صحته.
- حديث «نضّر الله عبدًا» دليل على قيام الحجة بخبر الفرد، لأن النبي ﷺ ندب الواحد إلى حفظ مقالته وأدائها.
- ليس كل حامل للحديث فقيهًا، فللاستنباط أهله وشروطه، والأكمل من جمع بين الحفظ والفقه.
- الإجماع حجة لازمة يحرم خلافها، ولا يصح ادّعاء الإجماع في المسائل المختلف فيها، ولا يُعدّ اتفاق أهل الباطل إجماعًا.
- السنة الصحيحة واجبة الاتباع وإن لم يوجد لمضمونها نص في القرآن، كما في حديث الأريكة.
- المرسل إذا جاء من طريق آخر يكون شاهدًا للموصول، ولا يُعلّه.
- ترك الصحابة يقينهم بخبر الواحد في القبلة وتحريم الخمر، وبعثُ النبي ﷺ الآحاد لإقامة الحدود وتبليغ الأحكام، كل ذلك دليل عملي على حجية خبر الواحد الصادق.
الفوائد والعبر
- المبادرة إلى الامتثال: الاقتداء بالصحابة الذين استداروا في صلاتهم وأراقوا شرابهم فور بلوغهم الأمر، دون تردد ولا تسويف.
- تعظيم السنة النبوية: الحذر من مسلك من يرد الأحاديث الصحيحة بدعوى الاكتفاء بالقرآن، فالسنة وحي يجب العمل به.
- الأمانة في نقل العلم: على طالب العلم أن يحفظ ما سمع ويؤديه كما سمعه، ويرجع في الاستنباط إلى أهل الفقه.
- التثبت من دعاوى الإجماع: لا يُغترّ بكل من يدّعي الإجماع، ولا يُقدَّم الرأي والمصلحة المتوهَّمة على ما ثبت من الشرع.
- إصلاح القلب بالخصال الثلاث: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فهي خصال تطهّر القلب من الغل.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات