خطبة جمعة بعنوان :【 العبودية 】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
خُلق الإنسان لغاية واحدة هي عبودية الله تعالى، وعليها يقوم صلاح الفرد والأسرة والمجتمع. وفي هذه الخطبة يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري موضوع «العبودية». يبيّن الشيخ أن العبودية ليست شعارًا يُرفع ولا شعائر تُؤدّى في المسجد ثم تُترك. هي استسلام كامل لله، وطاعة لأمره، ورضا بقضائه وقدره، وتقوى تصحب العبد في كل شأنه.
يفتتح الشيخ خطبته بخطبة الحاجة وآيات التقوى، ثم ينتقل إلى معنى العبودية وحقيقتها. ويربطها بالإيمان بحكمة الله في أفعاله، وبعاقبة الظلم، وبمسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، وبالنظرة الصحيحة إلى الدنيا ومتاعها.
أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد معنى العبودية الشامل، وأن يوقن بأن الله حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، وأن يحذر الظلم وأسباب هلاك الأمم، وأن يتحمل أمانة تربية الأبناء على الحلال والتقوى، وأن يعطي الدنيا قدرها الذي وضعها الله فيه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: التقوى ومحاسبة النفس مدخلٌ إلى العبودية
يبدأ الشيخ بالأمر بتقوى الله، فالتقوى هي الثمرة العملية للعبودية. والمؤمن الصادق ينظر في عمله ويسأل نفسه: ماذا قدّم لغده؟ ولا يغفل عن ربه فيُنسيه الله نفسه ومصالحها.
ويقرر الشيخ أن الفرق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة سببه العمل والتقوى. فأصحاب الجنة هم الفائزون، وهذا القرآن لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. فالأولى بالقلوب أن تلين له وتخشع.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18-19].
المحور الثاني: حقيقة العبودية والرضا بقدر الله وحكمته
يوضح الشيخ أن الله هو الخالق المالك، ونحن عبيده، والعبد لا يعترض على سيده. والعبودية الحقة سمعٌ وطاعة لأمر الله ورسوله ﷺ. فإذا قضى الله ورسوله أمرًا قال المؤمن: سمعنا وأطعنا. وهي تقوم على أركان الإيمان، ومنها الإيمان بالقدر خيره وشره.
ويبيّن أن الله تعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يُنسب إليه الشر. فما يصيب العبد من مرض أو بلاء قد يكون تكفيرًا لسيئاته أو رفعًا لدرجاته، ووراءه حِكَم عظيمة. والصبي الصغير يُبتلى وهو لا ذنب له، والأنبياء ابتُلوا، ومن ذلك ابتلاء إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه كما في سورة الصافات.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102]. وفي دعاء النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» [رواه مسلم].
المحور الثالث: الظلم سبب هلاك الأمم وزوال النعم
يحذّر الشيخ من الظلم بكل صوره، ويبيّن أن ما يحلّ بالأمة من مصائب وزلازل وفتن له أسباب، أعظمها الذنوب والظلم وكفران النعم. والله يمهل الظالم ولا يهمله، فإذا أخذه لم يفلته.
ويضرب مثلًا بالقرية التي كانت آمنة مطمئنة، فلما كفرت بأنعم الله بدّل الله أمنها خوفًا ورغدها جوعًا. ويذكّر بأن الله حرّم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» [متفق عليه]. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. وفي الحديث القدسي من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» [رواه مسلم].
المحور الرابع: الخوف على الذرية بالتقوى لا بجمع الحرام
ينتقد الشيخ حال بعض الآباء الذين يجمعون الأموال من الحرام خوفًا على أولادهم من الفقر، كالربا والرشوة وتجارة المخدرات. بل إن منهم من يبيع دينه ووطنه في سبيل ذلك. ويبيّن أن الضمان الحقيقي لمستقبل الأبناء هو تقوى الله والقول السديد.
ويذكّر بأن الرزق مكتوب والإنسان جنين في بطن أمه. فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، والحرص على الحرام لا يزيد في الرزق شيئًا.
قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا... ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [متفق عليه].
المحور الخامس: حقيقة الدنيا ومنزلتها عند الله
يختم الشيخ ببيان حقيقة الدنيا، فهي حقيرة عند الله، ولا يُمدح منها إلا ما كان لله من ذكر وعلم وطاعة. والدنيا فتنة حلوة خضرة، استخلفنا الله فيها لينظر كيف نعمل. ومن فتنها النساء، فقد كانت أول فتنة بني إسرائيل في النساء.
ويبيّن أن الفلاح ليس بكثرة المال. الفلاح في الإسلام والكفاف والقناعة. والملك بيد الله وحده، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فلا ينبغي أن يبيع العبد دينه لأجل دنيا زائلة.
قال ﷺ: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» [رواه الترمذي وابن ماجه]. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» [رواه الترمذي]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ﷺ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» [رواه مسلم]. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» [رواه مسلم]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
النقاط الرئيسية
- العبودية لله هي الغاية التي خُلق لها الإنسان، وتشمل حياته كلها.
- التقوى ومحاسبة النفس على ما قدّمت لغدها من أعظم ثمرات العبودية.
- الله حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، والبلاء فيه تكفير للسيئات ورفع للدرجات.
- الظلم وكفران النعم من أعظم أسباب هلاك الأمم وزوال الأمن والرزق.
- الخوف الحقيقي على الذرية يكون بتقوى الله والكسب الحلال، لا بجمع الحرام.
- الرزق والأجل مكتوبان على العبد وهو في بطن أمه، فلا يزيدهما الحرص على الحرام.
- الدنيا حقيرة عند الله، والفلاح في الإسلام والكفاف والقناعة.
الفوائد والعبر
- أن يجعل المسلم لنفسه وقفة محاسبة يومية يسأل فيها: ماذا قدّمت لآخرتي؟
- أن يستقبل البلاء والمرض بالصبر والرضا، موقنًا بحكمة الله ورحمته.
- أن يتحرى الحلال في كسبه، ويحذر الربا والرشوة وكل مال حرام مهما كانت المبررات.
- أن يربي أبناءه على التقوى والدين، لأنهما خير ما يُورَّث للذرية.
- أن يتجنب الظلم في بيته وعمله ومجتمعه، ويشكر نعم الله ليحفظها عليه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات