شرح أصول السنة لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري كاملة

1,979 مشاهدة
296 مشاركة
منذ 14 سنة
```html

المقدمة

في هذا الدرس يشرح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري متن «أصول السنة» لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وهذا المتن من أهم متون الاعتقاد السلفي، لأنه يجمع القواعد الكبرى التي يقوم عليها دين المسلم، ويفصل بين طريق أهل السنة وطرق أهل الأهواء والبدع.

يبدأ الشيخ بخطبة الحاجة، ثم يبيّن أن «أصول السنة» ليس كتابًا ألّفه الإمام أحمد بهذا العنوان. وإنما هو اعتقاد أملاه رحمه الله، ونُقل إلينا بالإسناد عن طريق الإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي في كتابه «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، وعن طريق ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة». وراويه عن الإمام هو عبدوس بن مالك العطار، وكانت له عند الإمام أحمد منزلة وأُنس شديد.

أهداف الدرس:

  • فهم معنى «الأصول» و«السنة» لغةً واصطلاحًا.
  • إدراك أن أول أصول السنة هو التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ.
  • معرفة الأدلة الشرعية على وجوب اتباع منهج الصحابة.
  • معرفة الفرق الحقيقي بين السني والمبتدع.
  • الاعتبار بمناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: معنى «أصول السنة»

الأصول جمع «أصل»، وهو ما يُبنى عليه غيره. والبناء قد يكون حسيًا، كبناء الجدار على الأساس. وقد يكون معنويًا، كبناء الدين على التوحيد. ولذلك قرر الشيخ أن الإنسان لو أتى بكل خير وهو غير موحّد فمآله إلى النار. ولو أتى بالتوحيد ووقع في الذنوب ما عدا الشرك فمآله إلى الجنة إن شاء الله. فالتوحيد هو الأصل الذي لا يقوم البناء إلا عليه.

أما السنة فهي في اللغة الطريقة. فأصول السنة هي الأصول التي تقوم عليها طريقة رسول الله ﷺ، وهي الطريق الموصل إلى الجنة. من وُفّق إليها كان على نهج النبي ﷺ وأصحابه الكرام.

المحور الثاني: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وأدلته

افتتح الإمام أحمد اعتقاده بقوله: «أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ». ومنهج الصحابة هو الطريقة التي سلكوها في فهم الكتاب والسنة والعمل بهما. والذي أوجب اتباعه هو رب العالمين ونبيه الكريم ﷺ.

ومن أعظم الأدلة القرآنية على ذلك قوله تعالى:

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

بيّن الشيخ أن الآية لو اقتصرت على مشاقة الرسول ﷺ لكان ذلك حقًا كافيًا في الوعيد. لكن الله عز وجل أضاف قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والسبيل هو الطريق والمنهج، والمؤمنون وقت التنزيل هم الصحابة رضي الله عنهم، وهم سلفنا الصالح. فمن خالف منهجهم استحق الوعيد، ومن أراد النجاة فعليه أن يلزم سبيلهم.

ومن السنة حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا، فقال:

«أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»

ونبّه الشيخ على دقيقة لغوية في الحديث، وهي أن العطف يقتضي المغايرة:

  • «سنتي»: أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخَلقية والخُلقية.
  • «سنة الخلفاء»: طريقتهم ومنهجهم في فهم الكتاب والسنة والعمل بهما.

فكأنه ﷺ قال: عليكم بسنتي، وعليكم بمنهج أصحابي في فهمها.

المحور الثالث: تعريف الصحابي، وعصمة إجماع الصحابة

الصحبة في اللغة تدل على الملازمة مدة طويلة. أما شرف صحبة النبي ﷺ فأجود ما عُرّفت به تعريف الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الإصابة»: «من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو تخللت ردة». وعبّر بـ«اللقاء» دون «الرؤية» ليشمل مثل ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فقد كان أعمى لا يرى النبي ﷺ بعينه.

وليس المقصود بالتمسك بما كان عليه الصحابة الأخذ بقول واحد منهم بعينه. المقصود التمسك بطريقتهم ومنهجهم وإجماعهم. فالنبي ﷺ معصوم في تبليغ الدين، أما الصحابة فمعصومون بمجموعهم لا بأفرادهم. فقد يخطئ أحدهم، لكن لا بد أن يكون الصواب عند غيره، ويستحيل أن يجتمعوا على باطل أو على كفر كما يزعم الرافضة. وفي الحديث:

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»

وأحال الشيخ إلى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» في ترجيح فهم الصحابة على فهم غيرهم. فإذا كان فهمهم مقدّمًا في آحاد المسائل، فمنهجهم العام أولى بالتقديم والاتباع.

المحور الرابع: حقيقة السلفية، والفرق بين السني والمبتدع

قرر الشيخ أن السلفية ليست مجرد مظهر، كغترة تُلبس أو قلنسوة على الرأس أو لحية في الوجه أو ثوب قصير. هذه كلها من الخير والشرع، لكن السلفية في حقيقتها منهج حياة متكامل: منهج تربية وإصلاح، وسبيل لعزة الأمة وريادتها. وليست مجرد دراسة كتاب أو قراءة أسانيد.

واستدل على شمول هذا المنهج بأن سنة النبي ﷺ دخلت مع المسلم في أدق شؤونه، حتى عند دخول الخلاء. فيقول عند الدخول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، ويقول عند الخروج: «غُفْرَانَكَ». ودخلت كذلك في أخص ما بين الزوجين، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

«لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا»

فإذا كانت السنة قد دخلت في هذه التفاصيل، أفلا تدخل في نصرة الدين وإعزاز الأمة، وهي من أعظم أمور المنهج؟

ثم بيّن الشيخ أن جميع الفرق تدّعي اتباع الكتاب والسنة: الصوفية والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والخوارج، بل حتى الرافضة. فالفارق الحقيقي بين السني والمبتدع هو الالتزام بمنهج الصحابة في الفهم والعمل. ولهذا جعله الإمام أحمد أول كلمة في أصوله. ومن خالف الصحابة من المسلمين فبقدر مخالفته يكون ضلاله وابتداعه.

المحور الخامس: مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج

ساق الشيخ حديث مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للحرورية، وقد أخرجه النسائي في «السنن الكبرى»، وعبد الرزاق في «المصنف»، ويعقوب بن سفيان الفسوي في «المعرفة والتاريخ»، والحاكم في «المستدرك».

استأذن ابن عباس أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه في الذهاب إليهم، فخاف عليه علي، ثم أذن له. فلبس حلّة من أحسن الثياب، فدخل على قوم مجتهدين في العبادة، جباههم قرحة من السجود، ولهم دويّ بالقرآن. أنكروا عليه لباسه، فبيّن لهم أنه رأى رسول الله ﷺ في أحسن من هذه الحلة. فقال بعضهم: لا تكلموه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. وهذا هو منهج الخوارج: إنزال الآيات التي نزلت في الكفار على المسلمين.

سألهم ابن عباس: ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وصهره وأصحاب رسول الله ﷺ، وليس فيكم منهم أحد؟ ونبّه الشيخ هنا إلى أنه لم يوجد صحابي واحد خارجيًا ولا مرجئًا ولا على بدعة قط. فذكروا ثلاث شبهات:

  • الأولى: أنه حكّم الرجال في دين الله، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57].
  • الثانية: أنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم. قالوا: فإن كانوا مسلمين لم يحل قتالهم، لحديث: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». وإن كانوا كفارًا حلّ سبيهم وأموالهم.
  • الثالثة: أنه محا نفسه من إمرة المؤمنين، قالوا: فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

وعلّق الشيخ بأن هذه الشبه قد تبدو للجاهل حقًا، لكنها عند الراسخين في العلم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. ثم بدأ ابن عباس الرد بفهم الصحابة، فبيّن أن الله تعالى ردّ الحكم إلى الرجال في أمور أدنى من إصلاح ذات بين الأمة:

  • في جزاء الصيد قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95].
  • وفي الشقاق بين الزوجين قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

وبيّن الشيخ أن الخوارج لم يُؤتَوا من قلة عبادة، فقد قال فيهم النبي ﷺ: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ». وإنما سبب ضلالهم أنهم خالفوا منهج الصحابة في التعامل مع الكتاب والسنة فهمًا وعملًا.

النقاط الرئيسية

  • «أصول السنة» اعتقاد أملاه الإمام أحمد، ورواه عنه عبدوس بن مالك العطار، ونقله اللالكائي وابن أبي يعلى بالإسناد.
  • الأصل ما يُبنى عليه غيره، وأعظم أصول الدين التوحيد، والسنة هي طريقة النبي ﷺ.
  • أول أصول السنة التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، ودليله آية النساء (115) وحديث العرباض بن سارية.
  • الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، والصحابة معصومون بمجموعهم لا بأفرادهم.
  • السلفية منهج حياة شامل في الفهم والعمل والتربية، وليست مجرد مظهر.
  • جميع الفرق تدّعي الكتاب والسنة، والفيصل هو اتباع فهم الصحابة.
  • ضلال الخوارج لم يكن من قلة العبادة، بل من مخالفة منهج الصحابة في فهم النصوص.

الفوائد والعبر

  • عرض الفهم على فهم الصحابة: إذا عرض لك فهم لآية أو حديث، فاعرضه على فهم الصحابة رضي الله عنهم قبل أن تعتقده أو تعمل به.
  • الحذر من الحماس بلا علم: الاجتهاد في العبادة لا يغني عن صحة المنهج، والفتن إذا أقبلت عرفها العالِم، وإذا أدبرت عرفها الجاهل.
  • تطبيق السنة في كل الشؤون: احرص على اتباع السنة في دقائق حياتك اليومية، كأذكار الخلاء ومعاشرة الأهل، فإذا شملت السنة ذلك فهي في أمور الدين الكبرى أولى.
  • العناية بالجوهر: لا تكتفِ بمظاهر الالتزام على أهميتها، واجعل عنايتك الكبرى بالمنهج والعقيدة والأخلاق.
  • التثبت في إنزال النصوص: احذر من إنزال الآيات النازلة في الكفار على المسلمين، فهو أصل ضلال الخوارج، ولا تأخذ العلم إلا عن الراسخين فيه.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات