شرح علل الترمذي " قواعد في علم الرجال "( 42) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يُعدّ علم علل الحديث من أدق علوم السنة النبوية وأشرفها. فهو العلم الذي يكشف الأسباب الخفية القادحة في صحة الأحاديث التي ظاهرها السلامة. ولا يبلغه إلا الأئمة الحفاظ النقاد الذين طالت ممارستهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الرجال وأحوالهم ومروياتهم. ومن أجلّ ما صُنّف في هذا الباب "شرح علل الترمذي" للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، وقد جمع فيه قواعد نفيسة في علم الرجال ونقد الأسانيد.
وهذا المجلس الثاني والأربعون هو المجلس الأخير في شرح الكتاب، والأخير من قواعده. يتناول فيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري القواعد الختامية التي ذكرها ابن رجب. ومنها ذكر الأسانيد التي لم يصح منها شيء أو لم يصح منها إلا القليل مع كثرة ما رُوي بها، وطرق النقاد في تمييز حديث الراوي من حديث غيره، ومعرفتهم بكلام النبوة، وذكر بيوتات من الرواة عُرفوا بالضعف، ثم الخاتمة في فضل هذا العلم وأهله.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف طالب العلم بالأسانيد التي يكثر فيها الانقطاع وقلة السماع، وإلى تنمية الحس النقدي لديه. كما يهدف إلى بيان منزلة أئمة الحديث الجهابذة الذين صانوا السنة من الدخيل، وإلى غرس تعظيم منهجهم والاعتراف بفضلهم في نفوس المتعلمين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأسانيد التي لم يصح منها شيء أو صح منها اليسير
عقد ابن رجب رحمه الله فصلاً في ذكر أسانيد مشهورة كثرت الرواية بها، والصحيح أنه لم يثبت منها سماع، أو لم يثبت منه إلا الشيء اليسير. فلا يُغتر بكثرة ما يُروى بها. ومن أمثلتها رواية الحسن البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواية قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وقد نقل ابن رجب عن علي بن المديني قوله في بعض هذه السلاسل إنه لم يصح منها حديث مسند.
ومن ذلك رواية الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه. فقد قيل إنه لم يسمع منه سوى حديث العقيقة، وقيل لم يسمع منه شيئاً بالكلية. ومنه كذلك رواية حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه، فقد سمع منه بعض الأحاديث وأخذ الباقي بواسطة. وكذلك رواية أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور، فقد نقل أبو داود الطيالسي عن شعبة أنه لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث والباقي كتاب أخذه. وروى الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش أنه سمع منه ثلاثة أحاديث فقط. وبيّن الشيخ أن الحارث نفسه ضعيف جداً على الصحيح، سواء سمع منه أبو إسحاق أربعة أحاديث أو ثلاثة.
ومما اختُلف فيه سماع الأعمش من مجاهد. فالإمام البخاري يرى ثبوت سماعه منه، وخرّج بهذا الإسناد في صحيحه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الحث على الزهد، وأنكر ذلك جماعة. ونبّه الشيخ على أن من يتجرأ على تضعيف مثل هذا الحديث المخرّج في الصحيح لا يُلتفت إليه.
ومن الأحاديث الواردة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» رواه البخاري.
المحور الثاني: معرفة النقاد بحديث كل راوٍ وتمييزه من حديث غيره
قرر ابن رجب أن حذّاق النقاد من الحفاظ اكتسبوا بكثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال والأحاديث فهماً خاصاً. فبه يُعلّون الأحاديث فيقولون: هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان. ومثال ذلك قولهم في بعض الروايات: يشبه أحاديث الحسن، ولا يشبه أحاديث غيره. وهذه ملكة لا تُنال إلا بطول المعاناة وسعة الحفظ.
وتعرّض الشيخ لصنيع بعض المدلسين. فقد كان أحدهم يسمع الحديث من راوٍ ضعيف، ثم يرويه عن ثقة لم يسمعه منه، فيُظن أنه سمعه منهما جميعاً. ويتفطن النقاد لمثل هذا ببصيرتهم. كما ذكر أن الأئمة كانوا يستدلون باتفاق حديث الرجلين في اللفظ على أن أحدهما أخذه عن صاحبه.
وذكر قصة شعبة وسفيان الثوري في حديث نُسب إلى سلمة بن كهيل. فقد استنكره سفيان وقال إن قلبه لا يطمئن إلى أنه من حديث سلمة، فكُتب إلى شعبة، فتبيّن أن الحديث إنما هو من طريق آخر وليس من حديث سلمة. وفي ذلك دليل على دقة حسّ الأئمة ورسوخهم في هذا الفن.
ومما ورد في هذا السياق قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ﴾ [الأنعام: 125]، في حديث أصله مرسل ذكره ابن رجب.
المحور الثالث: معرفة الأئمة بكلام النبوة وتمييزه عن غيره
من القواعد الجليلة في هذا الباب أن النقاد يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الكلام الذي لا يشبهه. ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه أن صحة الحديث تُعلم بعدالة ناقليه، وبأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة.
وبيّن الشيخ أن هذه الملكة ثمرة الخبرة الطويلة ومعالجة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وممارسته. بها يستطيع الإمام أن يميّز كلامه صلى الله عليه وسلم من كلام غيره، فيرد الموضوع والمنكر ولو كان ظاهر إسناده مقبولاً.
ومن الأحاديث المشهورة التي مرت في الدرس: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا» متفق عليه.
المحور الرابع: الكلام في بعض الرواة وبيوتات الضعفاء
تناول الدرس تراجم عدد من الرواة المختلف فيهم. منهم علي بن عاصم الواسطي الذي رماه طائفة بالكذب، وضعّفه ابن معين والنسائي، وقال فيه أبو حاتم: مغفّل. ونقل الشيخ أيضاً كلام شعبة في التحذير من الكتابة عن بعض الشيوخ لروايتهم عن شهر بن حوشب، مع ثنائه عليهم في أنفسهم. ففرّق بذلك بين صلاح الرجل في دينه وبين ضبطه في الرواية.
ثم ذكر ابن رجب بيوتات من الرواة تتابع فيها الضعف. منها بيت عطية العوفي وذريته، كمحمد بن الحسن بن عطية ومن جاء بعده من العوفيين. وقد ضعّفهم الأئمة، وحكم الدارقطني على بعضهم بالترك. وذكر الخلاف في تحرير أنسابهم، وما وقع لابن حبان من وهم في ذلك.
ومنها أيضاً أولاد عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف. وقد قال أبو حاتم إنهم من ضعفاء الحديث وليس لهم حديث صحيح. وفي هذا تنبيه لطالب العلم على أن معرفة الأسر والبيوتات الحديثية من أدوات الناقد.
المحور الخامس: المصنفات في العلل وفضل أهل هذا العلم
ختم ابن رجب كتابه بالإشارة إلى فضل علم العلل وشرفه وعزّته، وقلة المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين. وذكر أن كتباً كثيرة صُنّفت فيه، بعضها غير مرتب، كالعلل المنقولة عن يحيى بن سعيد القطان.
وذكر كتاب الكرابيسي الذي سمّاه "المدلسين"، وقد ذمّه الإمام أحمد ذماً شديداً وأنكره عليه غيره من العلماء. والسبب أنه جمع فيه علل الأحاديث على وجه يتسلق به أهل البدع للطعن في السنة. أما أهل الحديث فلا يزيدهم معرفة العلل إلا يقيناً بالأحاديث السليمة، لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات.
وخلص إلى أن هؤلاء الأئمة هم العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون الحديث انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد. ثم ختم الشيخ المجلس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
النقاط الرئيسية
- كثرة الرواية بإسناد ما لا تعني ثبوت السماع فيه، فبعض الأسانيد المشهورة لم يصح منها إلا اليسير.
- الحسن البصري لم يثبت سماعه من سمرة إلا في حديث العقيقة على قول، وأبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أحاديث معدودة.
- ما خرّجه البخاري في صحيحه مما اختُلف في سماعه معتمد على تحقيقه، ولا يُلتفت إلى من يتجرأ على تضعيفه.
- النقاد يميّزون حديث كل راوٍ بقولهم: "يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان"، وذلك ثمرة طول الممارسة.
- صحة الحديث تُعرف بعدالة ناقليه وبكون متنه مما يشبه كلام النبوة، كما قال أبو حاتم الرازي.
- من أدوات الناقد معرفة بيوتات الرواة الضعفاء كآل عطية العوفي وولد عبد العزيز بن عمر.
- علم العلل علم عزيز قليل أهله، وقد ذم الإمام أحمد من صنّف فيه على وجه يفتح باب الطعن في السنة لأهل البدع.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم أن يتثبت في الأسانيد ولا يغتر بظاهرها، وأن يرجع إلى كلام الأئمة في السماع والاتصال.
- الملكة النقدية لا تُنال بالقراءة العابرة، وإنما بطول الممارسة ومعاناة كتب الحديث والرجال بصبر واستمرار.
- يجب تعظيم أئمة الحديث والاعتراف بفضلهم، فهم حراس السنة، ولا يُقدَّم عليهم رأي المتأخرين ممن لم يبلغ منزلتهم.
- ينبغي الحذر من استغلال علم العلل للطعن في السنة. فالمقصود منه تمييز الصحيح من السقيم، لا التشكيك في دين الله.
- صلاح الرجل في دينه لا يستلزم قبول روايته، فالعدالة والضبط شرطان متلازمان، وهذا ميزان عدل في الحكم على الناس عموماً.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات