شرح اغاثة المستغيث بشرح وتهذيب الباعث الحثيث للشيخ أبي حفص سامي بن العربي الاثري المجلس الخامس

7,979 مشاهدة
556 مشاركة
منذ 14 سنة
```html

مقدمة: فهم دقيق لمصطلح "صحيح" في علم الحديث

يُعد هذا المجلس الخامس من شرح كتاب "إغاثة المستغيث بشرح وتهذيب الباعث الحثيث" للشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، استكمالًا لرحلة التعمق في علوم الحديث الشريف. يركز هذا المجلس على جانب بالغ الأهمية والدقة في فهم مصطلحات المحدثين، وخاصة مصطلح "الصحيح" الذي قد يُطلق بمعانٍ تتجاوز التعريف الاصطلاحي المعروف.

يهدف هذا الدرس إلى توضيح أن استخدام الأئمة لكلمة "صحيح" لا يعني دائمًا الصحة الاصطلاحية التامة المستوفية للشروط الخمسة المعروفة (اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم الشذوذ، عدم العلة). بل قد يُقصد بها معانٍ أخرى نسبية أو من جهة المعنى أو القبول. هذا الفهم الدقيق ضروري لطلاب العلم لتجنب اللبس والخطأ في الحكم على الأحاديث، وتقدير عمق نظر الأئمة المحدثين.

المحاور الرئيسية

1. تعريف "الصحيح" الاصطلاحي وأمثلة عليه

يبدأ الشيخ بتذكير المستمعين بالتعريف الاصطلاحي للحديث الصحيح، وهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة. ويؤكد على أن هذا هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن غالبًا عند إطلاق كلمة "صحيح".

لترسيخ هذا المعنى، يستعرض الشيخ أمثلة من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها في الصحيحين، مثل حديث: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ." وحديث: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا." وهذه الأحاديث تُعد نماذج واضحة للصحة الاصطلاحية التي لا خلاف فيها بين المحدثين.

2. إطلاق الصحة بنسبة إلى راوٍ معين (الصحة النسبية)

ينتقل الشيخ بعد ذلك إلى المعنى الأول من المعاني غير الاصطلاحية لإطلاق كلمة "صحيح"، وهو "الصحة النسبية إلى راوٍ معين". وهذا يعني أن يصحح العالم حديثًا لنسبته إلى راوٍ معين، لا لصحته التامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد يقولون: "الصحيح المرسل" أو "المرسل أصح"، أي أن الصحيح من رواية هذا الراوي هو كونه مرسلًا، حتى لو كان الحديث المرسل في عمومه من قسم الضعيف.

يضرب الشيخ مثالًا بحديث الترمذي عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة (مرسلًا) في قصة اشتكى فيها أبا الرداد الليثي وعاده عبد الرحمن بن عوف، وفيه قول الله تعالى: "أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحْمَنَ وَشَقَقْتُ لَهُ اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ." الترمذي قال عن حديث سفيان عن الزهري: "حديث صحيح". وهنا يوضح الشيخ أن المقصود هو أن الصحيح عن الزهري أنه رواه مرسلًا، لا أنه موصول عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. وقد خالف معمر في روايته فجعله موصولًا، وحكم البخاري على وصل معمر بالخطأ. فكلمة "صحيح" هنا تعني أن هذه الكيفية من الرواية (الإرسال) هي الصحيحة عن الزهري، لا أن الحديث صحيح بذاته عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الاصطلاحي.

3. إطلاق الصحة للمعنى أو للقبول والعمل به

المعنى الثالث لإطلاق كلمة "صحيح" هو أن يكون الحديث صحيحًا من جهة المعنى، أو أن تكون الأمة قد تلقته بالقبول والعمل به، حتى وإن لم يستوفِ إسناده شروط الصحة الاصطلاحية. هذا يبرز عمق نظر العلماء وتفريقهم بين صحة الإسناد وصحة المتن أو القبول العام.

ويقدم الشيخ مثالين مهمين: الأول هو حديث "أنا مدينة العلم وعلي بابها". يذكر الشيخ تذبذب أقوال يحيى بن معين في هذا الحديث، فقد أنكره جداً في بعض الأحيان، وقال عن راويه أبي الصلت الهروي "لا أعرفه بالكذب" في أحيان أخرى، ثم وجد من يرويه عن أبي معاوية. ويخلص الشيخ إلى أن قول ابن معين "هو صحيح" لا يعني الصحة الاصطلاحية للحديث، بل يعني "صحيح عن أبي معاوية أنه رواه"، أي أن أبا الصلت لم يكذب في نسبته الرواية لأبي معاوية. فالحديث نفسه قد يكون موضوعًا كما حكم عليه الذهبي، ولكن ابن معين يصحح صحة النسبة.

المثال الثاني هو حديث أبي هريرة عن البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ." يقول الشيخ إن البخاري وصفه بأنه "حديث صحيح"، ومع ذلك لم يخرجه في صحيحه. ويوضح ابن عبد البر أن البخاري قال عنه "صحيح" لأن العلماء تلقوه بالقبول والعمل به، ولأن معناه صحيح ولا يخالف فيه أحد من الفقهاء في جملته، لا لأنه مستوفٍ لشروط الصحة الاصطلاحية التي يلتزم بها البخاري في صحيحه.

النقاط الرئيسية

  • مصطلح "الصحيح" عند المحدثين له معانٍ متعددة، وليس مقتصرًا على التعريف الاصطلاحي.
  • يجب التفريق بين الصحة الاصطلاحية (شروط السند والمتن) والصحة النسبية (نسبة الرواية لراوٍ معين).
  • قد يصحح العالم حديثًا لكونه مرسلًا، بمعنى أن الإرسال هو الصحيح في رواية هذا الراوي.
  • بعض العلماء يطلقون "الصحيح" على حديث صح معناه أو تلقته الأمة بالقبول والعمل، حتى لو كان إسناده ضعيفًا.
  • فهم مراد الأئمة من كلمة "صحيح" يتطلب التعمق في علم العلل والرجال وأقوال الأئمة النقاد.
  • الإمام الناقد قد يخطئ في بعض اجتهاداته أو يغير رأيه، وهذا لا ينقص من قدره.
  • الجهل بهذه التفاصيل الدقيقة يؤدي إلى سوء فهم أقوال العلماء والحكم الخاطئ على الأحاديث.

الفوائد والعبر

  • تعميق الفهم لعلم الحديث: يكتسب المشاهد فهمًا أعمق وأكثر دقة لمصطلحات المحدثين وكيفية استخدامهم لها.
  • تقدير دقة العلماء وورعهم: يدرك المشاهد مدى الدقة والورع الذي كان يتحلى به أئمة الحديث في التعامل مع السنة النبوية الشريفة.
  • الحذر من التسرع في الأحكام: يتعلم المشاهد عدم التسرع في الحكم على الأحاديث بمجرد قراءة كلمة "صحيح" أو "ضعيف"، بل يجب الرجوع إلى شروح العلماء وتوضيحاتهم.
  • أهمية التخصص والتعمق: تتضح أهمية التخصص في علوم الحديث، وأن الظاهر قد يختلف عن الباطن في كثير من الأحيان.
  • منهجية البحث والتدقيق: يكتسب المشاهد منهجية في التعامل مع أقوال العلماء، وكيفية الجمع بينها وفهم مراد أصحابها.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات