شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 20) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,032 مشاهدة
56 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس العشرون من شرح جزء الإمام أبي عمرو الداني رحمه الله في مصطلح الحديث، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ضمن الدورات الحديثية في مجمع الفرقان بالسنبلاوين. يتناول الدرس مسألة يحتاجها طالب الحديث والفقه معًا، وهي حكم قول الصحابي: «من السنة كذا» أو «السنة كذا». فهل يُعدّ هذا القول مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيكون حجةً كالحديث المسند، أم يبقى موقوفًا على الصحابي؟

وللمسألة أثر كبير في الفقه، لأن أحكامًا كثيرة جاءت بهذه الصيغة، مثل قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، واجتماع العيد والجمعة، وعدة أم الولد، وغيرها. ولذلك عرض الشيخ مذهب الجمهور وأدلتهم، ثم عرض قول المخالفين وعلى رأسهم الإمام ابن حزم، ثم نقل ردود الحافظ ابن حجر عليهم.

والهدف من الدرس أن يفهم الطالب معنى «السنة» إذا أطلقها الصحابي، وأن يعرف حجج الفريقين ويوازن بينها، وأن يتعلم الأدب مع الأئمة عند الخلاف، فيحب أهل العلم ويقدّرهم دون أن يتابعهم على أخطائهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مذهب الجمهور في أن قول الصحابي «من السنة كذا» له حكم الرفع

ذكر الشيخ أن الحاكم وأبا عمرو الداني رحمهما الله يريان أن قول الصحابي «كنا نفعل» و«كنا نقول» مرفوع مسند إلى النبي ﷺ، ويدخل في ذلك عندهما قوله: «من السنة كذا». أما قول الصحابي «من السنة كذا» أو «من الفطرة كذا» فلا يُحمل إلا على سنة رسول الله ﷺ، فهو مسند مرفوع. وبهذا قال جمهور الصحابة كما نقله العلامة الشوكاني في «إرشاد الفحول».

واستشهد الشيخ بكلام ابن عبد البر في «التمهيد»، فقد ذكر أن هذا الحديث يدخل في المسند. وذلك أن ابن عمر رضي الله عنهما قال للحجاج: «الرواح هذه الساعة إن كنت تريد السنة»، وقال سالم بن عبد الله: «إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجّل الصلاة»، فقال ابن عمر: «صدق». وقرر ابن عبد البر أن الصحابي إذا أطلق السنة فالمراد بها سنة النبي ﷺ، إلا إذا أضافها إلى غيره، كقولهم: «سنة العُمَرين» يعني أبا بكر وعمر.

ونقل الشيخ أيضًا كلام الإمام الشافعي في «اختلاف الحديث» من كتاب «الأم». فقد روى بإسناده عن طلحة بن عبد الله بن عوف أنه صلى خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فلما سلّم سأله عن ذلك فقال: «سنةٌ وحق». وروى عنه أنه جهر بالفاتحة وقال: إنما فعلته لتعلموا أنها سنة. وذكر أيضًا رواية أبي أمامة بن سهل عن رجل من الصحابة في صفة صلاة الجنازة، ورواية الضحاك بن قيس بمثلها. ثم قال الشافعي رحمه الله: ابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي ﷺ، لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله.

المحور الثاني: قول المخالفين ودليلهم وجواب ابن حجر عليهم

خالف الجمهورَ في هذه المسألة بعض الأئمة، منهم الصيرفي من الشافعية، وأبو الحسن الكرخي من الحنفية، وابن حزم. وحكى إمام الحرمين في «البرهان» عن المحققين أن لفظ السنة يحتمل سنة النبي ﷺ ويحتمل سنة الخلفاء الراشدين. أما الفخر الرازي فقد وافق الجمهور في «المحصول»، لأن اللفظ وإن احتمل الأمرين في اللغة إلا أن المقام مقام تشريع.

واستدل المخالفون بأن لفظ السنة يتردد بين سنة النبي ﷺ وسنة غيره، بدليل حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ».

وأجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن حمل اللفظ على سنة النبي ﷺ أظهر لوجهين: الأول أن هذا هو المعنى الذي يسبق إلى الفهم عند إطلاق كلمة السنة. الثاني أن سنة النبي ﷺ هي الأصل وسنة الخلفاء الراشدين تابعة لها، ومقصود الصحابي بيان الشريعة ونقلها إلى الناس، فإضافة ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إضافته إلى التابع.

المحور الثالث: استدلال ابن حزم بأثر ابن عمر في الإحصار ونقده

نقل الشيخ كلام ابن حزم من كتاب «الإحكام»، وفيه أن الصحابي إذا قال «السنة كذا» أو «أُمرنا بكذا» فليس ذلك مسندًا، ولا يُقطع بأنه عن النبي ﷺ. ويرى ابن حزم أن الصحابي ربما أراد بذلك ما أداه إليه اجتهاده. واستدل بما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا». وقال ابن حزم: إن النبي ﷺ لمّا أُحصر في الحديبية لم يطف بالبيت ولا بالصفا والمروة، فلم يقع منه ما ذكره ابن عمر.

وردّ عليه الحافظ ابن حجر فقال: إن أراد أنه لم يقع من فعل النبي ﷺ فهذا مسلَّم، لكنه لا يفيده، لأن النبي ﷺ مُنع من دخول مكة أصلًا، وكلام ابن عمر فيمن دخل مكة ثم حُبس عن بقية أعمال الحج، وكان ذلك زمن الفتنة لما نزل الحجاج بابن الزبير. وإن أراد أنه لم يقع من قول النبي ﷺ فهذا ممنوع، لأن السنة أوسع من القول والفعل وحدهما. وبذلك يسقط استدلاله، ويبقى كلام ابن عمر صحيحًا محمولًا على سنة النبي ﷺ.

المحور الرابع: بقية آثار الصحابة التي ساقها ابن حزم ومناقشتها

ساق ابن حزم آثارًا أخرى، منها قول عمرو بن العاص رضي الله عنه: «لَا تَلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ». ومنها أثر اجتماع العيد والجمعة في عهد ابن الزبير، إذ صلى العيد ولم يصلِّ الجمعة، فقال ابن عباس: «أصاب السنة». وبيّن الشيخ أن الناس إذا اجتمع لهم العيد والجمعة جاز لهم ترك الجمعة وصلاة الظهر، لكن الأفضل للإمام أن يجمّع بالناس، لأن النبي ﷺ جمّع بهم.

وذكر ابن حزم أيضًا جهر ابن عباس بالفاتحة على الجنازة، وإفطار أنس رضي الله عنه في منزله في رمضان قبل أن يخرج للسفر وقوله: «إنها سنة». ثم احتج على مخالفيه بأنهم لا يعملون بهذه الآثار، مع أنهم يجعلون قول سعيد بن المسيب في ديات أصابع المرأة «السنة» سنةً. وعلّق الشيخ بأن التابعي إذا قال «السنة كذا» فهو يقصد سنة النبي ﷺ، لكن الأصح أن قوله يكون في حكم المرسل لا المسند.

واحتج ابن حزم كذلك بأثر عائشة رضي الله عنها في المستحاضة التي أُمرت على عهد رسول الله ﷺ أن تجمع بين الصلاتين بغسل. فقد سأل شعبةُ عبدَ الرحمن بن القاسم: أهذا عن النبي ﷺ؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء. وبيّن الشيخ أن هذا من ورع عبد الرحمن في الرواية. فالأمر وقع في زمن التشريع، ولا يملك أحد أن يأمر بالصلاة والغسل في حياة النبي ﷺ بأمر يخالف شرعه.

المحور الخامس: الأدب مع الأئمة والحذر من حدة العبارة

وصف ابن حزم من يحمل قول الصحابي على الرفع بأنه «قليل الورع، حاكم بالظن»، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وبيّن الشيخ أن هذه كلمة جانبها الصواب، لأن القائلين بالرفع هم جمهور أهل العلم، وعلى رأسهم الإمام الشافعي، واستدلالهم مبني على أقوال الصحابة أنفسهم، كابن عباس والضحاك بن قيس وأبي أمامة بن سهل وعمرو بن العاص رضي الله عنهم.

ونبّه الشيخ طالب العلم إلى أن يحذر عند القراءة لابن حزم، وأن يتأدب مع العلماء والأئمة الذين اشتد عليهم. وأشار إلى أن العلامة الشنقيطي رحمه الله ردّ على ابن حزم في مبحث القياس، في الملحق المطبوع آخر «مذكرة أصول الفقه»، لما شنّع على الأئمة في قولهم بالقياس. ومع ذلك قرر الشيخ أن ابن حزم إمام نحبه لمحبته للسنة، لكن لا نتابعه على خطئه.

النقاط الرئيسية

  • قول الصحابي «من السنة كذا» أو «السنة كذا» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ عند جمهور العلماء، ومنهم الحاكم وأبو عمرو الداني والشافعي وابن عبد البر.
  • إذا أطلق الصحابي لفظ السنة فالمراد سنة النبي ﷺ، إلا إذا أضافها إلى غيره كقولهم: «سنة العُمَرين».
  • خالف في المسألة الصيرفي والكرخي وابن حزم، واحتجوا بأن لفظ السنة يحتمل سنة الخلفاء الراشدين أيضًا.
  • رجّح ابن حجر قول الجمهور لوجهين: أن هذا المعنى هو المتبادر إلى الفهم، وأن سنة النبي ﷺ هي الأصل ومقصود الصحابي بيان الشريعة.
  • استدلال ابن حزم بأثر ابن عمر في الإحصار مردود، لأن السنة أوسع من القول والفعل، وحال النبي ﷺ في الحديبية تختلف عن الحال التي تكلم عنها ابن عمر.
  • إذا قال التابعي «السنة كذا» فالأصح أن قوله في حكم المرسل.
  • يجب الأدب مع الأئمة عند الخلاف، وأن نأخذ الصواب ممن جاء به دون أن نتابع أحدًا على خطئه أو حدة عبارته.

الفوائد والعبر

  • تعظيم أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فهم أعلم الناس بسنة النبي ﷺ وأحرصهم على تبليغها، فإذا قالوا «السنة» فإنما يريدون سنته ﷺ.
  • أن يجمع طالب العلم أقوال أهل العلم وأدلتهم في المسألة، ويوازن بينها بالحجة والبرهان، لا بالتعصب لقائل بعينه.
  • التأدب مع العلماء والأئمة، والبعد عن الطعن في نياتهم وورعهم عند الخلاف، والاعتبار بما وقع فيه بعض الأفاضل من حدة في العبارة.
  • تعلم الورع في الرواية، كما فعل عبد الرحمن بن القاسم حين امتنع عن التصريح بنسبة الخبر إلى النبي ﷺ احتياطًا.
  • العمل بالسنن التي ثبتت بهذه الصيغة، كقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، ومعرفة أحكام اجتماع العيد والجمعة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات