شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 16) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,793 مشاهدة
65 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السادس عشر من الدورة الحديثية في شرح جزء الإمام أبي عمرو الداني رحمه الله تعالى في علم مصطلح الحديث، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ في هذا الدرس عرض نقد الحافظ ابن رُشَيد الفِهري رحمه الله للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله في مسألة الإسناد المُعَنْعَن. وهي من أدق مسائل علم الحديث وأكثرها أثرًا في الحكم على الأسانيد بالاتصال أو الانقطاع.

ادّعى الإمام مسلم الإجماعَ على قبول عنعنة الراوي الثقة عن شيخ عاصره إذا لم يُعرف بالتدليس، حتى لو لم يُعلم أنه لقيه أو سمع منه. واستدل على ذلك بأربعة أدلة. ويتناول هذا الدرس الدليل الرابع، وهو قوله إن روايات التابعين عن الصحابة مقبولة بمجرد المعاصرة. ثم يعرض الأجوبة الثلاثة التي ردّ بها ابن رشيد على هذا الدليل، مع التذكير بما سبق من الأدلة والردود عليها.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم الفرق بين مذهب الإمام مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة، ومذهب علي بن المديني والبخاري في اشتراط ثبوت السماع ولو مرة واحدة. كما يهدف إلى تعليمه منهج النقد العلمي الهادئ الذي يزن الأقوال بالدليل، مع حفظ مكانة الأئمة وحسن الظن بهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خلاصة أدلة الإمام مسلم وما رُدّ به عليها

بدأ الشيخ بمراجعة أدلة الإمام مسلم الأربعة. الدليل الأول: ادعاؤه الإجماع على قبول الإسناد المعنعن مطلقًا من غير اشتراط السماع، بشرط أن يكون الراوي ثقة معاصرًا غير مدلس. الدليل الثاني: إلزامه من اشترط السماع ولو مرة بأن لا يصحح إسنادًا معنعنًا حتى يثبت السماع في كل حلقاته من أوله إلى آخره. واحتج لذلك بأمثلة لرواة سمعوا كثيرًا ومع ذلك أرسلوا، منها رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، ورواية عمرو بن دينار عن جابر وقد سمع الحديث من محمد بن علي بن الحسين عن جابر.

الدليل الثالث: ادعاؤه الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة. وقد نوقش في أمثلته، ومنها رواية عبد الله بن يزيد الأنصاري عن حذيفة. فهذا الحديث معروف عن حذيفة من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة وغيره، وإنما أورد مسلم طريق عبد الله بن يزيد في المتابعات، ويُتسامح في المتابعات بما لا يُتسامح به في الأصول. ومنها روايته عن أبي مسعود البدري، وقد أخرجها البخاري بإثبات السماع، فكان قول مسلم إنه لا يُعلم له سماع منه خطأً منه رحمه الله.

المحور الثاني: الدليل الرابع واعتذار ابن رشيد عن شدة الإمام مسلم

الدليل الرابع: ادعاء الإجماع على قبول أحاديث التابعين الثقات غير المدلسين إذا رووا بالعنعنة عن صحابة عاصروهم، ولو لم يُعلم لقاء ولا سماع. ومثّل له مسلم بأبي عثمان النهدي عبد الرحمن بن مُلّ، وبأبي رافع الصائغ نُفَيع، وغيرهما من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية وصحبوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وعدّ ابن رشيد هذا الدليل تتمةً للدليل الثاني، لأنه تمثيل بالتابعين كما كان الثالث تمثيلًا بالصحابة.

واعتذر ابن رشيد عن شدة الإمام مسلم على من خالفه، حين وصفه بأنه «بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا». فقال لعله لم يعلم أن هذا القول هو مذهب علي بن المديني والبخاري، وأنه كان يناظر بعض أقرانه أو من هو دونهم ممن تبنّى هذا المذهب. ولو علم أنه قولهما لكفّ عن الطعن فيه وخفض لهما الجناح. وأكد الشيخ أن الظن الحسن بمسلم أنه لم يقصد شيخه البخاري ولا علي بن المديني، وأن المقصود مناقشة الأقوال ووزنها بالدليل لا الطعن في أصحابها.

المحور الثالث: الجواب الأول: الإجماع لا يُسلَّم في موضع خلاف

أول أجوبة ابن رشيد أن الإجماع منقوض. فالراوي قد يكون سالمًا من التدليس ومع ذلك يُرسل. ومثال ذلك ما ذكره المزي في «تهذيب الكمال» وأبو حاتم الرازي في «المراسيل» عن إمام أهل البصرة عبد الله بن عون بن أرطبان: فقد رأى أنس بن مالك رضي الله عنه ولم يثبت له منه سماع. والرؤية أخص من المعاصرة، ومع ذلك لم يُثبت الأئمة سماعه. فكيف تكفي المعاصرة وحدها؟

ثم إن المسألة خلافية في أصلها. فعلي بن المديني والبخاري يشترطان ثبوت السماع ولو مرة، ويُعِلّان السند إذا لم يثبت. ولا يصح نقل الإجماع في محل النزاع والخلاف.

المحور الرابع: الجواب الثاني: ما ظنه مسلم بلا سماع ثبت فيه السماع

الجواب الثاني أن من صُحّحت روايتهم عن بعض الصحابة، ولم يثبت سماعهم عند مسلم، قد ثبت سماعهم عند غيره. ومن أوضح الأمثلة أبو عثمان النهدي، فقد قال فيه علي بن المديني في «التاريخ»: «كان جاهليًّا ثقة، لقي عمر وابن مسعود وأبا بكرة وسعدًا وأسامة، وروى عن علي وأبي موسى وأُبَيّ بن كعب»، وقال في بعض حديثه: «حدثني أُبَيّ بن كعب». والتصريح بالسماع وارد أيضًا في «مسند الإمام أحمد». فأنكر مسلم أمرًا ثابتًا، وبنى عليه دعوى الإجماع. ونبّه الشيخ إلى أن «أبا بكرة» تصحّف في بعض النسخ إلى «أبي بكر»، ولو كان قد لقي أبا بكر الصديق لقدّمه العلماء في الذكر كعادتهم.

ووقف الشيخ عند فائدتين لغويتين. الأولى أن «مُلّ» يجوز فيه تثليث الميم: مَلّ ومِلّ ومُلّ. والثانية أن قولهم «كان جاهليًّا» وصفٌ لا ذمّ، ومعناه أنه أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا فيكون صحابيًّا، وهذا هو المخضرم. ثم بيّن أن سعة اطلاع الإمام مسلم لا تمنع أن يفوته شيء من العلم، كما قال تعالى:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

المحور الخامس: الجواب الثالث: الأمثلة الجزئية لا تُبنى عليها قاعدة كلية

الجواب الثالث أن ما ذكره مسلم أمثلة خاصة جزئية، وليس استقراءً تامًّا يصلح لبناء قاعدة كلية. فالقاعدة تقوم على استقراء تام يُستثنى منه الشاذ النادر، لا على أمثلة متفرقة انتُقد أكثرها.

ثم إن هذه الأمثلة يمكن أن تقترن بها قرائن تدل على اللقاء أو السماع. فأكثر من مثّل بهم مسلم مخضرمون أدركوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا، وصحبوا البدريين ومن بعدهم. وقد روى صغار الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وابن عباس والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وسهل بن سعد ومحمود بن الربيع. فمن كان أكبر منهم سنًّا في ذلك الزمان فلا يُستبعد أن يكون لقي كبار الصحابة وسمع منهم. فالظاهر في رواية المخضرم عن الصحابة السماع، ولا يُعدل عن هذا الظاهر بمجرد الاحتمال.

النقاط الرئيسية

  • ادعى الإمام مسلم الإجماع على قبول العنعنة بشرط المعاصرة والثقة والسلامة من التدليس، وخالفه علي بن المديني والبخاري فاشترطا ثبوت السماع ولو مرة.
  • الدليل الرابع لمسلم هو قبول رواية التابعين عن الصحابة بمجرد المعاصرة، وعدّه ابن رشيد تتمةً للدليل الثاني.
  • اعتذر ابن رشيد عن شدة مسلم بأنه لم يعلم أن المذهب الذي يرده هو مذهب البخاري وابن المديني.
  • الجواب الأول: لا إجماع في مسألة خلافية، وقد رأى عبد الله بن عون أنسًا ولم يثبت له منه سماع.
  • الجواب الثاني: ثبت سماع أبي عثمان النهدي من أبي بن كعب بقوله «حدثني أبي بن كعب» عند ابن المديني وفي «مسند أحمد».
  • الجواب الثالث: الأمثلة الجزئية لا تنشئ قاعدة كلية، ورواية المخضرمين تحتفّ بها قرائن تدل على السماع.
  • قولهم «كان جاهليًّا ثقة» وصف بإدراك الجاهلية، وليس ذمًّا ولا جرحًا.

الفوائد والعبر

  • الأدب مع الأئمة عند مخالفتهم: نناقش الأقوال ونزنها بالدليل، ونحسن الظن بأصحابها ونلتمس لهم العذر كما فعل ابن رشيد مع الإمام مسلم.
  • التثبت في نقل الإجماع، فلا يصح ادعاؤه في مسألة اختلف فيها كبار الأئمة.
  • القواعد العلمية تُبنى على الاستقراء التام لا على أمثلة متفرقة، وهذا منهج نافع في كل العلوم.
  • العالم مهما اتسع علمه قد يفوته شيء، فينبغي التواضع وتتبع ما عند الآخرين من العلم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
  • فهم ألفاظ الأئمة على مرادهم الاصطلاحي، كلفظ «جاهلي» ولفظ «المخضرم»، يحمي طالب العلم من سوء الفهم والخطأ في الحكم على الرواة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات